التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الأدب العُماني بين سِندان النّقد .. و .. مطرقة المجاملات"...

فاطمة الشيدي
استطلاع :نوف السعيدي
ملحق نون (جريدة الشبيبة)

2 أغسطس 2011
• حركة النّقد في عُمان في بداياتِها هل ترى أنّها في مسارِها الصّحيح...؟
المسار الصحيح فكرة فضفاضة قليلا، ففي الحركات التاريخية (القصيرة الأمد) لا يمكن تحديد مسارات صحيحة أو غير صحيحة، هناك مسارات فقط، تحدث كما تشاء لها حركة وتيارات الإبداع والمجتمع والثقافة وهي عناصر مجتمعة غالبا في إنتاج ذلك المسار، والتاريخ كفيل بالمتبقي من الفكرة، حيث الغربلة والتنقيح.
وحركة النقد في عمان جزء من الحركة الثقافية والإبداعية الحديثة القصيرة العمر نسبيا، فالنقد غالبا حركة لاحقة للمنتج الإبداعي، حيث لابد أن يكون هذا المنتج متوافرا ومتشكلا بصورة تسمح للرائي (القارئ/ الناقد) بالنظر إليه كما وكيفا، وهي بعناصرها الخارجية والداخلية قائمة ومتحققة رغم كونها حركة بطيئة نسبيا إلا أنها حركة طبيعية بمعنى أنها غير مصطنعة، وغير مزيفة، وغير مجاملة، وهذا مهم جدا، فنحن نحتاج النقد ليوجّه الحالة الإبداعية لمسارات أجمل وأوضح، ولا نحتاج صناعة حركة نقدية عاجلة وهشة.
ويمكننا أن نتفاءل الآن، بعد وجود حالة إبداعية بدأت تظهر بشكل جلي وبأسماء حقيقية، أن النقد سيكون مضطرا للنظر في هذا الإبداع وتقييمه، وإظهار أجمل ما فيه، وبذلك يسهم في حراك الثقافة العمانية وتوجيه مسارها الإبداعي.

• من خِلالِ تعامُلك مع الكاتِب العُماني .. إلى أي مدى يتقبّل النّقد ويستفيد منه...؟
في البدء لأوضح فكرة ما، النقد ليس حالة من التقويض والهدم، والتجريح والردم للنص أو للكاتب، النقد في الأساس هو انتصار للجمال، ومحاصرة للهنات والضعف الوهن، النقد وخاصة في هذا العصر الذي اتسع فيه مفهوم النص كما اتسع مفهوم النقد/القراءة هو حالة إعلائية وإعلامية وترويجية وتصحيحية للنص، فحين يقدم قارئ/ناقد على تقديم قراءة حول نص ما فهذا يعني ضمنا أنه أثار دهشته واستحق إعجابه فاستحث قلمه للكتابة عن ذلك النص، وهذا بالتالي لا يعني أن ذلك العمل خالٍ تماما من الضعف، وقد يذكرها القارئ/الناقد وقد لا يفعل.
والكاتب في كل مكان لديه حالة من النرجسية المشروعة (نوعا ما)، ولذا فقد يتقبل قراءة النص وقد لا يتقبل، وهذا حال الكتاب في عمان؛ فمنهم من يتقبل النقد الموضوعي، ومنهم من يرى أنه فوق النقد، وبالطبع ذلك يعتمد على إيمانه بنصه، كما يعتمد على عمق وعيه تجاه القيمة الجمالية التي يضفيها ويضيفها النقد للنص، كما يعتمد على القارئ/الناقد ومدى ملامسة حس النص المقروء وروحه وغاياته وجمالياته، فإن كان الناقد عميقا ومتلمّسا بعمق لكل جماليات، وهنات النص فهنا يتقبل الكاتب النقد، أو يتفهم وجهة نظر الناقد على الأقل، لأنه لا يوجد النص المعجزة أو الكامل فلكل نص جماليات وضعف.

• يرى البعض أنّ العديد من القِراءات يشوبها الكثير من المجاملات والتّحفُّظات ، واللا "مُكاشفة" ..كـ ناقِد قدّم العديد من القِراءات في الأدبِ العُماني ..هل ثمّة تحفُّظات تلجأ إليها كـ مُحافظة على وشائِج الأخوّة؟
نعم هذا يحدث، وجزء من المشكلة النظر للناص وليس للنص، وهذا خطأ إلى حد ما، لأن الناقد ينبغي أن يتعامل مع صورة إبداعية وليست إنسانية.
بل حتى استهدافات القراءة تكون من ذات النقطة غير البريئة تماما، ولكن هذا في مجمله ليس خطًأ كبيرا، ويمكننا قراءة الفكرة كحالة جوّانية فنعذر القارئ/الناقد، فالناص الصديق ينتج نصا صديقا، وحين يقرأ الناقد بعين المتلقي لصديق يقرأ بمحبة أكثر لنصه، لأنه يعرف (تقريبا!) ظروف ذلك النص، وحالة مخاضه، وتوجهاته الإنسانية، وكأنه لا يجامل الناص ولكنه يحب النص، وتتحول العلاقة بين النص والناقد لعلاقة أقوى من علاقته بالناص الصديق، فهو عرّاب هذا النص، أو عمـ (تـ) ـه أو خالـ (تـ) ـه(هكذا هي الحالة مشتبكة نوعا ما، لأن كل ماهو إنساني هو مشتبك ومعقد وليس سهل للتأويل).
أما عني فقراءاتي تنبع من عمق إحساسي بالنص، النص فقط، بروحه وجمالياته، ولغته وصوره وفنياته، طبعا مع توضيح نقاط الضعف، وحتى في حالة القراءة لفكرة عامة فإنني أعتمد أجمل المقاطع للاستشهاد والتدليل بها.

• في رأيِك ما علاقة الكاتِب بالنّاقِد كما هي كائِنة ، وكما يجب أن تكون..؟
لا توجد فرضيات واجبة الحدوث، أو منطقية التحقق في الحالة الإبداعية والإنسانية على حد سواء، الكاتب والناقد هما ضمن الحالة الإبداعية، وقد يكونا صديقين ضمن الحالة الإنسانية أيضا، وبذلك تختلط وشائج القربى بين النص والناص والقارئ/الناقد.
مع هذا فأهم ما ينبغي أن يكون هو تمتع الناقد بالموضوعية والدقة والحس العالي في القراءة، والذهاب بعيدا -ما أمكنه ذلك- عن خيانة النص والمتلقي، وذلك بمجاملة نص لا يحتمل حتى القدرة على المجاملة، وتقديم القبيح للقارئ على أنه إبداع لا يضاهيه إبداع ولا يوازيه نص، هنا تصبح الحالة قبيحة، ويفقد الناقد مصداقيته تماما، وبالتالي لن يصدقه القارئ بعد ذلك أبدا لأنه خان نفسه قبل أن يخون القارئ والنص معا.

تعليقات