التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

السياب العظيم

فاطمة الشيدي
 27 ديسمبر 2011
ملحق شرفات - جريدة عمان

في الرابع والعشرين من هذا الشهر حلت ذكرى رحيل شاعر العراق وشاعر العربية بدر شاكر السياب، الشاعر الفارق في مسيرة الشعر العربي المعاصر، ومؤسس الشعر الحديث، ليس للريادة التي لم تحسم تماما لصالحه تماما، ولكن للمستوى الشعري الذي كتب به، والذي أسس به حالة من الفرادة والتميز والمزج بين الجديد والقديم، وبين الشرق والغرب، نظرا لسعة ثقافته، وتعدد روافد معرفته، طبعا بعد روحه الشفافة القلقة، والتغيرات الجذرية في حياته والتي ساقته للحتف في ريعان شبابه.
ذهب تاركا لنا: (أزهار ذابلة 1947م - أعاصير 1948- أزهار وأساطير 1950م- فجر السلام 1951- حفار القبور 1952م. قصيدة مطولة- المومس العمياء 1954م. قصيدة مطولة- الأسلحة والأطفال 1955م. قصيدة مطولة- أسمعه يبكي- أنشودة المطر 1960.- المعبد الغريق 1962م.- منزل الأقنان 1963م- شناشيل ابنة الجلبي 1964م.0 سفر أيوب.
في المستشفى.)
ولد بدر شاكر السياب في العراق عام 1926 بقرية جيكور جنوب شرق البصرة، وذاق اليتم المبكر حين فقد أمه، وتركه والده بعد أن تزوج بأخرى، يقول في ذلك "أبي.. منه جردتني النساء وأمي.. طواها الردى المعجل، ومالي من الدهر إلا رضاك فرحماك فالدهر لا يعدل".
وهناك أكمل دراسته ماقبل الجامعية، ثم انتقل لبغداد حيث دخل جامعتها دار المعلمين العليا والتحق بفرع اللغة العربية، ثم الإنجليزية. ومن خلال تلك الدراسة أتيحت له الفرصة للإطلاع على الأدب الإنجليزي بكل تفرعاته. وهناك عاش تجربة الحب الأول الذي لم يكتمل، ثم مال للسياسة فذاق مرارة السجن أكثر من مرة، وكان مهتما بقضايا الإنسان المصيرية والوجودية كالفقر والجوع والمعاناة. كما سافر لأكثر من البلد للتداوي ولحضور بعض المؤتمرات وكل ذلك خضب تجربته بالخصوصية والفرادة والعمق.
عاش السياب الكثير من المفارقات الحيايتة والإنسانية من اليتم حتى تدهور مستوى العائلة المادي من الغنى للفقر، حتى الفشل في الحب الأول، فالذهاب جهة السياسة التي أودت به للفصل من الجامعة، فالسجن والشظف والكثير من التقلبات الحياتية التي ذهبت به إلى معاناة المرض الذي أخذه إلى الموت في ربيع حياته التي عاش أكثرها في معاناة وألم وشعر خاص يمثل بصمة شعرية جارحة في ذاكرة التاريخ للشعر العربي.
لذا اتسم شعره بالمراحل المتنوعة، ففي الفترة الأولى بدا متأثرا بالرومانسية والقصيد العمودي وتنويع القافية، ومنذ 1947 انساق وراء السياسة وبدأ اهتمامه بقضايا الإنسانية متأثرا بإليوت في أزهار وأساطير وظهر ذلك في ديوانه "أعاصير"، ثم ظهرت محاولاته في الشعر الحر ويرى بعض النقاد إلى أن قصيدته "هل كان حبا" هي أول نص في الشكل الجديد للشعر.
ويتميز شعر السيّاب بالأصالة في الروح، والشفافية في المعنى، والعمق في الصورة، والجزالة في الأسلوب، واستحضار المكان، والرموز الخالدة في الذاكرة العربية، فهو نص مثقف وعميق ويحتاج لقارئ متبحر وعميق للوصول لروحه ومفاصله وتفاصيله، وينطلق فيه من مكانه الخاص (العراق) ومن ذاكرته الأولى ليذهب عميقا وبعيدا في الزمان والمكان.
ويظهر الصوت الداخلي للسياب بعمق في كل قصائده حيث تجلده الذاكرة والغربة والألم في عمق الروح، فيهرع للكتابة الشعرية بوعي جارح وغياب مرير، فيصف التفاصيل الصغيرة للمشهد الثابت والمتحرك للحياة والبشر والأمكنة، مستحضرا كل ما تلتقطه عينه من زوايا خاصة به مازجا بين الطبيعة والمكان والروح التي تشتعل فيها الغربة وسط الضوضاء والضجيج، فيعلو صوته الداخلي بألم شعري جارح هو كل ما كتبه السياب في الحب والطبيعة والسياسة والمرض.
وتتميز نصوص السياب بذلك الزخم الهائل من الصور العميقة المتتابعة، والتي تشبه كاميرا سينمائية تسجل الصورة الشعرية من زوايا عديدة وبشعرية متناهية الرهافة والعمق، كما تتميز نصوصه بالعمق الموغل في اللفظ والمعنى معا.
يقول في واحدة أجمل قصائده وهي "في السوق القديم" في مقطع منها حيث يصف المشهد العابر للكثيرين، بكل دقة وحضور روحي متألم، موازيا بين المكاني والذاتي، وبين المحسوس وغير المحسوس في صور متدفقة ومتتابعة هي أكبر من إحصائها لترسم مشهد السوق بدقة وجمالية خاصة يستحضرها الإنسان :
الليل، والسوق القديم
خفتت به الأصوات،إلا غمغمات العابرين
وخطى.. الغريب
وما تبثّ الريح من نغم حزين
في ذلك الليل البهيم
الليل، والسوق القديم، وغمغمات العابرين
والنور تعصره المصابيح الحزانى في شحوب
مثل الضباب على الطريق
من كل حانوت عتيق
بين الوجوه الشاحبات
كأنّه نغم يذوب
في ذلك السوق القديم
ويقول في قصيدته غريب على الخليج، محدثا الكثير من التمازج بين غربة الروح وغربة المكان،واصفا كل زوايا المشهد المكاني والإنساني، مؤاخيا بين الطبيعة والإنسان في حديث هامش ينفجر بصورة جزعة يشفع لها النداء لتدل على الجزع الداخلي للشاعر المسكون بعراقه:
الريح تلهث بالهجيرة كالجثام، على الأصيل
و على القلوع تظل تطوى أو تنشّر للرحيل
زحم الخليج بهنّ مكتدحون جوّابو بحار
من كل حاف نصف عاري
و على الرمال، على الخليج
جلس الغريب، يسرّح البصر المحيّر في الخليج
و يهدّ أعمدة الضياء بما يصعّد من نشيج
أعلى من العبّاب يهدر رغوه و من الضجيج"
صوت تفجّر في قرارة نفسي الثكلى: عراق
كالمدّ يصعد، كالسحابة، كالدموع إلى العيون
الريح تصرخ بي عراق
و الموج يعول بي عراق، عراق، ليس سوى عراق

