د। فاطمة الشيدي
ملحق نون الصادر عن الجمعي العمانية 5-11-2010
ملحق نون الصادر عن الجمعي العمانية 5-11-2010
في ندوة "الكاتب - المجتمع-
القانون" التي أقامتها الجمعية العمانية كان هناك العديد من المحاور عن حرية
الكاتب في التعبير، وعن أهمية الوعي القانوني للكاتب، بالإضافة إلى حق الطفل في
التعليم ودور الكاتب التنويري، وغيرها من الموضوعات المهمة التي يحتاجها المجتمع
والكاتب على حد سواء.
إن ما لفتني في هذه الندوة، واستحث قلمي
للكتابة عنها في هذا المقال هو حالة منع الكتب التي أصبحت اليوم ثقافة فعلا، حيث
عانى ويعاني منها الكثير من الكتاب في الوطن العربي في هذا العصر، والغريب في
الأمر أن الثقافة العربية/الإسلامية لم تكن يوما ثقافة منع ومصادرة للكتب على مر
تاريخها، بل أن الحرية في التعبير ونشر الكتاب أيّا كانت غايته وموضوعاته هي
الأساس، فقد كان الكتاب في حد ذاته قيمة علمية وفكرية وثقافية لا يجوز المساس بها،
بل يجب احترامها واحترام فكر صاحبها مهما كان مختلفا ومغايرا للسائد والمطروح، لذا
فليس غريبا أن نجد في التآليف والتصانيف العربية والإسلامية الكثير من الاختلاف،
وتفنيد الخلافات الثقافية والأدبية والفلسفية، والدينية والمذهبية بالرد عليها
والتأليف حولها.
إن ثقافة منع الكتب هي ثقافة دخيلة،
ويجب الانتباه لما يحدث اليوم من تأسيس ثقافة جديدة هي ثقافة المنع والمصادرة، فما
هي أسس منع أي كتاب، هل هي "التابوهات" الدين والجنس والسياسة! وبذلك
فالمنع يكون بغرض حماية المجتمع من أفكار الكُتّاب، ومن فساد أخلاقهم! كما تعلل
جهات المنع الرقابية ذلك؛ إذن علينا أن نتساءل هل ما يمكن أن يوجد في أي كتاب مهما
كان فيه من جرأة وصراحة سيكون أكثر ابتذالا أو حرية أو انتقادا مما يعرض في
الفضائيات اليوم، ومما هو موجود على الإنترنت أو شبكة المعلومات؟! فهذا ما يجب على
الرقيب اليوم مواجهة نفسه به، ليدرك أن الإجابة (لا) واضحة وقوية، وبذلك سيكون كل
ما يفعله هباء، وبلا جدوى، بل قد يكون ترويجا مختلفا للكتاب، فلقد أصبح منع الكتب
ثقافة ترويجية لنشر المؤلَف والترويج للمؤلِف، ولهذا فلا غرابة أن نسمع أن هناك من
أصبح يروّج لمنع كتبه المجازة أصلا؛ ليحظى بالقليل من الشهرة، ويحظى كتابه
بالدعاية المضادة أو السالبة والترويج المختلف. وهكذا تكون الرقابة قد فتحت بابا
للترويج والدعاية المجانية، وسمحت للكثير من الهزل والضعف بالانتشار والظهور، وروجت
من حيث لا تعلم لثقافة سطحية لا تقوم على أساس عميق من الممكنات الفكرية والقيمة
الحقيقة.
ثم السؤال الآخر الذي علينا أن نعرضه؛
في ضوء هذا الانفتاح على العالم من يقرأ الكتب أصلا؟! ومن سيبحث عن كتاب يحوى ما
يوجب منعه، إلا متخصص مدرك واعٍ قاصد لهذا الكتاب لأنه يريد أن يعرف شيئا ما فيه،
فإذا والحال هكذا هل ستعييه الوسيلة للحصول عليه؛ حتى بمراسلة الكاتب الذي قد يرسله
له في ثوان عبر البريد الالكتروني بنسخةpdf حتى لو كان في آخر العالم.
أما الأمر الأهم الذي يجب أن نعرفه
فعلا؛ هل تتم عملية المنع بعد قراءة الكتاب أم من العنوان فقط أم من الوشاة والشائعات؟! هذا السؤال الذي
ينبغي على الرقيب أن يواجه نفسه به فعلا وبكل صراحة، فكم من عنوان مفخخ يقصد به
صاحبة إثارة القارئ وتوجيه نظره إلى كتابه فقط، وكم من كتاب لا يحمل من فكرة
العنوان إلا صداها وما ألصق به، وكم من واشٍ مغرض يريد قهر كاتب ما بتشويه سمعته
أو منحه صفة لا يحملها أصلا، وكم من كاتب يروّج لنفسه بأن كتابي ممنوع من العرض،
وكم من كتاب منع وهو لا يستحق المنع، وكم من كتاب أعيد للنشر بعد منعه مما جعل له
سمعة كبيرة وإقبالا لا يستحقه.
ثم ما هي المشروعية القانونية التي
تستند لها المؤسسة الرقابية في منع ومصادرة الكتب؟ وهل ثقافة منع الكتب هي ثقافة
حماية وخوف على المجتمع والناشئة من الكتب والكُتّاب والأفكار المشوهة والمغلوطة
والناقصة كما يروّج لها الرقيب؟ أم هي محاولة سياسية أو تسييسية لتوجيه المجتمع
تجاه أفكار أكثر أمانا؟ أو الحد من وعي المجتمع تجاه بعض الأفكار الذي لا يراد لها
الوصول له؟
ومع أخذ كل هذه الاحتمالات بعين
الاعتبار، هل يعتقد الرقيب اليوم مع وجود الانترنت، ومع هذا الانفتاح على العالم
نتيجة تطور وسائل الاتصال أن هناك فعلا داعٍ لثقافة الخوف التي تشبه ثقافة خوف
الأم على أطفالها من الغرباء، وهي لا تعلم أن المبالغة في ذلك قد تجعلهم معقدين
وغير مؤهلين لمواجهة الحياة فيما بعد، أو الذهاب خلفها بجوع ونهم لأن "كل
ممنوع مرغوب"؟
إن على جهة الرقابة أن تكون ذات ثقافة واعية ورصينة،
تعتمد ثقافة الوعي والتبصير وإعداد الأرضية الصلبة كحالة من الثبات والرسوخ القيمي،
ومنح الثقة التي لا يكون نتاجها إلا ثقة أكبر ووعي أشمل! فالوعي والتبصير هي وسائل
النجاة فقط، وما دون لك حواجز وهمية ما تلبث أن تتلاشى، فالثقافة هي النور، ومنع
الكتب لا يجب أن يصبح ثقافة في ثقافة أضاءت العالم وألهمته