الكُره الأُنثوي للأب نموذجاًد. رسول محمد رسولالكُره شعور لدى الإنسان، لذلك يُصنَّف على أنه هوى من الأهواء (Passions) التي تجتاح المرء في حالة معينة. والكُره (Hate) حالة طبيعية لدى كل البشر؛ فمثلما يحبون يكرهون أيضاً. وكُره الآخرين لدى المرأة بطبيعتها كأنثى إذ تتحكَّم فيها جملة من العوامل النَّفسية والأخلاقية والثقافية الموروثة، وهي العوامل ذاتها التي توجد لدى الرجل إذا ما كَرِه الآخرين، لكنها عند النساء مرهونة بعامل آخر هو العامل البيولوجي، فضلاً عن العامل الأُنثوي؛ فكراهية النِّساء مطبوعة بطابع أنوثتهن من دون أن يعني ذلك وجود نبتة الكُره في الأنوثة كأصل، لأن الكُره رهن كل ما هو ثقافي، ذاك الذي تدخل في نسيجه عوامل عدَّة كالتربية الأُسرية والتعليم، والمستويين الاجتماعي والطبقي، والباعث الديني والعرقي والمناطقي، وجملة العوامل الفرعية الأخرى.
وكل ذلك يعني أن الكُره لدى المرأة يرتبط دائماً بالعوامل الذاتية والموضوعية سواء بسواء، مع التأكيد على أن لكُره الإناث طابعه الخاص الذي غالباً ما تنضِّدهُ أنوثتهن، وقد يكون الكُره لديهنَّ علَّة مرضية ناتجة عن أزمة نفسية أو قد يكون عابراً ومرحلياً ناتجاً عن تجربة ذاتية معينة.
كما في الحياة اليومية العامَّة، عمد الأدب المتخيَّل إلى تمثيل الكُره كموضوعة في الكثير من الروايات، ومنها الروايات العربية، لكن كُره الأب أو الكراهية للأب (Hatred of the father)، بدت مداراً (Topic) لافتاً في عدد من الروايات الخليجية النّسوية التي تناولته في سياقات متغايرة من حيث برامجه السَّردية، ومن حيث إضفائها للروح الأُنثوية، كون النُّصوص مكتوبة أصلاً بأقلام أنثوية خليجية، وهي النُّصوص التي اصطفينا منها ثلاثة، هي: رواية «سُعار»(1) للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، ورواية «حفلة الموت»(2) للكاتبة العُمانية فاطمة الشيدي، ورواية «زاوية حادَّة»(3) للكاتبة الإماراتية فاطمة سلطان المزروعي، وتشترك الروايات الثلاث في أن الشَّخصيات النّسوية النافرة من الأب أو الكارهة له (Averse) هنَّ إناث يعشن في إطار أسرة تتعرَّض ـ من بين ما تتعرَّض له ـ إلى شرخ معين، سببه الأب، فتنعكس آثاره في طبيعة العلاقة بين أفراد الأُسرة ومنهم الإناث فيها.
في الجزء الثاني من رواية «سُعار» للكاتبة الكويتية بثينة العيسى، والمعنون بـ «المتن»، تكشف السّاردة وبطلة الراوية «سعاد» عن تمثيلات Representations كُرهها لوالدها، ذلك الكُره الذي اتخذ شكل برنامج سردي رسمت ملامحه وإجراءاته مخيَّلة الابنة على نحو دءوب.
وقبل أن ندخل في تفاصيل هذا البرنامج، نود التوضيح أن الأنثى ـ أية أنثى ـ وهي جنين في رحم أمها، تتسم بالسلبية طالما هي في مرحلة العيش على بركات ورحم والدتها من حيث الغذاء والهواء، ومن حيث الإطار اللَّحمي الحامي لها من كل مكروه محتمل.
