التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

النص والمرأة

لا يمكن للعين القارئة أن تكون حيادية مع أي نص تقرأه، مجردة من الوعي الناقد والمقارن والفاحص، والمشتغل على الهدم للبناء المعرفي الرصين، أو حتى لإرباك الفكرة في مداراتها المسلّم بها، حتى لو كان هذا النص تراثيا مبجلا، محفوفا بسطوة وسلطة اسم صاحبه، أو كان عالميا تربع على عرش الكتابة وصاحبه زمنا..
ولهذا فإن الكثير من النصوص تصدم وعيك -سيما في القراءة الثانية- بطرحها مسائل وأفكار على أنها مسلمات وبدهيات ولكنها تسقط تحت سطوة الفحص، وحالة المماحكة، فالكثير من النصوص التي تقبّلها العقل الجمعي وأشاد بها، وقدّسها، وقدمها للمتلقي على أنها تراث إنساني عميق، تحتاج الكثير من النقد، وقد لا تعدو أن تكون أكثر مجرد تأليفات وإنشاءات يفضحها الكثير من الخلل في اتزان الفكرة..
1. ألف ليلة وليلة:
ليس كتاب "ألف ليلة وليلة" إلا أحد هذه الكتب! فهذا الكتاب الذي يقدم حكاية الملك المغدور الذي استأسد (ضعفا) علي النساء، فأصبح يتزوج (ولا أعلم لم عليه أن يتزوجها، ولا يختطفها مثلا؟!!) كل ليلة امرأة ليقتلها، ولابد أن يتم القتل بعد أذان الفجر تحديدا (ليقضي وطره منها ربما!)، شهريار الرجل السادي المتكوّن نفسيا ضمن عقده المرأة، وعلى عقل المتلقي التاريخي قبول هذه الحالة الذكورية الفجة، وتبرير انصياع الشعب لتسليم بناتهم الواحدة تلو الأخرى للقتل، دون حتى التفكير في الرفض، حتى آخر بكر في المملكة؛ وهي شهرزاد بنت الوزير (التي سيتم التخلص من عقدته على يديها، بربطها إياه بالحكاية!!)، ابنة الوزير التي لم يكن قد رآها من قبل! والتي تحاول أن تغير فكره (السادي!؟) وتمنعه عنها وعن صويحباتها المتبقيات (إذا كانت قد تبقت منهن واحدة بعد كل ذلك القتل اليومي!!) بالحكاية، وعلينا أن نقبل أن هذا الرجل القوي ببطشه وقدرته، يستجيب للحكاية المتقطّعة،ولا يرغمها على مواصلة أي حكاية، بعد صياح الديك!!، وهو الذي يملك سيف مسرور وبطش الحاكم (ولا نعرف أيضا،لم لا يقتلها بنفسه، ويهدي ذلك الشرف لمسرور؟!) وكأنه لا يلتقيها، ولا يراها (وهي زوجته!!) إلا في الليل كي تكمل الحكاية فقط، وهي (الذكية الخائفة في ذات الوقت) فتحاول تقديم الحكايات المتفاوتة في قيمها وقيمتها، وعليها أن تسخّر كل حكاياتها لزعزعة فكرة خيانة المرأة، وتستمر الحكاية ألف ليلة وليلة!!، وهذه الحكاءة (شهرزاد) لم تتعب، ولم تمل من فكرة الحكايات التافهة، وكأنها تشتري عمرها بالكلام، فأي عمر هذا المربوط بأطراف الحكاية، وأي آدمية وأي كرامة إنسانية تجعل الحكاية شفاعة للروح؟!
