التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

القصيبي

فاطمة الشيدي 
شرفات - جريدة عمان
27 نوفمبر  2011

يحيلك اسم غازي القصيبي إلى الشعر كما يحيلك إلى السياسة، السياسة التي هي ضد الشعر تقريبا، بل وضد الكتابة بكل أشكالها وطقوسها وطبيعتها المتمردة والثورية، وربما ليس سهلا أن نتخيل الشاعر "الصعلوك المفترض" يجلس على كرسي وثير، كما يصعب أن نتخيله حسن الهندام، غالي الثياب، معطّر، كما يصعب بشكل أكثر أن نتخيله هادئ الروح متزن العقل، بعيدا عن القلق والتشتت والتذمر، بل ومنسجم مع السياسة والسلطة فهو ابنها وعليه واجبات كثيرة تجاهها؛ أهمها الطاعة والالتزام بنواميسها ومحدداتها الوظيفية والحرص على تطبيقها.
ولكن غازي القصيبي فعلها، بل وجمع إلى السياسة والكتابة بشقيها الشعري والسردي، العلم الأكاديمي المتخصص، فهو الأستاذ الأكاديمي قبل أن يكون السفير والوزير، فإذا كان ابن زيدون ذي الوزارتين، فيمكننا أن نقول أن غازي القصيبي ذو الثلاث وزارات: الأدب (الشعر والسرد)، والعلم، والسياسة. بل واستطاع أن يقدم في كل منها الكثير والكثي خين ذهب عن عمر يناهز السبعين عامًا في يوم الأحد 5 رمضان ،1431 الموافق 15 أغسطس 2010 تاركا لنا حياة حافلة بالعشق والأدب والشعر والسياسة والكثير من الكتب، وقد وصل عدد مؤلفاته إلى أكثر من ستين مؤلفاً، منها: في الرواية والقصة: "شقة الحرية"، و"دنسكو"، و"أبو شلاخ البرمائي"، و"العصفورية"، و"سبعة"، و"سعادة السفير"، و"الجنيّة"، و"سلمى"، و في الشعر دواوين: "معركة بلا راية" و"أشعار من جزائر اللؤلؤ" و"للشهداء" و"حديقة الغروب". وله إسهامات صحافية متنوعة أشهرها سلسلة مقالات في عين العاصفة، كما له مؤلفات أخرى في التنمية والسياسة: منها: "التنمية"، "الأسئلة الكبرى"، و"عن هذا وذاك"، و"باي باي لندن" ، و"الأسطورة ديانا"، و "100 من أقوالي غير المأثورة" و"ثورة في السنة النبوية" ،و"حتى لا تكون فتنة" ومقالات أخرى. ويعد كتاب حياة في الإدارة أشهر ما نشر له، وتناول سيرته الوظيفية وتجربته الإدارية، كما ترجم كتاب للمؤلف ايريك هوفر باسم المؤمن الصادق.
ذكره معلمه الأديب العماني الراحل عبد الله بن محمد الطائي ضمن الشعراء المجددين في كتابة (دراسات عن الخليج العربي) قائلا:"أخط اسم غازي القصيبي، وأشعر أن قلبي يقول ها أنت أمام مدخل مدينة المجددين، وأطلقت عليه عندما أصدر ديوانه أشعار من جزائر الؤلؤ الدم الجديد، وكان فعلا دما جديدا سمعناه يهتف بالشعر في الستينيات، ولم يقف، بل سار مصعدا، يجدد في أسلوب شعره، وألفاظه ومواضيعه".
ورغم تعدد الحيوات التي عاشها القصيبي وثرائها وتنوعها إلا أن الشاعر كان هو الأكثر حضورا في تكوينه النفسي والثقافي، كان شاعرا يمارس السياسة، وكان شاعرا يكتب الرواية والإدارة، وكان شاعرا يحلم بالحرية والقومية العربية، وكان شاعرا ينتقد الأوضاع السياسية حتى فقد وظيفته، لقد شاعرا حالما ومتألما، لذا فأغلب شعره ينبع من الذات المتوهجة بالأمل والمتكتظة بالحزن والألم، والمنتقدة والرافضة، لذا فإن هموم الذات وآمالها وآلامها، وهموم الأمة وعثراتها كان أهم مايشغله، وينظمه شعرا .
يقول في القضية الفلسطينية:
سلام!
على قاتل الغيد و الأبرياء.. السلام
على بائع الأرض و الكبرياء.. السلام!
و بوركتما تصنعان السلام!
و بوركتما تنثران الحضارة في مربع الجهل
تبتسمان و تعتنقان و ترتجلان
ألذ الكلام
سلام!

