التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

غراب

جريدة عمان - شرفات 
الثلثاء, 6-8-2011
فاطمة الشيدي

إلى غراب:
يا صديق العمر الذاهب في طرقه وقطاراته ووحدته وغياباته المتجددة حتى الغياب الأخير، من أول اللثغة والريق وبكارة الأشياء، ودهشة الدهشة، والخطوات المتكسّرة على ظلها إذ نتقاسم "الخبز واللبن" في "ملة" الأم خلف بيوت الحنان والصمت، وأنا أقاسمك طعامي القليل، وتعلّمني أنت بدايات الكلام، وتهجيني لغة الحكمة، وحكمة التحليق والغربة والصمت، فيضحك العابرون على حالة التوحد في الطعام والكلام بين طفلة وغراب،حتى البكاء خوفا عليك من الكهرباء، فصوتك الحنون الذي أحمله معي كصوت أم لا يغيب، والحكايات المأسطرة حول بياضك وسوادك التي لم تقنعني بشرك يوما، والكثير ممن كتب عن سوءك وقبحك لأجدني أحتضن طيفك وابتسم "إنهم لم يعرفوه كما عرفته أنا".
يا صديق كل تلك الغربة التي أعرفها، وتحملها أنت قدرا في روحك واسمك وشكلك ولونك ورفضهم لك، كل تلك المشتركات الطفلية والعلائق الروحية، كل تلك الذاكرة الطيبة والهشة والمحمّلة بالصمت والغربة والحنين، كل تلك البيوت الطينية والرملية والسعفية، كل ذلك المطر والجفاف، كل تلك السواقي والأشجار، كل ذلك البحر والدوار، كل ذلك "الرطب والهمبا والزيتون"، كل تلك المسافات والأحلام والأوهام والدموع والضحكات التي أشرقت بها الروح، تلك الخطوات المرتبكة، والعزلة البهيجة، كل تلك المزارع والقلوب الطيبة وغير الطيبة، كل ذلك الرفض والبعد والهزيمة، كل تلك الشوارع والسراجات والسيارات والباصات، كل ذلك الخوف والرعب والموتى، كل ذلك الوهن والمرض والحب والأمل.كل شيء عشناه وتقاسمناه معا، فيجعل بيننا ذاكرة مشتركة، وربما يجعلك تحمل ذاكرتي في منقارك الفضي، أنا التي حملتك في كل مكان، ووجدتك أحيانا أجمل في أمكنة لم تعرف البحر، كنت أكثر رشاقة وأفتح لونا، لكنه صوتك كان يشبهنا معا، حين كنا نلتقي في المسافة التي تفصل البحر عن الليل، فعرفتك دائما وعرفتني كثيرا.
يا صديقي الجميل والقريب:
أنت لست غراب اللوحات والقصائد أنت عرّاب الماء والسواقي والبحر، ولست غراب الروايات العظيمة، والأشعار الجاهلية، بل أنت صديق الأطفال والشيوخ في البيوت والطرقات، ولست "غراب البين" بل أنت غراب الوجع الذي لا يحتمل إذ تزهق روحك في صرخة قاتلة فتتجمع القبيلة كلها لحمل الميت والانتقام من القاتل، أنت غراب النبوءة بالحزن، أنت شاعر الجبال "الغرابيب" وصديق الشعراء الصعاليك "الغربان"، أنت صديق المظلوم، والمنتصر للحق والحكمة، ومواري جثة القتيل إذ ترشد "قابيل" ليواري جثة "هابيل"، أنت الحكمة والشعر والجمال، صديق الطفولة والذاكرة والموتى و"الخبز واللبن"، صديق المزارع والبحر والطرقات والسماوات.

تعليقات