التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

نازك الملائكة

فاطمة الشيدي 
13 سبتمبر 2011

شرفات - جريدة عمان

الدهرُ يسألُ من أنا
أنا مثلهُ جبّارةٌ أطوي عُصورْ
وأعودُ أمنحُها النشورْ
أنا أخلقُ الماضي البعيدْ
من فتنةِ الأمل الرغيدْ
وأعودُ أدفنُهُ أنا
لأصوغَ لي أمسًا جديدْ
غَدُهُ جليد
نازك الملائكة
إنها عاشقة الليل، أو شجرة القمر، أو صائدة الماضي، أو رائدة الشعر الحر، وأول من نظّر له، وغيرها من المسميات الكثيرة التي ما هي إلا وصف بسيط لامرأة واحدة عبرت هذا العالم بثقة مع مطلع القرن الفائت، حيث ولدت في 1923، ورحلت عنه بهدوء في بدايات هذا القرن 2007، امرأة خرجت من أرض الرافدين لتحلّق في هذا العالم من شرقه لغربه، ثم تموت في أرض الكنانة بعد أن استنجزت مشروعها العظيم المؤهِل للخلود، المرأة التي وقفت بوعيها وثقافتها وشاعريتها ضد تاريخ من الذكورية العربية الفجة، طالت كل شيء من السلطة والحكم حتى العلم والفن والأدب والكتابة.إنها نازك الملائكة التي احتفى العالم في هذه الفترة بعبورها لهذه البسيطة، ذلك العبور الذي لم يكن هشا ولا ضعيفا ولا بسيطا، بل كان مميزا وعظيما وخالدا ليجعل «جوجل» يحتفي بها ويسجل سبعمائة ألف زائر لاسمها في ذكراها الخالدة.
لقد عبرت نازك الملائكة هذا العالم في تضادها للأشياء والتاريخ والمجتمعات المتأسّسة على دعائم رجولية، لا تسمح للمرأة أن تشق عتمتها المؤسسة على بنيان راسخ، وظلمها القائم على اضطهاد بين، ولكن نازك الملائكة بكل ما ملكت من مقومات وراثية وثقافية وفكرية عبرت هذا التاريخ الذكوري على عرضه، تاركة له كل مقتنياته المتحفية، ومخلفة وراءها كل رفضه وقيوده، شاقة طريقها الوعر بدعائم قوية من العزيمة والعتاد المعرفي، لذا عبرت التاريخ العربي بقدمها اليمنى غير آبهة بكل ذلك الصخب الذكوري المدجج بالأصوات العالية والخشنة، والحس المشفوع بالصمت والممالئة والظلم النسوي بكل شعرائه ومؤرخيه وكتابه عبر العصور والحقب.
لقد مضت نازك الملائكة في رحلتها بين الحضور والغياب في ثقة وثبات مستمدة من أم شاعرة، وأب مثقف ومعرفة متنوعة المصادر والتكوين والأمكنة والثقافات؛ لتكون ضمن قليل من النساء اللواتي لم يرغبن في دور ملكات النحل، بل جاهرن العالم بالأدوار الخلفية/ الأمامية وهي التمتع برحيق الزهر وإنتاج العسل.
لقد كانت نازك الملائكة في رحلتها المأخوذة بالمعرفة والتفرد تمشي بهدوء وحكمة وثبات وعلم ووعي وعدم رغبة في الظهور، لتكون رحلتها خاصة ومميزة بتفرد وخصوصية تجمع بين الكثير من الجوانب الإنسانية والمعرفية كالشعر والنقد والأدب واللغات والموسيقى.
لقد انطلقت من ذاتها وروحها وعذاباتها الخاصة في الكتابة واللغة والشعر تحديدا فن الروح والإنسان، محاولة أن ترسم صورا شعرية لاغترابها الوجودي، وللقلق الإبداعي المدجج بالتساؤلات والحيرة التي يأكل روحها، وهو زاد المبدع الذي يحرقه ويحييه في ذات الآن، السؤال الذي لا يبحث عن إجابات، بل يتصاعد ليجسّد الروح نصا قلقا وخاصا وعميقا.. تقول:
الليلُ يسألُ من أنا
أنا سرُّهُ القلقُ العميقُ الأسودُ
أنا صمتُهُ المتمرِّدُ
قنّعتُ كنهي بالسكونْ
ولففتُ قلبي بالظنونْ
وبقيتُ ساهمةً هنا
أرنو وتسألني القرونْ
أنا من أكون؟
والريحُ تسأل من أنا
أنا روحُها الحيران أنكرني الزمانْ
أنا مثلها في لا مكان
نبقى نسيرُ ولا انتهاءْ
نبقى نمرُّ ولا بقاءْ
فإذا بلغنا المُنْحَنى
خلناهُ خاتمةَ الشقاءْ
فإِذا فضاءْ!
