فاطمة الشيدي
12 يوليو 2012
جريدة عمان - ملحق شرفات
12 يوليو 2012
جريدة عمان - ملحق شرفات
«بعيدا عن كبر البحر والأرض، خلال الذاكرة فقط نستطيع بواسطة التأمل، استعادة رجع أصداء تأمل الفخامة»
باشلار ..جماليات المكان»
«المكان أحالني دوما إلى الصمت»
جول فاليه
هناك أماكن لا ينبغي أن يعيش المرء فيها، بل ولا ينبغي له أن يقترف فعل زيارتها كثيرا، إنها أماكن لدهشة الحلم ولنزهة الروح فقط، أماكن لفرط جمالها نخشى علينا منها، ونخشى عليها منا، نخشى من حضورها فينا أو من غيابنا فيها، نخشى فيها أن نصاب بدوار الحنين، أو لوثة العشق اليتيم فنهيم في البعيد منها ومنا بجنون العشاق، أو بتحليق المتصوفة، أماكن عليها أن تسكننا في الحضور، ونسكنها في الغياب فقط، أماكن منسوجة من دم ورائحة لا تحتمل، كعشق مستحيل قد ينفجر القلب من شدته، ومن جمال لا ينبغي أن يكون كي لا يموت كل من يراه من روعته.
هذا هو الانطباع الحتمي الذي سيراودك كلما زرت مطرح، وكلما تنشقت روحك عبير البحر ممزوجا برائحة الماضي الخالد على شاطئها الجميل، أو تبعثرت دهشة عند كل ذلك الجمال الباعث على الحزن من وفرته. في مطرح تشعر أنك لست أنت تماما، أو لست أنت وحدك، أنت كل شيء منذ القدم وحتى الآن، وأن هذه البقعة الجغرافية الصغيرة تختصرك في المكان، وتختصر المكان في جسدك وروحك وذاكرتك، تشعر فجأة بذلك الحس الالتحامي معه، وأنك جزء منه يريد أن يتماهى في ذلك الكل الذي انبثق منه ذات صدع حتى لا يكاد يرى.
مطرح هي المكان الذي تشبهه ويشبهك، تعرفه ويعرفك، يقرأ روحك وتقرأك ضمنه فتدركك تماما، المكان الذي يعريك، ويحفر تاريخك من أظافرك حتى شعر رأسك، من صوتك حتى خطواتك المرتبكة والمباركة، من خفقة خافقك، حتى تاريخ عشقك، من فرحك حتى ترانيم حزنك في مراياه، من وجهك حتى آثار أقدام أجدادك، من حداء القوافل حتى غناء السفن، من صدى أنين «المغايبة» في الجبال، حتى صوت «الهوّاه» ترددها النسوة على السواحل في استشفاع حميم للبحر ليلفظ القليل مما في أحشائه لأطفالهن الجوعى، و«اليامال» بترديد البحارة في عرض البحر مشطوري اللهفة بين الزرقة واللؤلؤ، وبين الأهل والأوطان، وصوت «القربة» تشعل انتظار الغُيّاب ليلا على نار السمر وصوت الغناء وروائح القهوة ممزوجة بالدموع وبالقرنفل.
مطرح ليست مدينة كباقي المدن، إنها مدينة من حنين وشجن، حادة البياض كالأكفان يتدثر بها الموتى، ثاقبة الرائحة كالكافور يعطّر غنائهم ليلا، عتيقة كالذاكرة، حديثة كعشق متجدد.
وإذا جاز لنا أن نجعل لكل مكان أنموذجا مصغّرا يصلح للتعريف به فمطرح هي عمان، عمان التاريخ والحضارة، والإنسان، والسفن، والأسفار، والأساطير، والموت، والحزن، والشجن، والشعر، والنصوص، والمخطوطات، والكثير الكثير من العشق والبحر والتاريخ.
