التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

يحبهم الله، ونحن ...؟؟؟

نشرت بملحق نوافذ تربوية - جريدة عمان
فاطمة الشيدي



الطفولة معنى عظيم يجسد علائقية الإنسان بالروح والجمال، وبالمحبة والطهر، فتلك البراعم التي تتفرع من أرواحنا، وتنمو بين أيدينا وترقبها عيوننا، وتفيض علينا إحساسا جميلا تحمله نفوسنا نشوة وفرحا، وحلما يكبر يوما بعد يوم، تنتظر منا الكثير من التربية والعطاء والإعداد. ولذا فعلينا أن نتساءل: ماذا ينبغي علينا كأفراد ومؤسسات أن نقدّم لهذا الطفل كي يكبر بشكل سوي ليكون دعما للمجتمع والوطن؟ وما متطلبات نموه المادية والمعنوية؟ وما الأدوات والوسائل المنظّمة والدقيقة التي يجب أن تعمل بها المؤسسات لإعداده؟
إن كل هذه الأسئلة تجعلنا نتأمل الأدوار الإنسانية الواجبة لصناعة الطفل كمشروع إنسان صالح ومفيد لمجتمعة وللبشرية جمعاء، ولذا فإن تحديد آليات سد الاحتياجات النفسية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية لهذا للطفل هي مسؤولية الجميع أفرادا ومؤسسات، بدءاً من الأسرة كمؤسسة أولى تهتم وتسهم في بناء الروح والجسد والعقل لهذا الطفل، ووفق متطلبات معرفية وإنسانية عليا لابد أن يتمتع بها الوالدين، ولابد من تنميتها بالقراءة والاطلاع والمعرفة والحرص والمتابعة، فالمؤسسات الاجتماعية والعلمية والدينية.
إن الطفل يحتاج إلى كل ما من شأنه أن يسد احتياجاته الخاصة جدا، من الحاجات الأساسية كـ (الخبزة، والدمية، والدفء، والسقف) حتى الحاجات الأهم كالأمان والحرية والوعي والتربية والتثقيف، يحتاج الأكل والشرب والغطاء والبيت والدواء، تماما كما يحتاج الحنان والرعاية والتربية والمرح والتسلية والكثير الكثير لينموا نمواً طبيعياً. وكل هذا سينعكس على تكوينه ويصنع إنسانيته الكاملة والمتزنة والثابتة.
و لكن في غياب المنظومة الأسرية والرعاية الاجتماعية المتكاملة والناضجة تغيب هذه المتطلبات الأساسية، أو تحضر بشكل سلبي أو ناقص أو جزئي مما قد يضاعف حالات الضياع والتشرد، أو يخلق إنساناً لا سوياً نفسياً واجتماعياً، ولذا فإن الجانبين المادي والمعنوي عنصران أساسيان في التنشئة السوية للطفل، لأن غياب أو نقص أحدهما يؤثر في تنشئة الأطفال، فبغياب المادة أو المستوى الاقتصادي المناسب ينشأ الطفل لا سوياً من الناحية البنيوية الجسمية والصحية نتيجة نقص التغذية، أو الإنسانية حين يعيش في شظف فيضطر للعمل لإعالة نفسه أو أسرته، فينشأ ممتهن الكرامة، غير سوي النفس والشعور، يشعر بالعجز والإهانة وعدم مشاكلة الآخرين فيما يتمتعون به من حقوق إنسانية، وقد يداهمه المرض، فيكبر ضعيفاً هشاً وينعكس ذلك عليه من الناحية الفكرية خللا وتراجعا. أما الجانب المعنوي فهو سر التنشئة النفسية الصحيحة فالحنان والحب والرعاية والنصح والإرشاد بلا عنف ولا تقريع ولا ظلم أو ضيم حاجات أساسية لابد من سدها لينشأ الطفل سليما صحيح البنية والنفس.
