فاطمة الشيدي
5مايو 2011
شهادة عن المدونة الفائزة بجائزة التميز الثقافي لعام 2010، نشرت في الكتاب الصادر بهذه المناسبة عن دار الانتشار العربي. والذي يحمل شهادات لعدد من الكتاب والمبدعين العمانيين . تحرير سليمان بن علي المعمري
ليس سهلا أن تقدم للآخرين ما يخصك من وقت وجهد، وأن تهبهم مساحاتك الخاصة، وزمنك الخاص، وأن تتبني أعمالهم كأنك صاحبها، وأن تهبهم بيتك ليصبحوا هم أصحابه، وتصبح أنت مجرد ضيف عليه ومتابع له ولهم، هدفه راحتهم وإبراز أعمالهم فيه، تصبح مجرد موظف يدير أعمال الآخرين، كناشر مأجور، أو مسؤول علاقات عامة هدفه نشر أخبارهم، ولكن بلا درهم ولا دينار، بل وبلا حتى مصافحة حميمة، و"شكرا" طازجة هشة مدهشة من القلب للقلب، لأنها حتى وإن حدثت ستكون جافة وبادرة ومعلّبة في صندوق معدني وبريد ألكتروني.
ولكن هذا تماما، وهذا فقط ما حدث في مدونة "أكثر من حياة" مع "أحمد وزوان"، حيث حين قررا أن يفتحا مدوّنة، فلم يكن ذلك لنشر كتاباتهما، وأخبارهما الأدبية والثقافية كحالة نرجسية متعارف عليها بين الكتّاب، أو حتى نشر هذيانهما كحالة ترويح نفسية وهذه أيضا متعارف عليها ومقرة شرعا (ولكن قد لا تكون مقرة قانونيا أحيانا خاصة إذا زاد الهذيان عن حده)، أو حتى لنشر صور أطفالهما، وهذه حالة اجتماعية محبّبة ضمن فكرة التعارف والتواصل الاجتماعي.
ولكنهما قررا أن تكون هذه المدونة في خدمة القرّاء، والكتب والكتّاب، في خدمة الإنسان والمجتمع، ونشر الثقافة الإنسانية كحق مشروع وهدف سامٍ، وغاية نبيلة. قرّرا أن تكون أكثر من حياة، (وياله من عنوان راقٍ، عكس هدف المدونة، وهو إعلاء قيمة القراءة التي تهب أكثر من حياة، مقدِما للقارئ أكثر من حياة، وأكثر من دهشة، وأكثر من جمال)، لقد أرادا أن يقدما عملا جماعيا ثقافيا قيّما وعاما وإنسانيا وراقيا .. وقد كان لهما ما أرادا.. وبأجمل صورة وبأبهى وأكمل حالة!
إن ثقافة العمل التطوعي، والتضحية بالوقت والجهد، والمال أحيانا، لمساعدة الآخرين، أو لتكريس فكرة عميقة، أو نشر ثقافة ما، حالة اجتماعية وثقافية راقية وذات بعد إنساني عميق، وربما تكون موازية للإبداع تماما، أو حتى أكثر منه اتساعا وشمولية، حيث التوسع في نشر المعرفة، وتشكيل جو ثقافي معرفي صحي قائم على أسس موضوعية، وجمعية خارج أطر الذاتية والعمل الفردي الذي لا يعود بالنفع سوى على الفرد ذاته. وهي فكرة الجماعة الإنسانية منذ بداية الخلق، وهي فكرة تجعل من الفرد عاملا مؤثرا في الجماعة، كما تجعل من الجماعة حالة واحدة من العمل والوعي والتعاون لتحقيق أهداف سامية.
وإذا كانت الحالة الإبداعية هي فردية في الأساس، فإن الحالة الثقافية هي حالة جمعية، ولا تكون صحية وعميقة وفاعلة إلا من خلال التكاتف والتآزر والتعاون ومساعدة الآخرين، وتشجيع المبادرات ونشر ثقافة العمل التطوعي.
و "مدونة أكثر من حياة" تعد مثالا راقيا للعمل الجماعي والتطوعي، حيث تنطبق كل إيجابيات ثقافة العمل التطوعي والجمعي عليها بكثافة وموضوعية، فهذه المدونة التي رغم كونها مجرد صفحة رقمية منتشرة وعامة إلا أنها استطاعت أن تشق لنفسها طريقا مميزا، وتخلق لنفسها جوا ثقافيا خاصا وعميقا، فمنذ العنوان الذي يكشف عن اتساع في الفكر، ومحبة في الروح تظهر فكرة هذه المدونة القائمة على تشجيع القراءة، وكل ما يتعلق بها من مبادرات، واقتراحات، وقراءات داخل السلطنة، وقد تمتد لخارجها، ولهذا فقد استطاعت أن تستقطب جميع المثقفين والمهتمين والقراء بمختلف مستوياتهم وأعمارهم وتوجهاتهم الفكرية والثقافية؛ لتجعلهم يسهمون في صناعة ونشر أفكارها ومبادراتها الثقافية، ويتعاونون مع مديريها في خلق جو ثقافي رقمي صحي يقوم على نشر الأفكار، وبث روح التعاون والمحبة، لأنهم ببساطة يشعرون أنهم من طاقمها، وكل ما ينشر فيها يعنيهم فهو منهم وإليهم، فكل كتاب يصدر، وكل خبر يظهر يهم الحالة الثقافية العمانية بشكل عام وبه روح العمل الثقافي المجتمعي.
إن مدونة أكثر من حياة؛ هي أكثر من مدونة، وأكثر من عمل ثقافي، وأكثر من روح منفتحة على الكتاب وعلى المثقف وعلى المجتمع. وكم نحن بحاجة لأكثر من مدونة، وأكثر من مدونين يهتمون بالشأن الثقافي العام حتى تتشكل لدينا حالة ثقافية عمانية صحية!
فتحية عميقة لمدونة أكثر من حياة ولصحابيها "أحمد وزوان"!
تعليقات