وما تجدر الإشارة إليه هنا، هو أن الأنثى، وحتى لو ولدت، ستبقى نزعتها السلبية متواصلة طالما كانت عاجزة عن توفير مستلزمات بقائها على قيد الحياة، لأنها في مسيس الحاجة دائماً لإشباع لذّاتها الجسمية والنفسية. ولطالما هي في نموٍّ نفسي وذاتي وبدني وجسمي وجسدي متواصل، فإن حاجتها إلى الراشدين من حولها، خصوصاً الوالدين، تبقى مستمرة بانتظار معركة الانفصال النسبي قبل الزواج، والانفصال شبه الكلي بعده؛ ففي حال الزواج ستشعر الأنثى أنها صارت بعهدة رجل مختلف عن والدها، رجل يُجزل عليها اللذات الجسمية والنفسية والذاتية بعد والديها. لكنها، وقبيل الزواج، ستحرص على أن تكون متشبِّثة بالوالدَين للحاجات المذكورة، وعندما يتلكَّأ أحدهما في تلبية حاجاتها أو تشعر أن الخطر سيهدِّدها في هذا المجال الحاجاتي واللذّوي، ستنشأ مشكلات عدَّة لديها لعل أحدها الكُره؛ كُره الأب أو كُره الأم.
إذا ما أردنا العودة إلى نظريات علم النفس، تلك الخاصة بكراهية الأنثى للأب، فإن عالم النَّفس النمساوي سيجموند فرويد يسعفنا ببعض التفسيرات؛ ذلك أن «الارتباط بالأم يمهِّد السبيل للتعلُّق بالأب، وتتجه الفتاة نحو الأب أقل مما ترتد عن الأم، وبأي طريقة! في الكراهية؛ في أعقاب جرح نرجسي، وبحركة كبت من الذكورة الأصلية، وفي هروبها تسقط بين ذراعي والدها مُبْعَدةً من العلاقة بالأم»(4).
الأنثى بطبيعتها هي كائن مجروح الذات، وعندما تسعى للتشبُّث بالأب كأنموذج راشد إنما تريد لأم جراحها، وعندما يذكِّرُها الأب بجراحها عبرَ سلوك أو موقف معين، تتصاعد لديها حدَّة الكراهية له، وعندما يصبح «الأب» في مرمى كراهية الابنة، فإنها تسعى لاختراقه من خلال التلصُّص على كينونته، خصوصاً إذا كان سبب الكراهية يمس والدتها ـ وهو كثير الحدوث في الأدب الروائي العربي والخليجي ـ التي ستلجأ إليها بعد انعدام ثقتها بوالدها. وهذا ما حدث مع «سعاد» بطلة رواية «سُعار» التي شاهدت من والدها إهماله لوالدتها عندما افترضت وجود موضوع ما يشغل بال الأب عن زوجته، لذلك قرَّرت التلصُّص على والدها لمعرفة سبب عزوفه عن أمها، فقرَّرت الاختباء خلف الخزانة الفاصلة بين غرفتها ومجلس والدها الذي يستقبل فيه أصدقاءه في مساء كل يوم... ومن هناك بدأت رحلة المراقبة ترسِّخ كراهية سعاد لوالدها عندما استمعت إليه، ذات مساء، خلسة وهو يكلِّم امرأة أخرى كلاماً غرامياً: «عندما تبين لي لأول مرَّة أنه يتحدَّث مع امرأة»(ص 175).
لقد بدأت عملية تلصُّص سعاد على مجلس والدها كمجرَّد فضول أنثوي لا غير، تقول سعاد: «بمجرَّد أن أسمع قرع الجرس، كنتُ أسرع للاختباء، في البداية كان الأمر محض تحدٍّ؛ هل أستطيع أن أنسخ بسرعة السمع؟ بعدها تحوَّل إلى رغبة شريرة لخلق فضائح، وفض أخبار، واكتشاف مناطق محرَّمة، أردتُ معرفة كل شيء، وكان ما عرفته، ببساطة، أن أمي قديسة، وأن أبي لم يكن جديراً بالقداسة، ولا بالتقديس، كان يخونها!»(ص 174 ـ 175). وكانت سعاد تدوُّن ما تسمعه من أحاديث في مجلس والدها الذكوري، ومن ثم تحولَّت الكتابة إلى فعل أنثوي مزاحم تمليه ذات أنثوية للتوِّ تريد المشاركة في صناعة مصائر ما يجري حولها ضمن إطار أسرتها. وصار الأمر فعلاً واقعاً بعد أن اكتشفت أمها أن زوجها العاشق على صلة بامرأة أخرى، وعندئذ طال سعاد العقاب من والدتها: «عندما عثرت أمي على تلك الأوراق، ضربتني بقسوة، وكانت تبكي، كانت تصفعني بيديها، وتقول بأنني أخدعها. في تلك الليلة، كان ثمَّة صراخ يتعالى في غرفة نومها، بعد هذه الحادثة بشهر، كانت أمي قد ماتت؛ ماتت في أكتوبر 1992 مع أذان الفجر»(ص 175).