2. طوق الحمامة:
وليس كتاب طوق الحمامة؛ لابن حزم إلا ضمن هذه الفكرة، فالكتاب التي تغنى به العرب زمنا لسطوة ومكانة كاتبه، به الكثير من الظلم للمرأة، فهو يسرد أغلب رواياته عن القيان والغلمان، حاطا من شأنهم وشأن الحب معا، لأن الفكرة تعظم بعظمة المنسوبة له، بل أنه يقلل من مكانة الشأن الذي سيكتب عنه، ويبحث له عن مبررات في بداية تقديمه للكتاب، "ولولا الإيجاب لك لما تكلفته، فهذا من الفقر، والأولى بنا مع قصر أعمارنا ألا نصرفها إلا فيما نرجو به رحب المنقلب، وحسن المآب غدا، وإن كان القاضي حمام بن أحمد حدثني عن يحيى بن مالك عن عائد بإسناد يرفعه إلى أبي الدرداء أنه قال: أجمّوا النفوس بشيء من الباطل، ليكون عونا لها على الحق"[1] فهو يرى في الكتاب إذن حالة ترويح، واستعانة على ما جل من أمر لاحق فقط.
ومعظم النماذج التي عرضها للمرأة، من الجواري، وأكثر من نعتْ المرأة بصفات الخيانة والغدر والقسوة، أو السعي وراء الرجل حتى الموت، أو البوح عن مشاعرها بلا حياء، يقول: " ولقد مات من محبته جوار كنّ علّقن أوهامهن به، ورثين له فخانهن مما أملنه، فصرن رهائن البلى وقتلتهن الوحدة. وأنا اعرف جارية منهن كانت تسمى عفراء، عهدي بها لا تتستر بمحبته، حيثما جلست، ولا تجف دموعها،"[2]
هذا بالإضافة إلى والتقييمات والتحليلات الذكورية في الكتاب، فهو يرى في المرأة قلة الشأن، وضعف المكانة، ويحجزها في زاوية الجسد، مفرغا إياها من العقل والوعي، والمعرفة والعمل، نافيا عنها صفات العلم والتربية، والمشورة، حتى في ذلك الوقت، من مثل قوله:"وما أعلم علة تمكن هذا الطبع من النساء إلا أنهن متفرغات البال من كل شيء إلا من الجماع ودواعيه، والغزل وأسبابه، والتآلف ووجوهه، لا شغل لهن غيره، ولا خلقن لسواه. والرجال مقتسمون في كسب المال، وصحبة السلطان، وطلب العلم، وحياطة العيال، ومكابدة الأسفار، والصيد وضروب الصناعات، ومباشرة الحروب، وملاقاة الفتن، وتحمل المخاوف وعمارة الأرض، وهذا كله متحيف للفراغ، صارف عن طريق البُطل"
فهو يرفع من قيمة الرجل ويحط من قيمة المرأة، بنفيه عنها ما من شأن الرجال!
3. زوربا
تعتبر رواية زوربا من أشهر الروايات العالمية المعاصرة، حيث قدّم فيها الروائي اليوناني نيكوس كزنتزاكي شخصية زوربا، الشخص المدهش الذي يعيش الحياة حتى آخر قطرة من دم وتراب، ويرقص نشوانا وحزينا، و يتلمّس كل شيء بحرارة جسده، ويستخدم كل حواسه في الحياة، في حين أن " السيد/ الراوي" (كنتزاكي ذاته كما قد يخطر لأي قارئ) يعيش محلقا، وهو يظن أنه يعرف كل شيء من خلال ما قرأ، في حين أنه في الحقيقة معطّل الحواس كما تصوره الرواية، ومعطل القلب والشعور. وتزيد الصورة الضدية شساعة ورحابة، من خلال تقليص المد الحكائي والروائي لشخصية الراوي الرئيس، وهو (المؤلف ربما) لإحداث مقارنة نفسية أعمق لصالح زوربا، فالرواية تسمى باسمه، والأحداث كلها تدور حوله، وما وظيفة الراوي سوى سرد مفآجاته وبطولاته،كما تصور المؤلف على أنه رجل منعزل مبتعد عن البشر والحياة