29 نوفمبر 2011
شرفات - جريدة عمان
"ما في العالم إلا صور"
محيي الدين ابن عربي
الانتظار هو حالة ترقب طبيعية لهذا الكائن المقدود من رحم المجهول والآيل إليه لا محالة، ولكأن حياة الإنسان فراغ هائل بين انتظارين، حالة لهاث حادة مشفوعة بحالات فقد أو خيبات متراكمة في انتظار انفراجها الذي قد لا يأتي، ويمتد الانتظار منذ لحظة الصفر، حتى لحظة الصفر!
وهو أيضا بهجة المجهول القادم من مساحات قصيّة، والتي تمنح الوقت تميمتها للاستمرار، وتمنح الكائن رقية الصبر حتى تحين ساعات الانفراج أو الحضور للمرتقب.
الانتظار تلك الحالة المطاطية المدى، المتوحشة الفرح، الغائية الأفق، المستشرية ببهجتها البعيدة في الحيوات الحاضرة والغائبة، الماثلة والسرية. وهو كائن متعدد المسميات، فهو الأمل أيضا! أكذوبة السادر في الغي، الصورة الأخرى الأكثر حدة وتلميعا واخضرارا للرغبة في انفراج عتمة الانتظار، وهو الأمنيات ببهجتها البيضاء لغد مسيّج بلهيب الشوق، "الشوق" المسمى الأكثر حرقة لمشقة الانتظار، وهو الحلم غابة السلام الذي يقيم الانتظار بين حدقاتها المستشرفة للآتي مشبعا بألوان مشعة، وحرقة أقل.
الانتظار ببساطة هو ظل الكائن الذي يتقدمه ويركض خلفه/يهرب منه ويهرب إليه، في ذات الآن، هو اليد التي تمنحنا ظلال الغد وإشراقاته بكلمة "تقدم/ تعال" هو التعويذة التي نحيا بها، وربما لها فقط، وقد نهرب منها إلى سواها فور ما تتحقق، وقد نعيد صوغها أو صياغتها بأشكال وأحجام وألوان مختلفة، وبمسميات أخرى أكثر استدارة أو استطالة.
إذن: وربما! حقيقة أو وهما نحن نشكّل بالانتظار أرواحنا، ونصوغ به أعمارنا، ونلوّن به أحلامنا، ونغير من خلاله براويز أيامنا لنستمر، لأن كل ما يمكن أن نفعله خارج الانتظار هو أن نسير للعدم أو النهاية والفناء.
إننا ننتظر كل شيء، ننتظر ما ينقصنا لنكتمل، وما يجرحنا لننزف، وما يؤلمنا لنكتب، ننتظر ما عشناه لنحياه مرة أخرى بصورة أخرى، وما لم نعشه لنتذوقه ونخبر طعمه ولونه، ننتظر ما نعرفه لأننا نحبه، وما لا نعرفه لنعرفه، ما لدينا لنستزيد منه، وما ليس معنا ليكون لنا..إذن كأننا ننتظرنا في أشكال أخرى، أكثر عتمة تارة، وأكثر ضوئية وبهجة تارة أخرى.
ويكون الانتظار بأن ننتظر ونحن نعيش الحياة تارة، وفي تلك الحالة تكون حلاوة الانتظار ليست قصوى لأنها هامشية أو ناقصة، فنحن ننتظر ما يكملنا فقط ولكننا ماضون في الاستمرار، ولكأن فكرة الانتظار هنا عاجزة ودون فكرة الخلاص، فأن ننتظر أو لا نتتظر سواء، وقد ننتظر ونحن نضع على حيواتنا كلها علامة (قف) لأن المنتظَر هو كل شيء، هو نحن تماما، حيواتنا الجامدة التي تنتظر الوقود لتتحرك، الفرح العاجز الذي ينتظر ما يشعله، الحزن الممطر الذي ينتظر ما يستبيحه، وهنا يصبح المنتظِر ما سوى ظل يعيش خارج الحالة/ خارج الحياة، يعيش على رحابة الأمل وفوضى الانتظار، يكون ما سوى حالة انتظار فقط، لذا يكون الانتظار كاملا، وحالته قصوى وكليّة، فالانتظار هو المتن، والمنتظَر هو النجاة والخلاص، وهذه الحالة للانتظار هي الحالة الوجودية والفلسفية للكائنات التي تتلاشى في متاهات الغياب وتعيش فسح الوقت في هوامش الحلم، هي ثقافة الوعي الجارح المدجج بفكرة الخلاص الأجمل. أو بفكرة الانتظار الأعمق ، كحلم هو أقصى ما يمكن أن يعاش في حد ذاته، حالة وجودية متحققة في ذاتها، ولذاتها، يصبح الانتظار تلذذا بفكرة الانتظار ذاتها كمعادل للاستمرار والحياة، معادل للآتي الذي قد لا يأتي، وقد يكون الموت هو ذلك الآتي الأجمل المنتظر، وقد يكون اللاشيء هو المنتظر الذي قد يأتي.
إنه فقط الانتظار/الأمل/ الحلم/ وفق مساحة الوعي المتحركة خارج دوائر الثبات، وحول محاور الارتكاز النفسي الكارثي والجنائزي، لكائنات لا تملك خياراتها خارج فكرة المطلق للأشياء، وخارج اجتراحاتها العبثية لفلسفة الوعي الموغل.
تعليقات