فاطمة الشيدي
جريدة الزمن
19-1-2011
جريدة الزمن
19-1-2011
يكتب المبدع
بدمه، وروحه، ويحيا مجاهداته وحروبه العامة والخاصة، ويحفر إبداعاته من أعصابه
الناتئة وأفكار المتوقدة، ويدافع عن إيماناته وقناعاته براحته أو بحياته، يعيش على
هامش الحياة، أو يذوب في صخبها، يأكله ضجيجها، وتبتلعه برودة كائناتها،كل هذا
ليقدم للعالم خلاصة فكره وتجاربه الممزوجة بآلامه، وأوجاعه المتجددة. وكل هذا ولا
من ناظر أو متبصر، ولا من معترف، أو مقدر، فقد يعيش ويموت ولماّ ينتبه إليه أحد!
إن حال المبدع
العربي في شتى المجالات يدعو للحزن أو للغيظ، فعوضا عن الحياة التي يتركها غالبا
لذوي المراهنات على السبق والخلود، والكراسي والأموال، لا يجد حتى التقدير
المعنوي، فقد لا يُلاحظ بالاعتراف به أو بما يقدم، وإن حدث ذلك فليس إلا بعد أن
تذبل ورود توهجه، أو يتوارى في حفرة أخيرة، أو إذا أشارت إليه الأيدي الخارجية،
وعرفته الجماهير، عن طريق الإعلام المضاد المشوب بالرفض والتشهير غالباً.
لذا نجده منذ
البدء يهرع للغربة التي تفرد له شباكها، وتفتح له أبوابها، الغربة التي يعيشها
المبدعون في ثيابهم وأوطانهم وجلودهم وأحلامهم وفرشهم وعظامهم، لأن الثقافة يتيمة
ومغيبة في مجتمعات تقف عند حدود الأشياء وحواشيها وهوامشها، في حين أن المبدع لا
يستطيع أن يكون جزءاً من لعبة "الغميضة" الاجتماعية التي يحيا الجميع
ضمنها، لذا يركن للغربة بشقيها الداخلي والخارجي، لأنه لا يستطيع أن يرضخ للسقوف
الباردة، والمياه الآسنة والفكر المثقوب، تماما كما لا يجيد الضجيج المفتعل،
وقرقعة الأشياء الفارغة، لذا يعيش في صمته العظيم، ورفعته السامقة، فكم من
التمتمات والأفكار رهينة العقول المستنيرة التي تحيا الرفض وتعقد لسانها بالصمت،
وكم من مبدع يطمس إبداعاته في عزلته، لأنه يعرف أن الكلام لا يجدي شيئا بين مفتعلي
الصخب، وحالات الرغبة في الظهور، لذا فالصمت أحق وأولى
.
إن الكائنات
والأمكنة والسقوف الباردة ترفض الإبداع والمبدعين، لأنهم باعث تغيير وحراك ورفض في
حين تحتفي هي بـفكرة "مكانك سر"، مبتلعة كل حرارة للروح، ومقيِّدة كل
حركة للعقل. فلا يملك المبدع مع كل ذلك الجمود والثبات والتخلف إلا الانحسار إلى
مناطق الظل، بدلا من الدخول في معتركات تافهة أو حروب وهمية، لأنه يدرك تماما أن
لا طاقة له على التغيير، لأن المسئولية في يد سقف جليدي، أو حجري أرعن يحول دون أي
تجديد أو إبداع، ربما خوفا على كرسيه، وربما عن عدم وعي بأهمية الإبداع، أو
لارتباط الإبداع في ذهنيته الميتة بالخروج على السائد والعادي، أو تقاطعه مع
البدعة المشتقة من ذات الجذر اللغوي.
وبذلك يذوي
المبدع الذي يملك وفرة الروح الحرة، والجاهزية للحركة والإبداع، والقدرة على
العطاء، والرغبة في الفعل لإحداث التغيير، في مساحات وظيفية قاتلة، وبصمت، داخل
الجدران الحجرية المسوِّرة للنشاطات الإنسانية، والمؤطِّرة للفكر الحر، والمحجِّمة
للإبداع والمبدع، لأنها لا تعي قيمة الإبداع.