لقد أدّى فعل الكتابة، عبر التلصُّص، وتدوين علاقة الأب بحبيبته غير الأم، أدَّى إلى موت الأم، أم سعاد، وذلك مآل أول. وأدّى أيضاً إلى تبلور موقف عند سعاد صوب الأب: «أبي لم يكن جديراً بالقداسة ولا بالتقديس، كان يخونها»(ص 175)، وتقصد والدتها، خصوصاً بعد ما لاحظت سعاد أن والدها «بدا غير مستغرب» (ص 176) من موت والدتها، وذلك مآل ثان.
أما المآل الثالث؛ فقد تزوَّج الأب من حبيبته التي كان يكلِّمها خلسة عن والدة سعاد. وصار المآل الرابع أن تعيش سعاد مع جدَّتها فقط، بينما الأب ذهب ليعيش مع زوجته الجديدة فقط أيضاً، ومن حين لآخر كانت سعاد تلتقي به، ولكن على مضض، وكان ذلك المآل الخامس: «كان يسألني متحرِّجاً عن دراستي، فأُريه دفتر العلامات، يضع يده فوق رأسي مباركاً ثم ينصرف؛ ينصرف وكأنه سيختنق، لم يكن يتحمَّل عينيَّ، ولا صوتي؛ كنتُ أشبهها، وكان يعرف أنه السبب»(ص 181). لكنه دعاها، مرَّة، إلى منزله فذهبت، وهناك رأت زوجة أبيها «تصنَّمتُ في مكاني بصمت وأنا أبثُّ من عيني صنوف الازدراء، قالت عامدة: «أمي أحلى، مرتَك جيكرة». صفعني، وتظاهرت التافهة بالبكاء، ثم عاد بي إلى المنزل، ولم أره بعد ذلك حتى توفيت جدَّتي»(ص 182)، وكان ذلك المآل السادس. وبموت الجدَّة، يولد المآل السابع، وهو أن تعود سعاد للعيش مع والدها مجدَّداً، وهناك تجترح العلاقة أفقاً قلقاً؛ تقول سعاد عن علاقتها بوالدها في تلك الأيام: «علاقتي به منذ وفاة أمي وجدَّتي، لا تتجاوز نوبات العقاب أو الطريقة التي يمسح بها على رأسي عندما يعبر الحوش ويجدني هناك، كما يمسح على رأس نمر يمكن أن يلتهم صاحبه في أول مرَّة، بيد خائفة، وكأنني أذكِّره بذنبه القديم. إنَّ علاقتي بأبي أبعد ما تكون عن أن تفترض عليَّ هذه السُّلطة لأنه منذ وفاتها وجدّتي لا يستطيع أن ينظر في عيني إلا ورآها، تلك القديسة فوق الغيم»(ص 207).
في الحقيقة، وبحسب بنية السَّرد السطحية في الرواية (Surface structure)، لا يوجد ما يكشف عن كراهية الأب لوالدة سعاد، لكن هذه البنية، تكشف أيضاً، وبحسب ملفوظات عدَّة منها «كنتُ أشبهها، وكان يعرف أنه السبب»، و«لا يستطيع أن ينظر في عيني إلا ورآها، تلك القديسة فوق الغيم»، تكشف عن أن كراهية هذا الأب للنساء (Misogynist) ومنهنَّ ابنته، إنما يعود إلى الشَّبه الشَّكلي بين سعاد ووالدتها، بمعنى أن علامات المشابهة الجسديَّـة هـي الـدوال (Signifiers) التي تنضوي تحتها مدلولات الكُره، وبحسب بنية السَّرد السَّطحية أيضاً، يعود كُره هذا الأب لابنته سعاد إلى ما فعلته هذه الابنة الشَّقية بشأن افتضاح أمر علاقته الغرامية مع المرأة التي تزوَّجها في ظل وجود والدة سعاد، أما كُرهه لهذه الزوجة/ الأم فهذا ما لم يكشف عنه السَّرد حتى في بنيته العميقة.