إن احتياجات الطفولة الكثيرة تمثل تحديا كبيرا للمربين والمنظرين على حد سواء، وللأسرة والمجتمع والدولة معا. لذا فلابد أن تتكاتف المؤسسات الاجتماعية ( أسرة- مؤسسات ما قابل مدرسة – المسجد – المدرسة ) وفق منظومة متكاملة لتحديد احتياجات الطفل، ومن ثم تحديد آليات سد تلك الاحتياجات من مرحلة ما قبل وجوده كمشروع إنسان، فلابد من التخطيط للزواج وتكوين أسرة، ثم التخطيط للحمل والإنجاب، ثم التخطيط لكيفية تربية هذا الطفل لرفد المجتمع بفرد صالح ومنتج ومفيد، وذلك من خلال مؤسسات الإرشاد الاجتماعي التي يجب أن تعني بتقديم دورات نفسية واجتماعية وتربوية في الاستعداد للزواج والإنجاب وتربية الطفل كي لا يغدو الأمر عشوائيا، ويصبح إنجاب الطفل وتربيته عبئا على الأسرة والمجتمع لاحقا.
ولأن الأوضاع المادية والاجتماعية والاقتصادية والثقافية التي تحتكم إليها بعض الأسر تمثل عائقا فولاذياً بين الطفولة والحياة السوية والقادرة على تكوين حالة إنسانية راقية، بدءا من تدني مستوى المعيشة ودخل الفرد، فالتفكك الاجتماعي نتيجة الطلاق أو كبر حجم الأسرة المتعددة الأمهات، وتخلخل الكثير من الأطر والقيم والمفاهيم الاجتماعية مثل قرب الوالدين وتفهمهما الذي ينعكس بالضرورة على بناء هذا الطفل/الإنسان المستقبل، فلابد أن تهتم جميع الدول والحكومات والمؤسسات في السياسات والخطط التنموية المتجدد بزيادة الاهتمام ببناء الطفل من خلال دعم الأسر ذات المستوى المادي المنخفض، وتوفير المؤسسات التي تعين الوالدين على التربية مثل مراكز الإرشاد النفسي والاجتماعي، وتوفير الخدمات الصحية والتعليمية المناسبة والمتنوعة والتي تشمل جميع الأطفال، كتوفير حضانات ودور أطفال في كل بيئات العمل الخاصة بالنساء، وأماكن للعب والترفيه في كل مراكز التسوق، والنوادي الصحية والحدائق العامة والمكتبات في كل حي تقريبا لدعم نموه العقلي والروحي، كما لابد من وجود القوانين الداعمة لنمو الأطفال نموا صحيا سليما، وتجريم كل من يقوم بالاعتداء على الأطفال جسديا أو نفسيا بأشد العقوبات، أو من يحرمهم حقهم في التعليم والصحة والأمان والحياة الكريمة سواء من داخل الأسرة أو خارجها.
وإذا كانت سوء الحالات الاجتماعية والاقتصادية تشكل المشكلة الأهم في حيوات أطفالنا في العالم العربي إلا أن المشكلة الثقافية والفكرية هي المشكلة الأبلغ في خطاب الطفل العربي، فكم من سقف يحوي الأسرة ذات المستوى المادي المناسب، ولكن لا يتوفر لديها من الوعي الفكري والثقافي ما يسد حاجات هذا الطفل المادية، والمعنوية، والصحية، والتعليمية، والتربوية، والغذائية، واللعبية والتوعوية، والثقافية، وبذلك ينشأ الطفل في جوع شديد لكل هذا، فقير لكل النواحي التي تشكل إنسانيته وتدعم وجوده المستقبلي، وبذلك يذهب في الضياع ويتشكل إنسانا لا سويا في هذا المجتمع الذي هو اليوم بحاجة أكثر من أي وقت مضى للسواء، والفكر الخلاق.
إن تربية الطفل هي مسؤولية مؤسسية كبرى لإعطاء هذا المشروع الإنساني كل الاهتمام وإيلائه كل العناية القائمة على الحب والعطف، والرعاية المستندة على معرفة حقيقية بذاته وعقله ونفسه وكيفية تنميتها وصوغها بما يتوافق وطبيعتها، والمرحلة العمرية التي يحياها، والمستجدات العلمية والتقنية والمعرفية الحديثة، بشكل يجعل منه إنساناً ناجحاً وصالحا وآخذا بيد مجتمعه نحو التقدم والازدهار .

تعليقات