التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

دمدمات الحزن والغربة في سبيكة فاطمة الشيدي

الثلثاء, 23 أغسطس 2011
عرض ـ خالد حريب
جريدة عمان - ملحق شرفات
دم ثم دم ثم تشترك ميم الدم الأخيرة مع ألف وتاء لنقرأها «مات» ونصل في الإجمال إلى «دمدمات» لتبدأ العزلة والصخب من الكلمة الأولى ليس هذا فقط ولكن هناك أيضا على غلاف الكتاب عنوان فرعي آخر هو «قبور الوحشة وذاكرة الفراغ» فيأخذك الانتباه نحو الخواء الذي قد يكون منتجا إذا ما أحسن الصانع صناعته ونتساءل.. ماهذا الذي نسعى وراءه الآن؟ ... إنه كتاب فاطمة الشيدية الذي أوضحت على غلافه أنه «نصوص» نعم «نصوص» فلا تتهيأ لمنتج أنت كقارئ تعرف مقدما بعضا من ملامحه ... أنت الآن تدخل إلى كتابة عابرة النوعية فالكاتبة لم تنس وهي تقدم لنا ذلك المنتج بأن تختار على غلافه الذي صممه القسم الفني بدار نينوى بقعة دم وأرض وفراغ.بهذا الجو تدخل فاطمة الشيدية من خلال 208 صفحة من القطع المتوسط لتحاول تحريك الذهن في خط مواز مع الوجدان ... هي تعرف تماما انها بارعة في صك الجملة التي لا يمكن معها تحريك حرف من مكانه وبهذه الدربة راحت فاطمة تغزل نسيج كتابها مستخدمة كل الأدوات الفنية المتاحة لتصل إلى غايتها التي حددتها من البداية وهي «نصوص» فمن الشعر إلى حبكة الحكاية إلى انثيال السرد تتكون السبيكة الفاطمية فتقول مثلا في نص شواهد العمر «الأيام قبور طيبة تبتلعنا في جوفها» وتواصل في الفقرة الثانية «السنوات أرحام ضيقة لأمهات عاهرات» ثم تلخص «يمر العمر باردا كعشاق بردت رغبتهم عند أول قبلة» والمدقق في هذه الشفرات الحادة يلمح طيف التفلسف الذي جاء مغلفا برداء الفن أو الفن الذي جاء مغلفا برداء الفلسفة ... فالكتابة ليست مجرد كلمات منمقة ولكن الكتابة عند فاطمة الشيدية هي الجرح المفتوح الواضح ... الجرح الذي يتكون من وجع محمود وألم عذب فيصبح عمق الهدف هو المؤشر الذي يتحكم في توجه النص لدى فاطمة ومن الممكن القول إن الكاتبة قد استراحت لزاوية النظر التي اختارتها لنفسها ومنها تدقق في تفاصيل تلك الزاوية تبدأ من عتبة روحها وتنتهي عند عتبة روحها أيضا إذن هي المحور الصلب الذي يتعامل مع كافة الواردات نحوها أو المرسلة منها إلى العالم تقول فاطمة «أجلس على حافة الصخب كي أكتب أو أنتحب أو كي لا أخلو إلى نفسي أو كي لا تنطلق الكائنات المتناومة داخلي وتبدأ بالركض في أعصابي صارخة بالبرد والحزن» كتبت هذه الكلمات في نص حفلة تأبين ... ومن خلال هذا الذي يشبه اعتراف من الكاتبة والذي أجابت من خلالة على السؤال الأزلي الأبدي « لماذا نكتب؟».