في رواية «حفلة الموت»، للكاتبة والشاعرة العُمانية فاطمة الشيدي، سيتخذ الأب أيضاً صورة الكائن الأسري المكروه (Hateful) من جانب ابنته بطلة الرواية «أمل»، تلك الفتاة العُمانية التي جاءت إلى الحياة كـ «نبتة ملعونة»(ص 83) نتيجة لاغتصاب شيخ القبيلة لوالدتها العبدة المنحدرة من «زنجبار»(ص 21) كحال العبيد والعبدات القادمات إلى مدن الخليج، تلك العبدة اليافعة عمراً التي «وهبت فرجها لسيِّدها، وولدت بنتاً لقيطة»(ص 83). العبدة التي «هي دونه عمراً، ونسباً، وشرفاً، ممّن تزوّج عبدته الحزينة الفاتنة لأنه سطا عليها في لحظة شبق ملعون لتلد له نبتة ملعونة تسمى أنا» كما تقول أمل (ص 83)، التي تضيف: تلك الأم التي «اغتصب الأب منها شرفها، وأهداها اسمه زوجاً تعويضاً غير عادل فقط لينقذ اسمه يوم حملت بي!»(ص 79
لقد مرَّ برنامج الاغتصاب (Ravishment program) سريعاً في الخط الحكائي للراوية، وجاءت عملية تسريده بعد وفاة والدة أمل التي تغنَّت رثاءً بوالدتها الراحلة إثر عودتها من البحرين التي كانت تدرس فيها، لكن فعل الاغتصاب، ومن وجهة نظرنا، يمثل أساساً تكوينياً لمدار (Topic) كُره الأب في الرواية، بل ولكُره عالم الذكورة برمته في حياة أمل التي بدأت روايتها بعشق أستاذ جامعي هو «أحمد الريّان»، وهو العشق الذي وضع «ذات» أمل على محكِّ مواجهة عالم الذكورة الذي تمقته بقسوة؛ تقول أمل مخاطبة أحمد: «أريد أن أبدأ معك صفحة من الفرح في هذه الحياة الميتة التي أحيا»(ص 70).
ليس كون أمل لقيطة، وابنة عبدة موطوءة من جانب سيدها الخليجي، هو السبب الوحيد الذي جعلها تكنُّ الكُره لوالدها، إنما هناك سبب آخر؛ فالأب المذكور قاد ابنته إلى عالم السَّحرة، وجعلها أنثى «مغيَّبة»: «وعدتُ المغيَّبة، كما صار اسمي فيما بعد على لسان كل سكّان القرية، وهي صفة العائدين من رحلة الموت أو حفلته الخرافية، ومن شباك السَّحرة بعد رحلة في عوالمهم القذرة»(ص 63). أما ما جرى لأمل في تلك الرحلة، فإن جنياً سكنها تسميه «القط» أو «عديِّم» (ص 152) بدعوة من والدها أو بدعوة من «رجل من عالم الإنس» الذي كان يرافقها كالظل في اليقظة والمنام: «أنا عبد من عباد الله، وأنا وأنتِ متلازمان منذ قرَّر رجل من الإنس أن أكون ظلك، ألا تذكرين؟ ولن أسمح لك بالزواج من كائن آخر، وحين تقرِّرين ذلك فستكون نهايتك على يدي!» (ص 73). أما القط فهو الذي تسمع أمل صوته «كان يرافقني من يوم غيابي المبجَّل ورحلتي الخرافية، القط الأسود الذي يتبعني كظلي في كل مكان، والذي لا يراه أحدٌ سواي!»(ص 72).
إنَّ عبارة «رجل/ من الإنس» التي وردت في المقتبس قبل الأخير، هـي مُـشـيـر دال (Indicateur) على والد أمل الذي قدَّمها للسحرة كموضوع حالة، لذلك تصف أمل والدها بـ «الساحر»، إلى جانب أوصاف أخرى «الوالد/ الجبار/ الشيخ/ العاشق/ الساحر» (ص 79). ليس هذا فحسب، بل تخاطبه قائلة:
«أيها السّافل، تهبني طعاماً لأصدقائك السَّحرة، عليك اللعنة أيها الملعون وعليهم»(ص 59).