وداعا.. وداعا
فهذا هو القدس ضعنا وضاعا
فها هي ذي ضفة النهر في يدهم
أمة اشتروها و باعا
وداعا.. وداعا
ويقول في وصف رحلته الذاتية المرهقة والتي يعيشها بقدر كائن لا يستطيع التراجع، ولا التقهقر رغم الألم والضعف والخذلان من الأصدقاء، ورغم حروب الأعداء، ورغم رعونة الزمن الذي يمرر عجلاته وسنواته على جسده وروحه :
خـمسٌ وسـتُونَ.. في أجفان إعصارِ** أمـا سـئمتَ ارتـحالاً أيّها الساري؟
أمـا مـللتَ مـن الأسفارِ.. ما هدأت** إلا وألـقـتك فـي وعـثاءِ أسـفار؟
أمـا تَـعِبتَ من الأعداءِ.. مَا برحوا** يـحـاورونكَ بـالـكبريتِ والـنارِ
والصحبُ؟ أين رفاقُ العمرِ؟ هل بقِيَتْ** ســوى ثُـمـالةِ أيـامٍ.. وتـذكارِ
بلى! اكتفيتُ.. وأضناني السرى! وشكا** قـلبي الـعناءَ!... ولكن تلك أقداري
ويصف تغير مزاج الكائن، وتبدل أحواله وقلبه وعواطفه مع الزمن، وضياع الدهشة والشغف من القلب والروح، والوصول بالشعور لمنطقة الظل الرمادية:
أوَ تدرين لماذا
كلما قربنا الشوق نما ما بيننا
ظل جدار؟
ولماذا
كلما طار بنا الحلم أعادتنا
إلى الأرض أعاصير الغبار؟
ولماذا
كلما حركنا الشعر غزانا النثر
فالألفاظ فحم دون نار؟
أوَ تدرين؟
لأن القلب ما عاد كما كان
بريئا
طيبا كالنبع.. كالفكرة.. في الليل
غازي القصيبي اسم لا يسع الذاكرة الجمعية العربية عامة والخليجية خاصة إلا أن تتلذذ بذكره لما قدم من أعمال أدبية وثقافية ولاتصال تلك الذاكرة بالروح والمكان والقضية والإنسان، ولا نستطيع نحن الذين عانقنا كلماته في مراحلنا العمرية والدراسية المبكرة إلا نجتر تلك الذاكرة، تماما كما نستعذب رجع أغنية "يارا" بصوت الفنان خالد الشيخ:
مالت على الشعرات البيض تقطفها
يارا و تضحك: لا أرضى لك الكبرا
يا دميتي! هبك طاردت المشيب هنا
فما احتيالك في الشيب الذي استترا؟
وما احتيالك في الروح التي تعبت؟
و ما احتيالك في القلب الذي انفطرا؟
و ما احتيالك في الأيام توسعني
حرباً.. وتسألني: من يا ترى انتصرا؟!
يا دميتي! حاصرتني الأربعون مدى
مجنونةً.. وحراباً أدمت العمرا!
فمن يرد لي الدنيا التي انقشعت؟
ومن يعيد لي الحلم الذي عبرا؟
وما بكيت على لهوي ولا مرحي
لكن بكيت على طهري الذي انتحرا



تعليقات