البحر أوسع ما يكون و أنت أبعد ما يكون
و البحر دونك يا عراق
بالأمس حين مررت بالمقهى، سمعتك يا عراق
وكنت دورة أسطوانة
هي دورة الأفلاك في عمري، تكوّر لي زمانه
في لحظتين من الأمان، و إن تكن فقدت مكانه
هي وجه أمي في الظلام
وصوتها، يتزلقان مع الرؤى حتى أنام
ويقول في قصيدة "الشاهدة" وعلى لسانها، وكأنها تدعو العابر للتأمل في مصير العباد، والبكاء على من يرقد تحتها، بل ويبدو كأنه متنبئا بموته، داعيا القارئ للتواصل معه كأخ وصديق في الإنسانية والمصير والكلمة، عبر تجربته وذاق مراراتها للبكاء عليه هو أسير المرض، ثم الراحل في ربيع شبابه:
يا قارئا كتابي
ابك على شبابي
شاهدة بين القبور تبكي
تستوقف العابر يا صحابي
غضوا الخطى و لتصمتوا إن القرون تحكي
في جملة خطت على التراب
من نام في القبر ودود القبر
يسأل لا ينطق بالجواب
سيان عنده ائتلاق الفجر
و ظلمة الليل بلا ثياب
بلا طعام لا هوى لا حقد

تستحثني الذاكرة لأخبرها متى كان اللقاء بالسيّاب، فيكون ذلك تماما هو زمن الالتقاء بالشعر، لا أعرف تحديدا متى حدث ذلك، ولكنه حدث ربما مع أول قطرة مطر نزلت على كف صغيرة مفتوحة لتلتقط حباته وهي تردد (مطر.. مطر.. مطر) والتي ستخذلها لاحقا فروج الأصابع فيشتعل الحزن، ولا يزال يحدث ويتجدد كلما نزل المطر فيوشوش الروح:
أتعلمين أيَّ حزنٍ يبعثُ المطر؟
وكيف تنشجُ المزاريبُ إذا انهمر؟
وكيف يشعرُ الوحيدُ فيه بالضياع؟
بلا انتهاء_ كالدمِ المُراق، كالجياع كالحبّ كالأطفالِ كالموتى – هو المطر
وكالشعر أيضا "أيها السياب" هو المطر

تعليقات