يصمت المبدع
العربي الحقيقي وهو يدرك أن الإبداع الذي ليس ترفا، وليس حاجة إضافية، بل هو
معاناة تتطلب من صاحبها الوقت والجهد، ولا عجب أن نجد الدول الكبرى في العالم
(التي تقدر قيمة الإنسان، وتعي قيمة الإبداع) تولي الإبداع والمبدع القيمة
الحقيقية اللائقة به، لأنه السفير الأجمل لها، في مختلف المجالات الثقافية
والفكرية والعلمية، ومن غير المقبول أو المعقول أن يترك يئن تحت سطوة عمل لا
يتوافق مع فكره، وثقافته، وحالته الإبداعية، وفوقه سلطة أو سقف بارد يمتص حرارة
فكره، وتوقد إبداعاته، فقط لأنه - أي المبدع- يحتاج للوظيفة لتأمين لقمة عيشه،
ومستلزمات حياته. ثم نطلب منه أن ينتج ويبدع لأنه يمتلك أدوات الإبداع، متغافلين
أن هذا الإبداع قد ينضب، وأن تلك الأدوات قد تصدأ إذا لم تشحذ، ولم يقدم له العون
للاستمرار والتقدم.
إننا إذن وفي عصر
القرى الكونية بحاجة لقراءة دروس الآخر، ومحاذاة اهتمامه بالإنسان والفكر
والثقافة، بحاجة لرؤية أخرى للإبداع والمبدع، نابعة من تقدير واحترام وتقديم
العديد من التسهيلات والاحتفاءات بالمبدعين، كالجوائز والمكافآت التشجيعية في الفنون
والآداب لأفضل الإصدارات والإنجازات، بشكل يحقق له الأمان، وتقدير الذات، ويساعده
على التقدم والاستمرار.
كما ينبغي تفهم
طبيعته الإبداعية، وتهيئة الوقت المناسب له للإبداع من خلال منحه "التفرغ
الإبداعي" وهو إجازة مفتوحة تقدمها الدولة للمبدع بمنحه مستحقاته الوظيفية
كاملة مع تحرره من سلطة الوظيفة، وقيودها الزمانية والمكانية، وتراتيبيتها القاتلة
للإبداع الذي ضمن شروطه الأساسية التملص من التقليدية، أو من الثبات. ضمن اعتبارات
ومحكّات معيّنة، كعشر سنوات قضاها المبدع في الوظيفة، وزمن في ممارسة الإبداع
والانغماس فيه، أسفر عن بضعة إصدارات أصدرها أو معارض أقامها. لتحميه بذلك من أن
يحيا على هامش المؤسسة (كما العديد من مبدعينا المميزين في مؤسساتنا القاتلة دون
أدنى تقدير أو مكانة)، فهو مضطر أن يرضخ لكل اشتراطاتها التي تقتل الإبداع، وتسرق
شعلته، فلا هو قادر على تركها كي لا يجد نفسه في ذل الحاجة، وليس له من الوقت
الكافي ليبدع أو حتى ليفكر. لذا يتحجَّم إبداعه ويخفت تدريجيا.
فأن يقدّر الوطن
المبدع الحقيقي، وأن يهبه الوقت للإبداع فهذا ليس حلما، أو فكرة طوباوية في مخيلات
الكتاب والشعراء، بل هو حق مشروع لكاتب يحمل هوية وطنه في كل كلمة يكتبها، أو كل
فعل إبداعي يقوم به، لأن هذا هو القدر الجميل والمشترك بين الوطن والمبدع معا،
وسواء كتب العمل أو نشر داخليا أو خارجيا؛ يبقى يحمل هوية كاتبه، وهوية وطنه.
فتقدير المبدع يشكّل دفعا له في كل المجالات لإنجاز أعمال حقيقية تحسب له وللوطن،
ليتقدم ويعطي، وينجز ويبدع ولا يبقى كما هو الآن (خارج النص الحياتي، أو بين علامتي تنصيص)!