وبخيط شعري رفيع تنتقل من الذات للآخر، للإنسان، أو تربط بينهما في المصير الأكبر، موغلة في تجسيد صور الحزن والألم الذي يتعدى الذات لما وراءها، ويثقل الروح بوجع الخارج وشظاياه والأمه ووخزه.
حيث تقول في قصيدة خمس أغنيات للألم بروح يثقلها وجع السؤال:
من أينَ يأتينا الألم؟
من أين يأتينا؟
آخى رؤانا من قِدَمْ
ورَعَى قوافينا
إنّا له عَطَشٌ وفَمْ
يحيا ويَسْقينا
أليسَ في إمكاننا أن نَغْلِبَ الألمْ؟
نُرْجِئْهُ إلى صباحٍ قادمٍ؟ أو أمْسِيهْ
نشغُلُهُ؟ نُقْنعهُ بلعبةٍ؟ بأغنيهْ؟
بقصّةٍ قديمةٍ منسيّةِ النَّغَمْ؟
ثم تمضي في تجسيد صور المعاناة الإنسانية كالفقر والمرض والجوع والموت والخراب والحزن، كهم أكبر يشغل روحها الشاعرة المقتربة من الأرض والإنسان، والمهمومة بعذابات الكائن وغربته وموته ووجعه، في حالة من التشارك الإنساني الوجودي الخالد مع حتمية المصير في الموت والحياة.
لذا فمن يقترب من تجربتها الرائدة يجد أن قصيدتها جسدت كل مظاهر المعاناة الإنسانية بجمالية متناهية وملامسة واعية ومدركة لها، فكتبت عن المرأة وعذاباتها، وعن الطفولة وأوجاعها، وعن الشيخوخة وآلامها، وعن الشباب وضياعهم وأحزانهم، وعن الموت، والفقد، والغربة حيث يولد الإنسان ويعيش وقد يموت غريبا ولا يشعر به أحد. وعن الحروب والأوبئة والخراب. وغيرها من مظاهر الألم ومدارات الحزن.
وكانت قصيدتها «الكوليرا» والتي سجلت بها سبق الريادة في الشعر الحر، تعبيرا عن معاناة الإنسان الضعيف في مواجهة الوباء والموت الجماعي الذي لا يقف أمامه شيء، خالدة وواقعية وإنسانية.
سكَن الليلُ
أصغِ إلى وَقْع صَدَى الأنَّاتْ
في عُمْق الظلمةِ، تحتَ الصمتِ، على الأمواتْ
صَرخَاتٌ تعلو، تضطربُ
حزنٌ يتدفقُ، يلتهبُ
يتعثَّر فيه صَدى الآهاتْ
في كل فؤادٍ غليانُ
في الكوخِ الساكنِ أحزانُ
في كل مكانٍ روحٌ تصرخُ في الظُلُماتْ
في كلِّ مكانٍ يبكي صوتْ
هذا ما قد مَزّقَهُ الموتْ
الموتُ الموتُ الموتْ
يا حُزْنَ النيلِ الصارخِ مما فعلَ الموتْ.
كما صورت معاناة الطفولة الوحيدة والمقهورة والتي يأكلها الجوع واليتم حين تجد نفسها بلا مأوى، ولا معين في كون موحش ومتوحش ينهش بمخالبه جسدها وروحها، ولا يد رحيمة في هذا العالم تمتد لتسند الوهن، أو تسعف الحرمان، في تصوير شعري إنساني ينساب ضمن قصيدة»اللقطة» أو «المشهد» وهي الصورة الشعرية المتحركة أو السينمائية والتي تنقل المتلقي تماما لتفاصيل الحالة، كما تعكس كل جوانب المشهد الإنساني بلغة دقيقة ومحكية ببلاغة قادرة على أن تصوّر جماليات الشهد شعريا، وبؤسه إنسانيا ليتفاعل المتلقي مع كل ذلك الحزن والجوع والطفولة الموؤدة، وشعريا مع بلاغة نص يستطيع تقديم الحالة الإنسانية بدقة وجمال.
كان البرق يمرّ ويكشف جسم صبيه
الإحدى عشرة ناطقة في خدّيها
في رقة هيكلها وبراءة عينيها
رقدت فوق رخام الأرصفة الثلجيّة
ضمّت كفّيها في جزع في إعياء
وتوسّدت الأرض الرطبة دون غطاء
والحمّى تلهب هيكلها ويد السّهد
ظمأى ، ظمأى للنوم ولكن لا نوما
ألم يبق ينهش ، لا يرحم مخلبه
وتظلّ الطفلة راعشة حتى الفجر
حتى يخبو الإعصار ولا أحد يدري
أيّام طفولتها مرّت في الأحزان
تشريد ، جوع ، أعوام من حرمان
كما تصور العجز الإنساني في مرحلة الضعف والوهن إذ يشتعل الرأس شيبا ويبلغ الإنسان من الكبر عتيا، ولا يجد يدا تمتد إليه، ولا عصا يتكئ عليها، ولا من يسد حاجته، ويشفع للزمن في التحنان والرأفة به.
يا دموع الشيوخ في الأرض هيهات
تجفّين في العيون الشقّيه
أي شيخ لا يذرف الأدمع الحرّى
على ما مضى ويشكو البليّه
فهو ذاك المحزون قضّى صباه
