التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

روح المدن

فاطمة الشيدي
5 يوليو 2011
جريدة عمان - ملحق شرفات

لكل مدينة روح، و لكل مدينة بصمة، ولكل مدينة رائحة، و لكل مدينة صدى، و لكل مدينة حكاية، ثمة مدينة صامتة، وأخرى ثرثارة تتكلم في كل شيء تفهمه أو لا تفهمه، ومدينة راقية تتكلم حين ينبغي وتصمت حين ينبغي، ثمة مدينة باردة لا تشعر بها، فهي لا تدخلك، ولا تلمسك إلا كالبرد من الخارج، وثمة مدينة دافئة تخترقك من أول عناق لأرصفتها، تتربع داخلك وتقتعد في ذاكرتك مكانا أزليا حتى الغياب، ثمة مدينة صارمة وحازمة، وثمة مدينة بسيطة وطيبة، وهناك مدينة بليغة وشاعرة، ومدينة خرساء متعالية في الصمت، ثمة مدينة متبرجة بالحسن، وأخرى متألهة بالجمال لا تهبك ذاتها إلا بعد حين، ثمة مدينة قاسية وأخرى حنون..
هل قلت إذن “إن المدن كالنساء”؟ لا ولن أقول ذلك رغم تواتر هذا التشبيه حتى أصبح حالة استشهادية للجميع، لأنه يمكن أن نقول “المدن كالرجال” أيضا، لأنه فيما يحب الرجل المرأة ويحب بالتالي أن يشبه كل شيء بها، تحب المرأة أن ترى الأشياء من خلال نصفها الثاني. لذا فلن نخضع هنا لحالة المثقافة الاجتماعية “العربية تحديدا” ، التي غالبا تكون كل المفارقات والأمثال والحكم فيها ليست لصالح المرأة، وكأنها كائن هامشي لا يشعر ولا يحس، فهو فعل تعليقي للذاكرة والحس والشعور الذكوري فقط، بل سنقول وبثقة المدن كالأمهات وكالآباء،كالأطفال وكالعجائز، كالنساء وكالرجال، فالمدن كإنسانها الكثير والمتعدد.
المدن أرواح من سكنوها، ومن يعيشون فيها، حالة من التمازج الروحي والفني بين التراب الإنساني والتراب المكاني، لذا تشعر أن كل مدينة تشبه أهلها، أو يشبهونها، كل شيء يتمازج ليصبح قريبا، هكذا تماما كما يتشابه أفراد الأسرة الواحدة وكما يكتسب الزوجان والأصدقاء والعشاق صفات بعضهم البعض الداخلية والخارجية في الملامح والتفكير.
المدن هي ذلك التناغم بين شكل البيوت ووجوه البشر، ذلك الحنين الدافئ والواخز بين الأطفال والساحات والباحات التي يلعبون فيها، ذلك التناغم بين الجسور والشباب (ذكورا وإناثا) الذين يقفون عليها، بألوان بشراتهم وشعرهم وملابسهم وضحكاتهم وبريق عيونهم، ذلك التناسق الرشيق بين النساء والرجال والأرصفة التي يمارسون عليها مشيهم اليومي، في الغابات أو التجمعات السكنية أو الشواطئ والمنتزهات، ذلك الحديث الراقي والهامس بين كبار السن المتوكئين على عصيهم والمعاقين على كراسيهم وشوارع المدينة ومداخلها وحافلاتها وأرصفتها وهي تهب لها كل ما تهبه لغيرهم، وتوفر لهم كل فرص الحياة والفرح والاستمتاع بالجمال.
المدن هي إنسانها الطيب الذي يعبر الحياة كل صباح بوجه بشوش وقلب محب منفتح على الحياة، ومتقارب معها، ويوزع تحياته على الجميع برضا وإيمان ومحبة.
المدن هي إنسانها المتقن الراقي والدقيق الذي يهب لعمله كل جهده ووقته وتركيزه وحياته، ويحرص كل الحرص على أن يكون عمله جزءا من شخصيته ومن مدينته ومن إنسانه الداخلي والخارجي.
المدن هي إنسانها المثقف الذي يكتب ويرسم، ويبدع في كل مساحات الإبداع ليقدّم لسكان مدينته ما يفخرون به من إبداع ويرسم اسمها في كل محفل ويكتبه في سجلات التاريخ من خلال منجزه الثقافي الخالد.
المدن هي علاقة الإنسان بالجمال وتحقق هذه العلاقة بالقراءة ووجود المكتبات في كل زاوية وكل مركز تجاري وكل صرح علمي، بوجود المتاحف ودور السينما والمسارح وإيتليهات الفنون والنصب والتذكارات الفنية في الميادين والدوارات والحدائق العامة.
المدن هي التي تُخلّد وتزين الشوارع بأسماء علمائها وشعرائها وكتابها ليكونوا ذاكرة للإنسان على مر العصور، فكلما مر بالشارع استحضر الاسم، والقصة، والتاريخ، والحضارة؛ فانتشى فخرا وفرحا، واهتز طربا.
المدن هي الفقراء والأطفال وكبار السن، كالمجانين أحيانا، وكالشحاذين دائما، أولئك الذين يعبرون الإشارات الضوئية بصمت وحزن وسرعة كبيرة للّحاق بقطارات العمر التي لاتنتظر، ذلك الوجع الخفي الذي يسكن عيون النساء في الطرقات، وتلك الفوضى في هيئة رجل متوسط العمر يحاول جاهدا أن يصلح هيئته ليكون مقبولا في عالم نفعي لا يرى من العالم أكثر من زاوية وحيدة، زاوية شكلية محضة.
صوت بائع مبحوح في الطرقات لا يسطع اليأس في قلبه، ولا تعرف عيونه التوقف عن الالتفات للبحث عن زبون جديد واصطياد عابر ما يجبره على شرب قهوته المرة والبادرة، أو عصيره الفاقد النكهة أو خبزه الجاف أو كتبة المتمزقة، لأنه في نهاية الليل سيذهب ليجد أطفالا يفتحون عيونهم وأفواههم الجائعة بحثا عن لقمة الخبز.
إذا كانت المدن للسوّاح المتعجرفين والمتغطرسين والمتسوقين هي المباني والشوارع والجسور والمولات ومراكز البيع والمحلات، النظافة والعمران والرائحة العطرية و”نوع الشامبو” الذي يغسل الجدران ليضفي ذلك البريق “وكل هذا جميل ومطلوب”، فإن الحقيقة الكبرى أن المدن هي ذاكرة الشوارع، وأرواح البسطاء.



تعليقات