التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
فاطمة الشيدي عن الكتابة وشؤونها
إدريس علوش


- ماذا تكتب ألان..؟
أكتب نصوصا لا أريد لها أن تكتمل، وربما تعاندني وتفعل بعد سنوات في مجموعة بعيدة التكوين، وأكتب قراءات لا أريد لها أن تنتهي إلا في كتاب بعيد التشكل، أكتب رواية على مهل كي تكون بين يدي قارئ محتمل ذات يوم.

- إلى أي حد يسعفك هذا الفصل في الكتابة..؟ وأي فصل من فصول السنة يلهمك أكثر؟
لا أربط ما أكتب بالفصول، والأزمنة والأمكنة، ولا حتى بالشخوص، إلا أنها بالتأكيد تؤثر في الداخلي والعميق مني، فيكون مستعدا للكتابة بهوائه ومائه وتربته، أو غير مستعد بضجره ووجعه، الكتابة بالنسبة لي صلاة روحية محلّقة، أو رقصة طويلة موجعة أحيانا، ومفرحة أحيانا أخرى، يحركها الأكثر إيغالا في الروح الذي بدوره يتأثر بالخارجي من الموجودات والفصول والأمكنة والأشخاص، يتأثر بالمحبة والكره، بالفرح والحزن، بالغياب والفقد أو بالحضور والأنس، صلاة أو رقصة يبدأها الروح والشعور ويكملها الجسد والأصابع.


- أي شعور يعتريك عندما تنهي نصك..؟
شعور عظيم وكبير وخاص وهانئ، شعور لا يمكن للكلمات أن تختزله في جملة أو عبارة أو نص، إنه راحة خاصة وخلاص حميم وفرح حقيقي، يشبه فرح الأم بعد مخاض طويل لتجد بين يديها قمرا ينظر إليها بحب ويواسيها على كل تلك المعاناة، يواسيها عن كل جرح مرت به، وعن كل حزن اعتراها، وعن كل وجع وارتباك وهم وغم، إنه شعور الخلاص والتجرد والتحليق الذي يصفه الفلاسفة والروحانيين والعرفانيين في التوحد والاتحاد.

- وأنت تكتب هل تستحضر المتلقي..؟
لا بالطبع، الكتابة بالنسبة فعلا سراني وخاص وحميم، شعور يشبه الرغبة في البكاء، أو الرقص تحت المطر، أو السباحة في البحر في يوم غائم، شعور لا يعني ولا يهم أحدا سواي، أريد أن أكتب فقط، كما أريد أن أشرب قهوة مرة عند زاوية ما لأنها تحمل لي سرا خاصا أو ذاكرة ما، أو البكاء بين يدي النجوم في ليلة حالكة الظلام.
ربما لاحقا في القراءة الأولى، أفكر في أحدهم، في القارئ الذي يهمني أن يقرأ لي، أو صديق كاتب قال لي ملاحظة ما ذات نقاش عميق، فأحذف شيئا أو أضيف شيئا ليستوى النص بشكله الإبداعي الأخير.

- هل تمارس نوعا من الرقابة على ذاتك وأنت تكتب..؟
عند حالة التجلي الأولى بالطبع لا، فأنت لا تكتب بل ترقص وتحلّق، وتعزف على أوتار شرايينك بأظافرك الطويلة، أنت تصنع الفكرة، وتعيش اللحظة أكثر مما تكتب نصا، أنت تحفرك بشغف، وتستخرج مكنوناتك المترسبة في الأعمق منك بصدق ووضوح جلي وصادم إنها حالة تطهير قصوى، وشحذ عميق، لذا فأنت لا تنتبه لما اقترفت يمينك وروحك وعقلك من تطاولات ومن محظورات، ولكن لاحقا ستنتبه كثيرا بالتأكيد، سيستيقظ ذلك الرقيب المتربص بك عند مدخل الذاكرة والعقل والوعي، والذي تناوم بعين واحدة فقط وأنت تكتب كي يخلي بينك وبين حالة التجلي العرفانية الخاصة، وحالة البوح والاعتراف الألمي العظيم، لكنه لاحقا سيدقق في نزفك، ويتقصى كل كلمة وكل حرف، ولذا فبلا شك ستغير دلالات كلماتك كثيرا تحسبا منه، هو الذي أصبح رقيبا أكثر من الرقيب السياسي والاجتماعي والديني الخارجي، إنه نتاجهم العميق في ذاتك، لأنك لا تستطيع أن تواجههم لذا ستشذب كلماتك، وتقصقص أطرافها الحرة، ووعيها المستطيل ولغتها المتحررة، وعنفوانها المتخلق بحرية من قراءاتك، ستخضع لرقيبك الداخلي خوفا من مجتمع لا يزال يخاف من الكلمة، وستفعل الكثير كي تنجو من ألسنة النيران، وسياط النميمة، وغضب المجتمع وربما من القانون والدين وغيرها، ستفعل كل ذلك لتحتفظ بهدوئك واتزانك في مجتمعات مريضة بالشك والريبة وقلة الوعي، في مجتمعات آخر همها الثقافة، والقراءة لا توازي الكماليات والترهات، والكاتب متهم سلفا.




- إلى أي حد أنت راض عما كتبت..؟
- إلى حد ما، لقد كتبت كثيرا مما شعرت به، مما أحببته ومما كرهته، ما أريد وما أرفض، كتبت بشكل يشبهني، ولكنني لازلت أريد أن أكتب بشكل أفضل، وأكثر وأكبر وأعمق، وأتمنى أن أجد الفرصة والوقت والمزاج والقدرة على ذلك.

- عادة هل تعيد قراءة ما كتبت قبل اتخاذك لقرار النشر..؟
غالبا نعم، سواء للنشر في صحيفة أو مجلة، أو حتى في كتاب، الكتابة الأولى هي دفق غير متزن ولا عاقل، إنه ينساب بخفة تشبه انثيال الماء، وفي القراءة الثانية تكون محاولة تحديد مجرى هذا السائل الروحي وبلورته ومعالجة ما به من هنات وضعف، فنحن بشر ولذلك نحن رهن النقص والتغيير والخطأ، وكل قراءة جديدة هي إضافة وتعديل وتغيير وتحسين وتجميل للنص، والذهاب به نحو الكمال المفترض، والشكل الأجمل الذي نريده له بين يدي قارئه.

- الكتابة..ما تعريفك لها..؟ وإلى أي حد تعتبر الكتابة مهمة في حياتك..؟
الكتابة هي نسج معطيات الداخل والخارج على منوال الورقة البيضاء، هي نقل خبرات الفكر، وأوجاع الروح، وتشظيات الكائن للآخر، إنها محاولة للتخفف من ثقلك لتقاوم حالة السقوط المستمرة والمتوثّبة لتنال منك، فتستطيع بعدها مواصلة الحياة حتى امتلاء آخر، وكتابة أخرى.
الكتابة هي الحياة بكل ما فيها، ببساطة الكتابة هي وطني الأهم، وكنزي الكبير، وعشقي الوحيد، إنها ثروتي ومؤنسي وأمسي ويومي ومستقبلي، إنها كل شيء، فهي معادل شرطي لوجودي على هذه الأرض.

تعليقات