إلى جانب ذلك، ثمَّ سبب آخر كان حافزاً لكُره أمل والدها؛ سبب يكمن في التمييز العنصري الذي كانت تلاقيه أمل ووالدتها من أسرة أبيها ونسائه وأولاده غير العبيد؛ فلكون والدة أمل «عبدة» تنحدر من الجنس الأسود نوعاً ولوناً وأصلاً، ولكون أمل ابنة عبدة رغم أن والدها هو سيد أو شيخ أبيض في مجتمعه، فإن تلك الخاصَّة ما كانت سوى موئل متاعب نفسية لأمل الابنة، وصداع عرقي راح يكبر في ذاتها وذات والدتها من ذي قبل؛ تقول أمل مخاطبة والدتها رثاءً بعد موتها: «زوجات أبي الملعونات مثله، واللواتي جعلنكِ دونهنَّ قدراً، وملأن عمرك بالكيد والبغضاء والفتن»(ص 81). وكان هذا الشعور قد اتسع عندما كانت أمل على علاقة مع ابن عمها «خالد» التي كانت تأمل الزواج منه، لكنه تركها وتزوَّج أنثى غيرها غير عبدة، فتبلور لديها موقف قائم على أُسس التمييز العنصري: «كنتُ أعرف جيداً أن ذلك الحب الهش أو الإعجاب الساذج لا بد أن يتلاشى يوماً؛ فلم يكن خالد رجل الحُلم فــي مخيلتي المتمرِّدة؛ كنتُ أكره الأشباح التي تسكن رأسه، والطحالب التي تعشِّش في مخيِّلته، كنتُ أكره ضَعفه، ونظرته العنصرية لي ولكِ»، هذا ما قالته أمل وهي تخاطب والدتها راثية موتها بلوعة أنثوية آسيه (ص 89).
هذه الأسباب الثلاثة هي التي كانت وراء كراهية أمل لوالدها، وهي الكراهية التي امتدت لتشمل عالم الذكور برمته، ما يعني أن كراهية أمل لوالدها كانت نواة لكراهية الصنف الذكوري من البشر، ونلاحظ على فاطمة الشيدي، بوصفها الناصَّة في الرواية، أنها لم تدخر الجهد في تسريد تلك الكراهية الشاملة من بداية الخط السَّردي في الرواية (line story) حتى آخره، ولنقرأ هنا بعض النُّصوص التي تكشف عن كراهية هذه الأمل لتلك الذكورة
1. «نحنُ نساء السواد المتدثرات في الجحيم بعباءات تنقله للأجساد لتكتمل حلقة الصهر لذلك الجسد الملعون؛ الأب، والأخ، والزوج، والجغرافيا كلها تحاصره بحرقة لتخفي لعنة مفاتنه، وعبثية خلقه»(ص 1) (5)
2. «حيوانات كأبي وعمومتي، وجميع أبناء البلدة»(ص 13).
3. «كنتُ أشعر أن هذه الوجوه المتهيئة للمسرحة أمامي بضع كائنات لبعضها ملامح الغربان، وللأخرى ملامح الحرباء أو البومة»(ص 19).
4. «الرجل الذي يسمى أبي؛ ذلك الذي قذف بي إلى هنا، لعنه الله. أيها السّافل، تهبني طعاماً لأصدقائك السحرة، عليك اللعنة أيها الملعون وعليهم»(ص 59).
5. «لستَ إنساناً أنتَ؛ أنتَ شيطان.. شيطان.. كنتُ ألعنه في داخلي هو وشريكه الذي يقدِّم نفسه وريثاً شرعياً للرب والدين وهو يعلِّم القرآن...»(ص 59).
6. «زوجات أبي الملعونات مثله...»(ص 81).
7. «لن أتزوَّج ممن هم كالبهائم أو أقل سبيلاً»(ص 87).
8. «لن أتزوَّج أي حمار ورث النهيق كما ورث كل صفات الرجولة المزعومة»(ص 90).
9. «من يرغب في فتاة تتقن الصَّمت والرَّسم، وتخشى الكلام والرجال الكلاب» (ص 92).
10. تقول مخاطبة حبيبها أحمد الريّان: «وربما أنتَ كجميع الذكور؛ ثيران لا يفهمون الحياة إلا من قرونهم.. أو من أعضائهم!»(ص 120).
