التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فن السيرة الذاتية فن التعري الداخلي، والترسيم الخارجي

تنبع قيمة وأهمية السيرة الذاتية (الحقيقية والمستوفية الشروط) من عدة جهات؛ فهي محصلة السرد بكل أنواعه وأشكاله الروائية والقصصية والنص المفتوح، ومعظم طرائقه الحكائية والتضمينية، والنثرية والتحليلية، والنقدية، ومن كونها يمثل حالة إغراء للمتلقي في الرغبة للتلصص على الكاتب والتعرف عليه عن قرب، وعلى حياته الشخصية الداخلية والعاطفية، ومتعرجات أزمنته وأمكنته، وتأثيرها في ذاته وثقافته، وفكره لمجرد التلصص كغريزة إنسانية أحيانا، أو للاستفادة من تلك الخبرات المتراكمة أحيانا كثيرة، كما تعد السيرة الذاتية وثيقة ثقافية تاريخية تأريخية سياسية اجتماعية لمرحلة أو مراحل زمنية عاشها الكاتب، ويقدمها -بعد ذلك- بكونه شاهد عصر ومرحلة، ولذا تحوز على أكثر الكتب مبيعا في العالم.
ولكن كتابة السيرة تفترض ضمنا وجود قيمة عميقة لما يُكتب، لذا فهي أيضا تفترض رسوخا في العمر والتجربة، ووجود مفترقات جادة أو صاخبة، أو مراحل انتقالية تاريخية في حياة كاتبها الذي ليس بالضرورة أن يكون كاتبا أو صاحب قلم، وبالضرورة فعلا أن تكون محايدة أو موضوعية في البوح خارج سلطة الذات التي هي أقوى السلطات، ولا تمارس عمليات تجميلية للكاتب أو للزمان والمكان والشخوص والتجربة.
إن فن السيرة الذاتية يقتضي الكتابة عن الداخل من الخارج بكل موضوعية وحياد، وبكل تفاصيل الإخفاقات والانكسارات، بدون لي عنق الحقيقة أو تلوين الأشياء، وتضخيم الأحكام، وبدون نقد التاريخ نقدا قاسيا أيضا بل تأريخه بكل ما كان عليه، خاصة إذا كان الكاتب يكتب من مرحلة لاحقة، لأن ما حدث كان لابد أن يحدث وفق ظروف المرحلة وسطوة المعطيات، والنقد اللاحق لا يغير في مجريات التاريخ، بل يشتت الحقائق.
أما عن الكُتّاب الخليجين فأعتقد أن السلطة الذاتية قبل السياسية والاجتماعية لا تزال حادة، وكل تلك السلطات تحكم قبضتها عليهم بشدة لا يمكن تجاوزها، لذا كان ظهور هذا الفن متأخرا، كما أن معظم التجارب الموجودة لا تزال ماضية في مشروعها الإبداعي، ولم تقف لتبدأ في النظر إليه من خارجه، على أنه مشروع منتهٍ، ويمكن الكتابة الآن عنه وعن مراحله بكونه مشروع حياة وضع نقطة آخر السطر، وهذا ماتفترضه السيرة الحقيقية والجادة.
كما لا يمكننا إغفال أن بعضهم قدّم بعض الاستباقات البسيطة كحالة ترسيم أولية للذات والمكان مثل قاسم حداد في (لست ضيفا على أحد) وتحكي تجربته في ألمانيا، وسيف الرحبي في (منازل الخطو الأولى) وتحكي طفولته، وربما هناك غيرهم وضعف إطلاعنا ليس مبررا لتعميم الأحكام، كما أن في تجربتنا العمانية حالة كتابة سيرة ذاتية ضمنية غير مصنفة وغير مؤطرة، ونلمحها عند الكثيرين في الكثير من كتاباتهم، منهم عبدالله حبيب وصالح العامري وآمنة الربيع أحيانا، وأعتقد أن برسوخ التجربة والذهاب نحو حالة من الركون للذات وللماضي في المتأخر من العمر تنشط هذه الفكرة، وتصبح ملحّة، لذا فعلينا أن نتفاءل أنه يمكن في الآتي من الزمن أن نجد سير ذاتية عمانية وخليجية، شاهدة على العصر والمرحلة والزمان والمكان، وتصلح أن تكون مثالا جيدا للاحتذاء بها، كما وجدت في آداب الأمم الأخرى.


من تحقيق: لجريدة الزمن حول الكتابة الجسدية بين التوظيف والإغراء