التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

سفر الكتابة، كتابة السفر

فاطمة الشيدي
 21 يونيو 2011
ملحق شرفات - جريدة عمان



الكتابة سفر، والسفر كتابة، وكل منهما مرآة للآخر بشكل ما، ومن الناحية اللغوية المحضة فإن السَفَرَ هو الارتحال، والسفْر هو الكتاب، والأسفار هي الكتب والتنقلات المكانية في ذات الآن، لذا نلمح ذلك الجناس التام بينهما.
ومن نواحي أخرى كثيرة وعديدة فالسفر والكتابة ترحال بين عوالم الداخل أو الخارج، وتدوين لهذه العوالم في الورق أو الذاكرة! فماذا يعني أن تسافر سوى أن تكتب نصك الخاص؟ تكتبه بجسدك وروحك وحواسك، بدهشتك واندهاشك واندفاعك وراء كل جديد - الجديد الذي لا يعني الحداثة بقدر ما يعني الغامض والبعيد والغريب- ماذا يعني أن تذهب وراء خيوط التفاصيل الدقيقة من الطعام والشراب، حتى الأزقة والأزياء والموسيقى، تبحث عن مقاهٍ شعبية، لتكتب ذاكرة الشارع في تعرجات روحك، تستقرئ الوجوه لترسمها بورتريهات نصية في العميق والبعيد من خيالك، تخزّن هناك الصور والضحكات والمطر والزهور والفراشات والعصافير، تخزن كل وجه وكل موقف وكل حنين صامت، كما تخزن كل ضحكة تشج روحك بفؤوس العشق والفرح، وكل دمعة تجرحك كسكين حادة.
في السفر أنت تكتبك ضمن المكان، أو تكتب المكان فيك ومعك وبك ولك، وطبعا ومن تحب سواء كان معك بجسده أو كان معك بحضور كامل في روحك وعقلك وذاكرتك، فنحن كثيرا ما نعيش مع بشر بلا أجساد يعيشون معنا أو داخلنا، نحملهم كأجنة في أرحام أرواحنا، وكتوائم يسكنون ذواتنا بكل حضور حقيقي وفيزيقي كامل ومتجلٍ ومتجسدٍ، يسيرون معنا ويضحكون ويشاهدون الأماكن أو التلفزيون أو السينما، يشترون ويجادلون، ويشربون القهوة على الأرصفة، ويتعثرون بندبة في الشارع المبتل فيضحكون، ويوافقون ويعترضون على قراراتنا على مكان الإقامة أو نوعية المشتريات أو الطعام، إنهم بكل كمال الحضور في الحياة المعاشة.
في السفر نحن نكتب نصا بلا لغة، وفي اللغة نحن نستحضر أمكنة بلا سفر، هكذا حينما نكتب رواية مثلا في أمكنة زرناها منذ فترة طويلة، أو ربما لم نفعل يوما، ولكننا نكتب عنها، نكتبنا ضمنها، تهبها اللغة حياة خاصة، وهواءً خاصا وأصواتا خاصة بكل ضجيجها وفوضاها وأحلام بسطائها وعنجهية أغنيائها، بكل ألوان من سكنوها، ودموعهم وضحكاتهم الهشة والطازجة.
السفر غذاء الذاكرة إنه قصصا تنسرب للأعمق منا، وأشعارا ونصوصا يحتفظ بها اللاوعي هناك بدهشتها وروعتها حتى تكتب.
وقد نتجرأ على صلاة الحضور، ورقصة الجسد فنحمل ورقة وقلما في جيب خفي منا، أو جهازا الكترونيا صغيرا وقد يكون الهاتف النقال نفسه، لنسطر بعض الكتابات البسيطة، ملاحظات بدئية كي نحفّز الذاكرة ذات يوم حين تبدأ في الحنين والكتابة، نسجّل أسماء الشوارع والأماكن واللافتات والشخوص العابرين؛ كبائع المقهى القريب الذي يصافحك أو يصفعك كل يوم بابتسامته الساخنة كخبزة خرجت من التنور آنا، وبائع الموسيقى الذي يدخل معك في نقاش طويل حول هجرة الألحان ويقدم لك موسوعة علمية عنها، أو بائع الكتب الذي يفترش بسطة صغيرة على الرصيف ويدخن غليونه في ترفع عجيب، أو الرسام العجوز الذي يرسم لك بورتريها جميلا وسريعا، أو العازف الذي يعزف لك مقطوعتك الفيروزية الخاصة تحت المطر .