11. «قررتُ أن أتفل بوجه أبي، وفي وجه السَّحرة، والشياطين، والجلاميد، والأحجار وأشباههم، وأنتصر لأمي»(ص 134).
في هذه النُّصوص/ المقاطع، يبدو واضحاً كيف تمادت أمل في تقريع عالم الذكورة عامة، وذكورة والدها على نحو خاص، حتى وصل الأمر لديها أن تبصق في وجه والدها، ناهيك عن وصفه بالحيوان، والملعون، والثور، وغير ذلك من الصفات غير الآدمية. وصفات من هذا النوع لم نجدها في رواية «سُعار» لبثينة العيسى، ولن نجدها أيضاً في رواية «زاوية حادَّة» لفاطمة المزروعي رغم أن الروايات الثلاث تؤكِّد موقفاً نقدياً من ذكورة الأب، بل الذكورة بشكل عام!. لكن أمل «سيدة الحقيقة والأوهام»(ص 51)، وصاحبة «الذات المخضَّبة بالموت»(ص 45)، و«القروية الملعونة» (ص 35)، والأنثى «المغيَّبة»، ربما لها العذر في كل هذه الكراهية الراديكالية لكينونة الأب، ولذكورته الظالمة، خصوصاً وأن ما جرى عليها من حيف ذكوري أبوي كان مركَّب الأثر في ذاتها منذ تكوينها الجنيني في رحم أمها كنطفة غير شرعية ناتجة عن فعل زنا، حتى تعرُّضها إلى اختراق كائنات تنتمي إلى عالم الجن.
لا يبدو برنامج كُره البطلة للأب في رواية فاطمة المزروعي «زاوية حادَّة» طاحناً كما رأينا ذلك في رواية «حفلة الموت» لفاطمة الشيدي، وإلى حدٍّ ما في رواية بثينة العيسى «سُعار»؛ فنموذج «الأب» الذي قدَّمته فاطمة المزروعي، وعملت على تسريده في «زاوية حادَّة» هو ذلك النموذج التقليدي الذي ينتمي إلى مجتمع البداوة الخليجي الذي يكنُّ الكُره القبلي للإناث مقابل المحبَّة للذكور من أبناء الأُسرة الواحدة.
ولما كان نص «زاوية حادَّة» لا يعدو أن يكون كتابةً سير ـ ذاتية (Autobiography) عملت البطلة من خلاله على سرد حياتها منذ الصِّغر حتى الكبر؛ فإنه من الطبيعي أن نلقى صور كُره البطلة لوالدها تتناسل تباعاً كلما جرفنا الخط السَّردي في الرواية إلى أحداثها المتتالية صوب نهايتها.
كان التطلُّع إلى عالم الذكور، عالم الأطفال الأغيار، يمرُّ عبر ثقب باب الكراج كما تقول البطلة/ الراوية: «من خلف ثقب الكراج، كنّا نرى أيضاً عالم الأطفال الذكور»(ص 10 ـ 11)، وهو أمر طبيعي في عالم الأنوثة المبكِّرة. لكن عالم الذكورة هذا، آل، بعد سنوات، إلى اغتصاب البطلة عندما سال لعاب أحد الشُّبان لينقض على جسديَّتها ليجعل دماءً ساخنة تخرُّ من بين فخذيها في أمسية كانت البطلة اليافعة ترافق أشقاءها الذي تمادوا في اللعب والسكر وانعدام توفير الأمان لأختهم الوحيدة في سهرتهم. (انظر ص 45 وما بعدها).
كان ذلك الحادث قد حفر في ذات البطلة كُرهاً معمَّقاً للذكور، وظلَّ ينمو معها كما كان إهمال والدها لها ولشقيقاتها، مقارنة باهتمامه بأبنائه الذكور، ينمو في ذاتها ويكبر، ما عدا لحظة إشراق واحدة شعرت البطلة بها بأبوة هذا الأب القاسي عندما رفض تزويجها من ابن خالها (اُنظر ص 56)؛ تقول البطلة فيها رؤية والدها لبناته: «أتذكَّر أن والدي كان يكره البنات، ولم يتمن أن يصبح والداً لأربع بنات، ربما هذه الصدمة هي التي أثَّرت فيه، ففضَّل الابتعاد والهروب عن عالمنا!»(ص 45).