ونحاول بتواضع أن نتلمس المعالم العامة في نصوص فاطمة الشيدية فنحن لا نقدم دراسة نقدية بقدر مانقدم عرضا محرضا على قراءة الكتاب وفاطمة بعد الحرفية الشديدة في صياغة ماتريد قوله نجد أن متن أغلب الأعمال قد سيطر عليه غلاف من محاورة الغربة والاغتراب قد يكون هذا الغلاف محاولة جادة من الكاتبة لمحاصرة هذا الحزن والانتصار عليه بالإبداع الشفيف الذي يرتدي ثوبا نبيلا ... فبداية الأحزان دائما مردها سيادة القبح على الجمال وهو مالا ترتضيه فاطمة على كافة المستويات وتقول فاطمة الشيدية في واحد من حواراتها الصحفية لتفسر ذلك الأمر «إذ نكتب فنحن خارج الحياة، داخلنا فقط، إذ نكتب فهذا يعني أننا عاجزون عن الحياة، عاجزون عن الحب، عاجزون عن الفرح،وإذ نعيش الحياة لا يمكننا أن نكتبها، فلا يمكننا الكتابة عن مشاعر نحياها، وعن وجع يتلبسنا، وعن كائنات تسكننا، تعيينا الكتابة في المناطق الحية والحقيقية، وتمنعنا الحالة من مطاولة شغفها بالحروف الميتة، ومقارنة وهجها برماد الكلمات، وموازاة كائناتها بفكرة خرساء. لكن ما أن تنتهي الحياة /الشعور حتى نلجأ للكتابة» بهذا المفهوم أو التفسير الذي يسوده المنطق الدال نستطيع التحرك مع نصوص فاطمة الشيدية في كتابها الذي ضم مايقرب من 36 نصا فضلا عن أربعة ديالوجات سمها ماشئت مسرح الفصل الواحد او ماتريد من مصطلحات هذه النصوص هي ( مردة الوهم – فخاخ العدم – أرملة الغياب – طقس استثنائي) ففي حدود اعتقادي ان فاطمة الشيدية لا تهتم بما يمكن ان يسبق النص من تعريف ولكنها تهتم بمتنه وصناعته الجادة.ولأن هذا النوع من الكتابة قد ينتمي الى فن البوح حيث لا قيود على الروح ولا سقف للذهن المتقد فكان لزاما علينا البحث عن الروافد التي استقت منها فاطمة لتأسيس مسارها الخاص في تلك النصوص وقد سهلت الأمر علينا كثيرا حين قالت «منذ زمن وأنا شغوفة بالسّير واليوميات، فقد أسرتني منذ زمن طويل «منازل الخطوة الأولى» لـ سيف الرحبي، وتابعت بروح متلصصة جدا، ومندهشة روح السيرة الذاتية في «ليلميات» عبدالله حبيب، و«تشظياتــه» وفي معظم كتابات سماء عيسى السردية، كما شكّل كتاب «عين وجناح» لمحمد الحارثي لدي مفترق وعي في الكتابة الذاتية، من حيث اللغة ودقة التسجيل والملاحظة، ومازلت أشرق برواية «بين الماء والصحراء» لـ محمد عيد العريمي والتي وقعت بين يدي مؤخرا، والتي تحمل روح السيرة الذاتية، وكنت قد قرأت له سابقا بتمعن «مذاق الصبر»، كما أبهرتني العديد من السير العربية القديمة والجديدة التي قرأتها ككتب أو مقالات، وأهمها «لست ضيفا على أحد» لقاسم حداد.وبهذه البانوراما نستطيع تبسيط مهمة قارئ كتاب فاطمة الشيدية « دم دم ات ...قبور الوحشة وذاكرة الفراغ « وهو الذي فاز بالجائزة الأولى في فرع النص المفتوح واتجهت حيثيات الفوز في حينها إلى أسباب عدة وبررت اللجنة اختيار الكتاب حيث قالت بالنص «لما في هذا الكتاب من انفتاح إبداعي واعٍ ولا واعٍ على طيف بانورامي من الأنواع الكتابية المتعددة العابرة للأنواع كالخاطرة الانطباعية، والقصة القصيرة، والرواية، والشعر، والسيرة الذاتية المبطنة، والمسرح، والمقالة الأدبية، بطريقة فذَّة ومقنعة تجلت فيها قدرة الكاتبة على لم شمل تلك الأنواع الإبداعية وإعادة صهرها في بوتقة كتاب واحد صادر باعتباره نصاً متماسك اللُّحمة وواثقاً من نفسه في اللغة، والمراوحة، والتصور، والتصوير».

تعليقات