التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

ثقافة المكان

فاطمة الشيدي

19 يوليو 2011
ملحق شرفات - جريدة عمان


الروح الثقافية للمكان، تعكس طبيعة مرتاديه وتنعكس عليهم، فأن تكون القهوة بطعم الكلمة، والكلمة بلذة القهوة، محفوفة بجمالية فنية خاصة للمكان، ومشفوعة باللحن الذي يوقظ الروح ويجعلها تحلّق وتسمو نحو عوالم الدهشة والارتفاع، فهذه هي ثقافة المكان.
الأمكنة هي جزء من الروح، والروح جزء من المكان لذا يحق لنا أن نحلم بمقهى ثقافي أو فني؛ مكان تذهب له تحديدا ودائما، لأنه يشبهك ويعرفك، فيعانقك وتعانقه، يحتويك وتحتويه، مكان يشهد بزوغ فكرة قصيدة أو رواية، فيؤثث ذاكرتك بالمختلف والخاص، مكان تلتقي فيه بصديق وتحكي له فكرة مشروع ثقافي ما، كتاب أو نص أو حلم لكنك تريد أن توثق ذلك الحلم بعطر المكان .
من أجمل الأمكنة الثقافية التي تستحضرها الذاكرة مقهى “جفرا” وهو مقهى يقع في العاصمة الأردنية عمَّان، “وسط البلد” ، وهو لا يختلف كثيرا عن المقاهي الشعبية التي تقدم القهوة والشاي وبعض المشروبات الساخنة والباردة وبعض الوجبات الخفيفة كـ”مناقيش” الزعتر واللبنة وغيرها، وتتيح فرصة طيبة للثرثرة وللقاءات البسيطة أو الحميمة، إلا أن تخطيط صاحب المقهى لجعله ضمن فكرة الثقافة، جعله يركّز على جعل ديكوراته وجدرانه فنية وجاذبة وراقية في ذات الوقت، فبين تلوين الجدران بمواد تجعلك تشعر بتداعيات وتجاعيد الزمن في روحك وكأنك في أحد الكهوف، وبين وجود لوحات فنية حقيقية غير مستنسخة وقيّمة عليها، وبين إحياء لياليه بأصوات فنانين يعيدون الاعتبار للكلمة واللحن والصوت العذب، تشعر بفنية المكان الذي يتسرب إلى روحك بصمت واتزان، عندها يصبح المكان مثقفا، بألوانه وأثاثه ورائحته، ومرتاديه، ويصبح للمكان لغة خاصة يثرثر بها، ويتشبث بعلائقها بالروح والذاكرة.لذلك فلا عجب أن “جفرا” أصبح ملتقى المثقفين، ومحبي الثقافة والمتمسحين بها، والراغبين في معايشتها ومجالستها، والاهتداء بضوئها، والتبرك بأصحابها من جميع بقاع الأرض ممن يتواجد هناك، ولا عجب أيضا أن لجأ إليه بعض الكتاب لإقامة أمسيات فنية وأدبية وثقافية، وأمسيات تدشين، وتوقيع الكتب والإصدارات الجديدة، وجلسات حوار ومناقشة ونقد، ولقاءات خاصة وعامة.
في مقهى “ستار بوكس بوردرز” كنا نشعر بالقليل من التمثل القصير القامة لفكرة المكان الثقافي،كنا نحاول أن نعتّق روح المكان بالقهوة وبالكلام وبالشعر وبالكتب، نستحضر أرواح الكُتّاب من الرفوف نجالسهم، ونشرب قهوتنا نخب أرواحهم وقلوبهم ومدادهم، نوزع النميمة الفضية للغائبين والحاضرين، نتحدث عن مشاريع كتب أو فعاليات، وكان أن استطاع المكان رغم كل غربيته وأمركته تحديدا، أن يفعل ذلك الدوار بنا، أن يشاركنا الاحتفاء بيوم “الشعر العالمي” في 2010، وأن نعترض فيه بصوت عالٍ وروح شاعرة حرة على مهاجمة أسطول الحرية في أمسية حميمة وعربية وإنسانية، وأن ننشق مع “إدوارد سعيد” و”صبحي حديدي” في أمسيته الراقية التي قدمت هناك، كان كل شيء يعطي الأمل بالتكور الثقافي في رحم الحلم والإبداع والرؤيا الناصعة، استطعنا قليلا أن نعانق روح المكان الخاصة من الكلمات (المنتشرة في بطون الكتب التي على الرفوف)، والقهوة (المحضّرة على عجل)، فأشعنا في مساحته الضيقة نوعا من الدفء والحنين، والصمت الذي كان يفتقد لأغنية فيروزية شتوية لا تذبل في عالمنا الجحيمي، أو عزف منفرد على العود، ويفضح ضعف ثقافة المكان في مقاهينا ومدننا، ولكنه يقدم لنا القليل من العزاء عن غياب مقاهٍ ثقافية حقيقية ودافئة بالفنون!!والآن .. وقد غابت بوردرز يكبر السؤال كطفل يشق رحم أمه بعنف وقوة.ز لماذا؟ لماذا تتقلص المساحات الثقافية؟ لماذا تطغى الماديات على الأرواح حتى الجفاف؟ أين القرّاء؟ أليس من حق أطفالنا أن يجدوا ذلك التحفيز الحميم بوجود مكتبات في كل مكان، مكتبات تُجبر كل المحلات الكبرى على تبنيها كمشاريع تخدم المجتمع في جزء من أهدافها، كي لا نتحول إلى كائنات استهلاكية جامدة كجدران صماء صالحة لتعليق كل الإعلانات الدعائية الرخيصة عليها، كي نحرر أرواحنا وعقولنا قليلا من سطوة المادة باتجاه المعرفة، ومن الاستهلاك باتجاه الجمال، ومن المتعة الرخيصة باتجاه المتعة الرفيعة.ذهبت بوردرز إذن، غاب مكان ثقافي حميم ونادر وربما وحيد، وانسكبت روائح القهوة قرب محلات أخرى ليس لها أي علاقة بالكتاب والمعرفة والأفكار التي في الرؤوس وفي بطون الكتب.ذهبت تلك الثرثرات الحميمة عن الكتب والكتاب، غابت تلك الأحلام الصغيرة، وتلك الشكاوى الطيبة، وذلك الموعد الزماني المشدود في خاصرة الوقت، وذلك الفرح القصير المنكسر على صوت الكلمة، وتلك العيون المتربصة الدهشة، غاب كل شيء وقد كان كل شيء كان متزامنا تماما مع كل شيء، الفقد هو الفقد والغياب الذي يتربص أرواحنا أصبح وافرا، ووارف الظلال والحزن . وها كل شيء أصبح معلقا في ذاكرة الزمن




تعليقات