في لهيب الهموم والأحزان
ثم ذاق الشباب كأسة دمع
ما لحيّ على قذاها يدان
ثم غاب الشباب في ظلمة العمر
ومات الأحباب والأنصار
كما صورت بوجع حقيقي الفيضان المخيف الذي ألمّ ببغداد سنة 1946 ، اثر سماعها بقصة مقبرة غمرتها مياه النهر المتوحش في مساء عاصف» تقول:
قبر على التلّ وحيد غريب
** رانت عليه ظلّة العوسج
قبر وحيد لم تنله المياه
** معتصم بالقّمة الساخرة
بالأمس قد كان هنا عالم
** يغمره الموت بأستاره
يهفو عليه العدم القاتم
** في وجمة الصمت وأسراره
يا جثثا ما كفّنتها المنون
** بغير أطباق الثرى العارية
هذي الوجوه الشاحبات الجباه** وهذه الأشلاء والأعين
يا نهر لا تقس على المّيتين ** حسبك ما سبّبته من شقاء
حسبك ما شرّدت من بائسين
** وارفق بسكّان الثرى الأبرياء
يا رحمة بالجثث الباردة
** وليك في موجك بعض الشعور
في كلّ ركن من دجى المقبرة
**تسبح أجساد وتطفو عظام
ورغم كل تصوير المعاناة الإنسانية والوجودية وكل مظاهر الحزن والخراب الإنساني والكوني إلا أن شاعرتنا كانت لا تنفك تطلق لروحها العنان لاجئة للطبيعة متأملة وهائمة في محرابها، موغلة في الهيام والتأمل والسبحات الخيالية الجميلة، ومسجلة كل ذلك بروح عالية من اللغة التي كانت طيعة بين يديها ترسم بها ما تشاء من الصور الخاصة والأخاذة، كما كانت لغتها مغسولة بالماء والخضرة والزرقة وهو ما يجسد انعكاس الطبيعة التي ولدت وترعرعت فيها في روحها الشاعرة ولغتها اللينة والمورقة بالجمال والدهشة.
تقول بعذوبة طفلة ترقب النهر واصفة ذلك المنظر الخلاب، الذي يشبه الكثير من الحالات الإنسانية حين يمضي الإنسان في رفعته وطفولته، فهي تصور حالة تأملها للنهر .. تقول:
أين نمضي؟ إنه يعدو إلينا
راكضًا عبْرَ حقول القمْح لا يَلْوي خطاهُ
باسطًا، في لمعة الفجر، ذراعَيْهِ إلينا
طافرًا، كالريحِ، نشوانَ يداهُ
سوف تلقانا وتَطْوي رُعْبَنا أنَّى مَشَيْنا
إنه يعدو ويعدو
وهو يجتازُ بلا صوتٍ قُرَانا
ماؤه البنيّ يجتاحُ ولا يَلْويه سَدّ
إنه يتبعُنا لهفانَ أن يَطْوي صبانا
في ذراعَيْهِ ويَسْقينا الحنانا
لم يَزَلْ يتبعُنا مُبْتسمًا بسمةَ حبِّ
قدماهُ الرّطبتانِ
تركتْ آثارَها الحمراءَ في كلّ مكانِ
إنه قد عاث في شرقٍ وغربِ.
في حنانِ ماضية في رسم الصورة في وصف مدهش وصور بديعة وأخاذة لكل التفاصيل الحسية والمجردة، القريبة والبعيدة، الداخلية والخارجية، وهي كذلك في رسمها لكل ما يعتمل في روحها، أو يتقاطع مع إنسانيتها في الكون والوجود طبيعة وإنسانا.
وبعد أن أنجزت مشروعها الشعري والنقدي والإنساني بعمق وهدوء وروية، وبعد صمت طويل دخلت به عزلة راقية، بعيدا عن ضوضاء البشر والحروب الباردة أو الساخنة، ذهبت نازك الملائكة تاركة لنا في الشعر: «عاشقة الليل 1947، شظايا الرماد 1949. وقرارة الموجة 1957. وشجرة القمر 1968. ويغير ألوانه البحر 1970. ومأساة الحياة، وأغنية للإنسان 1977. والصلاة والثورة 1978».
وفي النقد» «قضايا الشعر الحديث» عام 1962، والصومعة والشرفة الحمراء 1965. والتجزيئية في المجتمع العربي عام 1974 دراسة في علم الاجتماع، «سايكولوجية الشعر عام 1993» ومجموعة قصصية «الشمس التي وراء القمة» عام 1997. وتاريخا من اللغة التي لا تشبه سواها، وذاكرة تشرّف كل عربي وكل امرأة في الاحتفاء بها، وعجزا عن التقاطع الكامل مع مشروعها الكبير والجليل، إلا بعبور بسيط، وملامسة مبتسرة، في محاولات جزئية وعابرة وعاجزة في المقاربة لأنها محاولات عاشقة لها ولمشروعها، أكثر منها قارئة أو محللة له.

تعليقات