التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فاطمة الشيدي في حوار خاص بمجلة "تايكي" – فصلية ثقافية – الأردن

فاطمة الشيدي في حوار خاص بمجلة "تايكي" – فصلية ثقافية – الأردن
حاورها الصحفي .. محمد البشتاوي

1. عناوين الشيدي الأدبية مسكونةٌ بالموت، والفقد، والألم، في "هذا الموت أكثر اخضراراً - شعر" و"دمدمات- نص مفتوح"، و"حفلة الموت – رواية"، فما السبب؟، وهل ثمةَ جمالية لـ "الموت" لكي يحظى بكل هذا الاحتفاء؟.

الموت هو حالة فقد حتمية، سواء كانت نهائية أو مستمرة أو مؤقتة، والشاعر يعيش المجاز حتى في الواقع والحقيقة، المجاز والبلاغة والمبالغة هي لسان حال الشاعر وودمه ولغته، إنها صنوان وجوده المادي والنفسي على هذه الأرض، إذن فكرة الموت هي معادل نفسي لفكرة الفقد، وهي فكرة فلسفية ووجودية ميتافيزيقية بقدر ما هي فيزيقية وطبيعية وواقعية، فكل غياب موت، وكل موت هو فقد، وكل فقد ألم ترقى به روح الشاعر وترتبك وتذهب من خلاله في النص المعين الوجودي الوحيد والحميم لذا وكما يقول نيتشه "الموت قريب بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياة" .

2. مفردة اللون تكرر أحياناً في قصائدك، وكتاباتك، علاوةً على ارتباط مجموعتين لك باللون، وهما "هذا الموت أكثرُ اخضراراً"، ومجموعة "خلاخيل الزرقة"، فما علاقة اللون بالشعر، والشاعرة؟، وهل من دلالات ترتبط بطبيعة عُمان؟

روح الشاعر مرآة تتمرئى فيها كل الصور والأحداث والأمكنة والأزمنة والأشخاص، وتترك بصماتها في الذاكرة النصية التي تتخطى فكرة القصدية في الفعل اللغوي، إلى حالة من الكتابة المتسربة كالماء من بين شقوق الروح، بلا محاولات جادة وصارمة للفعل ذاته، إنها الكتابة التي تنبثق كالدم من الوريد، في انفجار يظهر كل مكونات الذات ومكنونات الذاكرة، إن كل ما هو ثابت وراسخ هناك سيظهر؛ مكان المولد والمكان البعيد الذي ذهبت إليه، كمزرعة ترعرعت فيها، أو بحر نبتت أهدابك على شواطئه، أو جرح تدفق منه الدم حتى قبل أن تعرف التسميات.

3. هل يمكن القول إن كتابك "دمدمات: قبور الوحشة وذاكرة الفراغ"؛ هو نتاج مزاوجَتَكِ لكتابة الشعر، والسرد؟، أم هي تجربة مختلفة تندرج في إطار من التجريب لإنتاج نص مفتوح عابر للأجناس؟
أدرك بالوعي المثقف أن الإجابة الأولى هي صحيحة، ولكنني أميل بالوعي الكتابي للإجابة الثانية، إنه نص آخر، نص جديد يجرّب حضوره بدم جديد وقامة مختلفة، وأقدام تنغمس في تربة الكتابة لتتشكل من صلصالها لاحقا بما يشكل نصا خاصا وقويا ومتينا، كل شيء كان في البدء لاشيء، كل النصوص وكل الأسئلة وكل الإجابات، لم يخلق الله الشعر إذ كسا العظام لحما، لكنه كان محاولة وتجريب من أحدهم أو بعضهم، كذا النص المفتوح حالة كتابية تزرع أظافرها في لحمة الكتابة مستقيمة على عظمها لتمضي في الحلم بالتكوّن والاستدارة والاستقامة على سوقها بشكل يعجب الزراع والكتاب والنقاد.

4. التكرار عنصر قائم في قصيدتكِ، كأنما هي محاولة لتعويض الإيقاع الذي تفتقدهُ قصيدة النثر، بيدَ أن كثرة التكرار قد تقتل سلاسة النص، فكيف تتعاملين مع هذا الأسلوب؟.
ربما ! كل نص بالنسبة لي حالة تجريب قائمة بذاتها، لدي بعض النصوص التي تعتمد مشروعية فعل التكرار في النص لغاية في نفس الناص، لا أعمد من خلالها للتعويض عن فقد أفترضه مسبقا، وقد يكون التكرار هو ذاته سببا رئيسا للسلاسة والانثيال اللغوي، أيضا النص الشعري لدي صارم ومتزن، ولكن لدي نصوص أميل لخلخلة مفاصلها بالماء والتكرار والعبث الجسيم أحيانا، إنها نصوص أريد أن تقول ما تريد بلا تدخل من الشاعر المتعالي الذي يفترض شكلا للنص، هذه هي النصوص المفتوحة والمنفتحة على الروح والفكرة والقارئ.