لعلها سمة قديمة متوارثة عند الأب العربي أنه يكره أن تلد له زوجته إناثاً وليس ذكوراً، وهو ما تتسم به شخصية هذا الأب الذي يكره الإناث كجنس بشري Misogynist، وهو موضوع يرتبط بفهم الإنسان لجنسه المختلف؛ تقول البطلة: «كان هروب ابنته الكبيرة من المنزل صاعقة كبيرة أضافت إلى رصيده الكثير من الكراهية للنساء، وكانت هذه الكراهية قد اشتعلت ووصلت الذروة مما جعله يكره البنات، ويتمنّى الموت لو جاءته بنت»(ص 88) (6). إلا أن عبارة «فضَّل الابتعاد والهروب عن عالمنا» لا تمثل فقط هروبه عن عالم بناته الأربع، إنما هروبه عن أسرته ليعيش حياته حراً مع مزاجه وأهوائه ورغباته وأعماله: «والدي لا وقت له، لأنه مشغول، وهو لا يأتي إلى المنزل إلا فترات قليلة»، ولم «نكن نرى والدي إلا مصادفة»(ص 32). لذلك، كانت كل واحدة من بناته ـ ومن بينهنَّ بطلة الرواية ـ تتمنى عليه أن يغمرها بحنان أبوَّته يوماً: «أحياناً يأتي والدي إلى المنزل، يحضر منتصف الليل، يتسلَّل على أطراف أصابعه، أرمقهُ من خلف نافذة غرفتنا المرتفعة، فأضطر إلى أن أحضر كرسياً خشبياً قديماً، أقف عليه بعناد طفولي، وانظر إلى والدي متمنية أن يأتي ليضمّني، ويأخذني بين أحضانه كما يفعل مع إخوتي الذكور..، لكنه يفتح الباب، ينظر إلى الأجساد النائمة على الأرض، ثم يذهب من دون قُبلة؛ كم تمنَّيت لو أزاح اللحاف مرَّة من على وجهي، وقبَّلني»(ص 52).
إنَّ تمثيل كُره الأب ـ كما عملت فاطمة المزروعي على تسريده في روايتها هذه ـ لا يستند إلى موقف دراماتيكي تشترك البطلة مع والدها فيه، كما هو الحال مع تجربة الأب الكاره بقصدية عالية في تجربة «حفلة الموت» لفاطمة الشيدي، وفي تجربة «سُعار» لبثينة العيسى، لكنها تختلف عن هاتين التجربتين في أن تمثيلها للأب قدَّم الأب بصورة ذلك الرجل البدوي الذي يحطُّ من قيمة الإناث «البنات» لصالح إعلاء شأن الذكور «الأولاد» في أسرته الواحدة، وهذا ما لم نجده في «حفلة الموت»، ولا في «سُعار»، وتلك هي خاصية التنوُّع في تسريد مدارات الكراهية للأب في الرواية الخليجية.
الهـوامش
(1) بثينة العيسى: سُعار، رواية، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، 2005.
(2) فاطمة الشيدي: حفلة الموت، رواية، دار الآداب، بيروت، 2009.
(3) فاطمة المزروعي: زاوية حادَّة، رواية، دار العين للنشر، القاهرة، 2009.
(4) جاك أندرييه: النزوع الجنسي للأنثوي، ترجمة: اسكندر معصب، ص 47 وما بعدها، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، 2009.
(5) هناك تخاطر ثيمي «موضوعاتي» بين دلالات هذا النَّص ودلالات أخرى مماثلة في أحد نصوص رواية فاطمة المزروعي، لنقرأ: «كان من العيب التحدُّث في أمور كثيرة؛ الجنس، الحب، النظر إلى الرجل، ورفع صوت المرأة، وغيرها من الأمور التي تختفي تحت طيَّات هذه الملابس السوداء التي توارثناها رغماً عنّا، وصارت لنا معنىً للأنوثة التي تختفي وراء زيٍّ أفسدَ، كما أفسد غيره، فطرتنا الأولى للحياة» (فاطمة المزروعي: زاوية حادَّة، ص 109).
(6) لا يوجد مزيد تسريد لمدار هروب الابنة الكبرى للأسرة في رواية فاطمة المزروعي «زاوية حادَّة».
تعليقات