وجوه لن تغيب عنك ولكنك تخشى أن تخونك ذاكرتك العجوز يوما في الأسماء والمواعيد فلا تترك الأمر للصدفة لذا تسجل بعض الملاحظات القصيرة القامة والهزيلة الروح كطفلة لا يراد لها أن تعيش إلا لتروي حكايتها القصيرة ثم ترحل وقد استودعت روحها في نص طويل وعميق.
لكن السفر والكتابة توأمان من الأفضل لهما ولنا أن لا يلتقيا، ولا يعيشا معا، فالكتابة وطن حتى ضمن فكرة الغربة ذاتها، الكتابة تحتاج ثباتا واستقرارا، وتحتاج وقتا ومساحة، وتحتاج هدوءً وتداعيا، وهذا ما لا يسمح به وقت السفر القصير غالبا، والمحكوم بالركض السريع للبحث عن الكثير البعيد، فليس من العدل أن نفسد متعة السفر بالكتابة، ليس من العدل أن نتحول إلى مكائن لتفريغ النصوص، ليس من الحياة والجمال والحب أن نعانق الأمكنة بجسد وعقل مشوش كل ما يريده من الحياة أن يفرّخ نصوصا، وكأنه جاء ليعيش على هامش الحياة وليس في مكانها الحقيقي ليكتب عنها من خارجها فقط.
إن من يفعل ذلك يظلم روحه وقلبه وجسده، يظلم الكتابة والسفر، ويظلم الحياة أيضا،فالسفر قصيدة أو رواية إنسانية جسدية روحية كلية، رقصة عنيفة ومتوحشة لابد من الاستغراق فيها حتى التعب والوجع والبكاء أحيانا، السفر صلاة متأملة وقصيّة ولا بد من الذهاب بها ومعها حتى آخر الغياب، السفر متعة على الإنسان أن يعيشها من أقصاها إلى أقصاها من بدئها حتى ثمالتها، أن يركض وراء الزمن والمكان ليحظى بالمنتهى منها، أن يلتهم الأكل من الشارع، ويشرب من بركة على الطريق، أن يرتدي من الملابس ما يعينه على الحياة، أن يسرف في التأمل والفرح، أن لا يعقد مقارنات إلا لصالح الحالة الجديدة، أن لا يأبه لما خلفه لأنه عائد إليه لا محالة، ولا يخطط لما سيكتبه لأنه سيتداعي ضمنيا في اللاوعي الشعري المستشرف للذات والروح وأثر وانعكاس المكان فيها بدءا ولاحقا.
السفر أرض خصبة للروح يزرعها الإنسان بالغياب والذهاب والتشظي في جماليات الأمكنة، لذا يهب الكتابة موسما جديدا للحصاد، والكتابة بوصلة للكاتب، لأن الكاتب لديه أكثر من عينين وأكثر من قلب وذاكرة، لديه أكثر من روح وجسد وأكثر من خمس حواس، لديه الكثير الكثير من كل شيء، لأنه أكثر من إنسان، وأكثر من جسد، وأكثر من روح، لذا فكل شيء فيه سيرى المكان بأكثر من زاوية، وبأكثر من وعي، وبأكثر من ذاكرة، إن للكاتب ذاكرة روحية قادرة على استيعاب كل أرواح الدنيا، وكل أمكنتها، وكل دهشتها وفرحها وحزنها وألمها، والكتابة هي المستفيدة لاحقا من كل هذه الأنوات والأرواح والأجساد التي عاشت في أكثر من مكان، وبأكثر من حياة، وبأكثر من صفة ولون وحجم وذاكرة، وكل شيء يمر بالكاتب يكبر ويتحول ويتلّون ويستدير ويستطيل في ذاكرته الكبيرة التي لا تمتلئ ولا تنتهي.
لذا فكل ما يمكن أن يقال عن العلاقة بين السفر والكتابة أن السفر ذاكرة الكتابة، والكتابة حصاد السفر.


تعليقات