ومطرح في القاموس هي «الموضع» أو «المكان البعيد»، وبهذا فهي موضع الجمال البعيد عن كل مقاربة وتشابه، مطرح التي لا يمكن وصفها بالجميلة، أو ليست جميلة فحسب، إلا إذا كان هناك طرح آخر للفكرة، أو معايير أخرى للجمال لم توجد بعد، فينبغي أن تكون هي لا غيرها ما توصف بها مطرح، إنها كالآلهة لا يمكنك أن تصفهن بما تصف به النساء، أي لا تستطيع أن تقول أن عينها جميلة أو شعرها جميل أو غير ذلك من الصفات المادية المحسوسة، بل عليك أن تخترع مقايسات جمالية أكثر سعة وتعددا وإدهاشا، وأكثر تكاملا وشمولا، لأنها جمال كلي وليس جمال حالة أو صفة، وهكذا مطرح بين المدن. ففي الحياة وفي الإنسان وفي المدن توجد الأشياء الجميلة، وتوجد الأشياء المتجملة، يوجد الطبيعي ويوجد المصنوع، وبين هذا وذاك يوجد خلل ما أو نقص ما، تتصيده العين والروح وإن غضّت الطرف عنه قليلا، لكنها تدركه وتعرفه جيدا، ولكن مطرح «غير» أي مختلفة بكل المقاييس الجمالية، الإنسانية والطبيعية الموجودة والمصنوعة بالقوة أو بالفعل كما يقول الفلاسفة.
في الحقيقية أنا لا أريد أصفها، ليس لأنني لا أجيد ذلك، بل لأنني لا أعرف عمّ أتحدث أنها حالة كلية من البهاء الخاص المنقطع النظير، حالة يتزاحم ضمنها الفرح والحب والجمال والنقاء والطبيعة، والعمران القديم والخاص في ذات الآن، برائحة وعبق القهوة المشتعلة في القصي منها، تزاحم البحر بالجبل، والخضرة بالنوارس والبيوت القديمة. فيصبح كل شيء هناك «غير».
إنها امتزاج الطعم واللون والرائحة في حالة مذهلة تهبك معنى «التاريخ» فقط ، أنت لا تعرف أن كان ذلك الطعم حلوا أو مرا، وإن كان ذلك اللون جميلا أو باهتا وإن كانت تلك الرائحة حادة أو خافتة، أنت لا تعرف إن كانت جمالية المكان تأتي من شناشيل البيوت المسكونة وغير المسكونة، أم من الزقاق التي تحجزك بين الأجساد، أم الدكاكين القديمة، والوجوه القديمة، أم من الفضيات والحلوى والقهوة التي يعج بها المكان كتجسيد للماضي وليس كمحاولة لاستعادته فقط، أم من الإنسان القريب من فطرته الأولى، أم من الجبال الأمهات في حنانها المهيب، أم من عناق البحر لروحك مباشرة بلا حواجز، أو من النوارس التي تخترق وعيك ولا وعيك، لكنك تعرف جيدا أن كل شيء هناك خاص وجميل، وكل شيء هناك يقول لك «هكذا هو المكان الخالد».
فأنت في حضرة «مطرح»، وفي حضرة «مطرح الغير» أنت لا تحتاج الكلام ولا اللغة، فهذا غير ضروري البتة، فأنت فيها في حضرة الشعر كله ومباشرة بلا حواجز أو أطر شكلية، إنها فسيفساء كونية مذهلة تستعصي على الرسم أو الوصف، لوحة خالدة يتناغم فيها البحر والغيوم والقليل من الضوء المنبعث من جدران الزمن والأيام، والكثير من الشجن التاريخي النبيل، لوحة كافية لتجعلك صامتا عمرا، تعبئ أوردتك بالزرقة وروحك بالوله، وقلبك بالحنين، وتشعر فجأة أنك تحلق وتتهادى مع النوارس، وتتبادل معها أحلامها وألوانها المتباينة والمحايدة الحكم والتي لا تعني سوى الجمال، ولا تصلح أن تكون حالة للحكم عليها كعالمنا البشري المعوق والمعقد .
تسترق السمع لحواراتها مع الأفق والبحر والشمس والغيوم، ونقلها للوشوشات العشقية بينهما،تتأمل الصمت، وتفتح دواخلك ليغسلها النسيم، وترقب السفن الذاهبة في الذكريات وهي تعقد مقارناتها المتأججة بين الماضي والحاضر، وترهف السمع للشمس المحتجبة خلف سحابة شفّها الوجد، وهي ترسل رسائلها للحياة والأحياء. وترقب الجبال وهي تحرس عزلتها البهية، وجمال البحر، وتدلي قدميها لتغتسل من عناء الزمن وتبلل روحها بملح الحنين.
وقد يشتد بك الوجد والهيام فتصرخ: «يا طائر البحر في مطرح، ليتني كنت أنت»!