التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

في وداع مكتبة

فاطمة الشيدي  

 16 أغسطس 2011
 جريدة عمان - شرفات


"ليس عليك أن تحرق الكتب لتدمر حضارة، فقط اجعل الناس تكف عن قراءتها ويتم ذلك"
راي برادبوري
إن إغلاق مكتبة في أي مكان في العالم هو فقد كبير، سواء كانت مكتبة لبيع الكتب أم مكتبة عامة، فقد يستحق البكاء والحزن والوجع حتى ممن لا يعنيهم المكان، الفكرة فقط "إغلاق مكتبة في مكان ما من العالم"، أي إغلاق نافذة للضوء في عالم تكبر مساحة الظلام فيه كل يوم، حجب متنفس للروح وللحرية والفكر والوعي، وهذا فقط يكفي الإنسان ليحزن. فكيف بإغلاق مكتبة في ضواحي مسقط؟ التي لا توجد فيها مكتبات عامة، ولا حتى مكتبات لبيع الكتب بشكل حقيقي ويستحق الاحترام وتحمل عناء ومشقة الذهاب إليه.
لقد كانت "بوردرز" تمثل حالة مغايرة للمكتبات (محلات بيع القرطاسيات) الصغيرة المنتشرة في بلادنا بشكل نفعي ضئيل وغير مشجع، مكتبات آخر همها تسويق كتاب لكاتب عماني مثلا، إنه حقا فقد كبير للحالة العمانية التي تحاول التشبث بفكرة ثقافة بشكل أو بآخر، بآخر رمق وبأصابع تتآكل يوميا من شدة الوهن، وهو يتم حقيقي لكل مرتاديها سواء القراء أو مشتري الكتب أو حتى محتسي القهوة.
لقد كان المكان يمثل متنفسا ثقافيا وحيدا في مسقط خاصة في منطقة السيب، في مقابل ثقافة المولات الاستهلاكية الهشة التي طغت على الحياة، حيث يمكنك أن تذهب إلى هناك وأنت تظن أنك ذاهب لمكتبة عامة (المفتقدة في بلادنا) ويمكنك أن تجلس وتقرأ ما تشاء وقد تشتري كتابا وقد لا تفعل، يمكنك أن تجلس في المقهى "ستار بوكس لتشرب القهوة وتكتب نصا، أو حتى تثرثر في موضوعات كثيرة مع غريب مثلك.
ويمكنك أن تتأمل القرّاء، سحنات طيبة تقابلك بابتسامة ودية وأنت تقترب منهم لتبحث عن كتاب ما، أشخاص تعرف من هيئاتهم أنهم بسطاء وربما فقراء كانوا هناك دوما، قراء سواء اشتروا- رغم الغلاء الفاحش حقا للمكتبة-، أم جلسوا يقرؤون في المكان وهذا أهم حسنات بوردرز.
حالة ثقافية راقية كان يشيعها المكان وتعلمك معنى القراءة، النسوة كبار السن اللواتي كن يجلسن لساعات متوالية لا يرفعن أعينهن عن الكتاب وعمر الواحدة منهن لا يقل عن ستين عاما، الأطفال (كثيرو العدد) الذين يقضون وقتا طويلا في اختيار الكتب والقراءة والتصفح والفرح يلمع في مقلهم، المعوقون الذين كانوا يحركون عجلات كراسيهم بين الرفوف بحذر ومحبة و يختارون كتبا ثم ينفقون وقتا طويلا في قراءتها بين أرفف المكتبة، كانت المكتبة عامرة بهم، وكانوا يتجولون في المكان بحب ومرح كأنه بيتهم، وكأنهم يملكون ناصيته، وكأنه فسحة الأمان التي وهبتها لهم الحياة في عالم لا يحتفي كثيرا بالغرباء، لذلك اختاروا لهم هوامشهم، أولئك البسطاء من مرتادي بوردرز أظنهم الآن يفتقدونها مثلنا، طبعا بالإضافة إلى الكثير من العمانيين بأطفالهم يبحثون عن كتاب أو عن بعض الحاجيات المدرسة، والكثير من الأمهات والآباء كانوا يكافئون أطفالهم بساعة في هذه المكتبة أو كتاب،
بالإضافة إلى الكثير من أصدقاء القهوة في ركن ستاربوكس والذين يبحثون عن الهدوء والتناغم النفسي فلا يجدونه إلا هناك من الوافدين والعمانيين معا. ربما لم تكن مكتبة عامة لأنها ليست عمانية، ولكنها كانت بها فكرة المكتبة العامة فلديها إمكانية القراءة والتصفح ليوم كامل، دون شراء الكتاب، لقد كانت (المغفور لها) أكثر من محل بيع الكتب، وبالتأكيد كانت أكثر حيوية واتساعا وجمالا من أي مكتبة عامة موجودة في بلادنا.
نعم هي غالية جدا، ولكن هل محلات بيع الملابس وخاصة ملابس الأطفال والنساء والحقائب والاكسسورات والأحذية رخيصة؟ وهل محلات بيع الطعام رخيصة؟ بل حتى محلات بيع الزهور ليست رخيصة!فلماذا نتذمر حين يتعلق الأمر بالكتاب.
لقد خسر القراء من العمانيين والوافدين هذه المكتبة، خسر المؤمنون بقيمة الكتاب والثقافة في بناء الإنسان، لذا فمن الإنسانية أن نقول لهم جميعا (يحسن الله عزاءكم في فقيدة الجميع).
ها قد ذهبت بوردرز، وها نحن حزانى على غيابها، ويحق لنا أن نحزن لهكذا فقد، كما يحق لنا أن نحلم بوجود مكتبة كبيرة في كل مول ومركز وسنتر، مكتبات تبيع الكتب كما توفر جو المطالعة الحرة، مكتبات تساهم الدولة فيها بشكل ما، وبدعم ما، وتساهم المولات والمراكز وأصحابها الأثرياء سواء كانوا من العمانيين أو من المستثمرين الخارجيين فيها أيضا، "حتى لو كان الأمر دون سعادة كبيرة منهم"، لأنهم يستفيدون من رواد المركز ويجب عليهم أن يقدموا الفائدة للبلد ومواطنيه وأن يسهموا في الرقي بحالته الثقافية والإنسانية، فالمكتبة ستسهم في الاحتفاظ بفئة كبيرة من مرتادي هذه المراكز من المهتمين بالثقافة، والذين بالتالي وبالضرورة ستقودهم أرجلهم للمحلات الاستهلاكية الأخرى، وبطونهم للمطاعم وأطفالهم للألعاب.
لذا فعلى الجميع المشاركة في خلق جو ثقافي في مراكزنا ومولاتنا لنتشبه -بشكل ما- بالمدن والثقافات والحالات الإنسانية الكبرى في العالم أجمع، وكيلا نفجع كل هذه الفجيعة "كأيتام" لإغلاق مكتبة لأنها وحيدة القرن في بلادنا، وغيابها يعني غياب الكثير من الجمال والوعي والحالة الثقافية للمكان، كما يحدث الآن. 

تعليقات