منطوٍ على ذاته، وكتبه وقراءاته، وكأنه بذلك يعيش على هامش الحياة أو يعيش الحياة من خارجها، ولا يتماس بشكل حقيقي ومباشر معها. في حين أن زوربا ينغمس في الحياة حتى آخر خلية فيه، بل حتى آخر لحظة في عمره، مستمتعا بالحياة والطعام والحب والرقص، وكأنه يقرر حقيقة أن "الكتابة ضد الحياة!!" ببساطتها وعفويتها، برقيها وعفونتها، إنها حالة تحنيط واستحضار لحياة ميتة، حالة رسم لحياة أخرى غير التي نعيشها، قد تستقى مفردات بسيطة من الحياة، ولكنها تشوهها إذ تقدمها كثمرة جافة، كما أنها حالة عزلة إجبارية كما يعيش الراوي، وإن طاقة المخيلة التي تشعلها الكتابة تجعل الكاتب يعيش في حالة حلمية فقط، أشبه بأحلام اليقظة، حالة قبض وهمية على الماء.حتى إذا اشتد العطش لم يرتو، وحين يقرر أن يتلمّس الأرض يسقط من سمائه، وقد يموت أو يصاب بعاهة، وهذا ما حاوله الراوي مع الأرملة، لتحقيق فكرة الحب، والسعادة، ولكنه لم يفلح لأنه لم يستطع أن يدافع عن حبه، أو يعيشه تماما.
ورغم أن هذه الفكرة (الكتابة ضد الحياة) لا تبدو فكرة عبقرية كثيرا، وشخصية زوربا بها الكثير من المتناقضات، وتحمل الكثير من الكذب والنفاق، وتغليب صوت الذات على الحالات الإنسانية التي تحاول الرواية – دون جدوى- تعليقها عليها، إلا أن زوربا جُعلت من أهم الروايات العالمية، إن لم تكن أهمها على الإطلاق، ولم يلتفت أحد إلى الأفكار الأخرى التي تطرحها الرواية، خاصة فيما يتعلق بالرؤية السطحية والجسدية للمرأة، والتي قدمت زوربا بفحولته الهوجاء المنقذ للنساء في كل زمان ومكان، وفي الحقيقة ووفق أبسط تحليل منطقي لشخصية زوربا في الرواية، ونظرة أكثر عمقا واجتراحا للإنسانية والوعي خارج سطوة الاسم، والضجة التي أثيرت حوله، فزوربا ليس إلا نموذجا للرجل المبتذل الذي يسعى وراء كل امرأة يراها، ويتقدم بجسده وذكورته مكتسحا قلوب النساء، بالمشاعر الكاذبة، والحب الجاهز والسريع، وخاصة"الأرامل" ليدلل هنا على الإنسانية في انبتات حقيقي مع الفكرة.
إن ماقدمته رواية زوربا من خلال هذه الشخصية؛ لا يعدو أن يكون تقديم لحالة من الجسدية الفجة، والأفكار المسمومة ضمن تحليلات الفكر النسوي المعاصر، فزوربا لا يعدو أن يكون "زير نساء" وفق الرؤية العربية، أو "دون جوان" وفق الرؤية الغربية، فهي يعيش لاهثا وراء كل أصناف المتع من نساء وخمر وطعام ورقص، وما أرادته رقصته الشهيرة ليس سوى تجميل لفعل قبيح، وهذا عكس ما قد نجده من تعميق وتثبيت وإعلاء لقيمة المرأة وفكرة الحب في روايات أخرى، كرواية 11دقيقة لباولو كويلو مثلا، رغم أن الأخيرة تنظّر لحالة مرفوضة في الثقافة الإنسانية، ويمكن بأرضية فكرة كهذه أن تعمل على تقبيح صورة المرأة، ويمكن أن تذهب لحالة أخرى من التسطيح والتسخيف ولكن هذا لم يحدث، بل انتصرت للمرأة المثقفة والواعية والإنسانة، ولفكرة الحب العظيم في ذات الوقت، وهذا ما نجده أيضا (الانتصار لقيمة المرأة والحب!)في رواية "كائن لا تحتمل خفته" لميلان كونديرا..
[1] - ص 18، 19
[2] - ص 100

تعليقات