5. الانزياح في اللغة نحو الشعر، يغلب على روايتكِ "حفلة الموت"، وفي النص المفتوح "دمدمات" أيضاً؛ فهل هو استلاب في اللا – وعي للأصل – باعتبار أن الشعر جاءَ أولاً –، أم أن الشيدي تفضل سَبْكَ سردها بلغة شاعرية؟.
لكل صانع في هذا العالم الكبير أدواته، وكذلك الكاتب والشاعر واللغوي، وأنا أدواتي خرجت من رحم الشعر، ومع كل احتفائي بالفكرة والمعنى، إلا إنني أميل للعمق في شكل فلسفي موغل وجارح عميق، أميل للغة المشتغل عليها بحفر ونبش وتجريح واشتعال، ليأتي النص متصفا باللغة الحية والصورة الحيوية والضاجة والناضجة، والثرة والثرية بالشعر والجمال والفلسفة، وفي كل ما أكتب وبلا قصدية أحيانا، وأظن أنني لست بدعا في ذلك فهناك الكثير من الكتاب والفلاسفة الكبار ضمن هذا الإطار.

6. هل كانت قصيدة النثر بمثابة بطاقة عبور لكتابة الرواية؛ بعبارةٍ أخرى.. كانت مرحلة تمرين كتابي؟.
لا إطلاقا، منذ البدء وحتى النهاية أترك النص أن يولد يأتي، أو كما يشتهي، وأعرف أنني أريد أن أكتب في أجناس متعددة، أنا أكره الأطر، والجمود والشكلانية والثبات العقيم، وأحب التجريب والتجديد وهذا ما أنتج أشكالا مختلفة من الكتابة أحب أن أقترفها بقوة وبفعل.

7. ألا توافقيني الرأي، أن تخصصك في مجال اللغة، وتوجُّهك نحوَ الدراسة النقدية، وكتابة الرواية، قلَّص لديك مساحة الشعر؟.
من جهة ما نعم وجدا، وأنا حزينة لذلك، ومن جهة أخرى لا فالشعر هو لغتي التي أنثرها في أشكال أخرى، ولا زلت أكتب الشعر، ولكن يبدو أن المرء كلما تقدم في التجربة والعمر قل إنتاجه وخاصة من الشعر، وبدا أكثر هدوءا وصمتا وتريثا في الكتابة.

8. في كل قراءة جديدة اكتشاف لوجه آخر للمعنى، وكما قال ابن رشيق القيرواني "لكلِّ كلامٍ وجهٌ وتأويل"، وسمة النص الحديث تتكئ على هذه الثيمة، وفي هذا الصدد؛ فإن نصَّ الشيدي جمعَ البساطة إلى جوار المعنى المركب، الغامض بشكلٍ شفاف، وليسَ المُنغلق في معناه، والسؤال هنا؛ كناقدةٍ وكاتبةٍ للنص، كيفَ تنظرين إلى ثنائية المعنى (المضمون) والمبنى (الشكل)؟.
عني أميل للموازنة الحقيقية بين الشكل والمعنى، المعنى مهم جدا في النص شعرا كان أو نثرا، لأن الكاتب والشاعر يكتب ليُقرأ، لا يوجد شاعر يكتب لنفسه وإلا فعليه أن لا ينشر، ولكن بالطبع هناك قارئ أو قراء لكل شاعر وكاتب، إذن المعنى مهم وفكرة الطلاسم والحجب التي بدأت تظهر في القصيدة الجديدة هي حالة تجريب لم تثبت جدارتها، ولكن في المقابل علينا أيضا أن نهتم بالشكل بقوة السبك، واللغة التي ترقى بالقارئ، إن العلاقة بين الشكل والمضمون هي العلاقة بين الروح والجسد، بين الخارج والداخل، ولا ينبغي الإخلال بأي منهما.

9. الشيدي موزَّعة بين حقول مختلفة من الإبداع؛ الشعر، السرد، المسرح، النقد، والكتابة الصحفية؛ فهل هي محاولة لتطبيق مقولة "المبدع الموسوعي"، أم أن العملية هي فتح لآفاق متعددة من التعبير بشكل أوسع؟.
لا أبدا ، إنما هي محاولة طويلة ومضنية وعميقة للإجابة عن أسئلة تكبر مع كل عام يخطو فيه هذا الجسد نحو الهاوية، وهذا الروح نحو الصمت، وهذا الوعي نحو الفهم، إنها محاولة جادة وموجعة ودامية أحيانا كثيرة لردم هوة القلق الإنساني والوجودي العميق في هذه الذات، بأشكال ومضامين متعددة.

10. أخيراً، يقال "الشعر منبر ذكوري"، و"الرواية فعل غير جنسوي"؛ الشيدي كيف تنظر إلى التصنيفات الجنسوية للأدب؟.
الشعر والرواية والنص وكل كلمة وكل حرف هي هبة إلهية كما الكون والطبيعية بكل ما فيها من مخلوقات من طيور وزهور وبحر وسماء وكل الأشياء المحيطة بنا، وكل الأشياء التي تسكننا، وكالمحبة والأخلاق الرفيعة والإنسانية النبيلة، التي هي موجودة في الذكر والأنثى وللرجل والمرأة، فالكون واللغة والإنسانية لا تقبل القسمة والتوزيع لصالح التقسيمات السياسة المكانية أو الذكورية الاجتماعية، أو الأعراف البالية، أو التحزبات اللونية والعرقية والشكلية وغيرها من التقسيمات المشوهة والمغلوطة، إنها وسيلة للإنسان (رجلا كان أو امرأة) للتعبير عن ذاته ووعيه حسب همومه ونضاله الشخصي لصالح فكرة أو حلم أو ألم ما بحرية وهو يرتعش كما قال سيوران" لا يمكن لأحد التمتع بالحرية دون أن يرتعش" .




تعليقات