التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

صورة المرأة باللغة البصرية قاتمة أيضا




فاطمة الشيدي

صورة المرأة بين «الواقع والحلم» في اللوحة
 التعبير بالقلم أو بالريشة هو وسيلة المبدع لبث مكنوناته، وتجديد أسئلته لهذا العالم الكبير، والتعبير عن الذات بكل ما تحمله من ملامح الهوية الذاتية، والخصوصية الفردية؛ هو بداية فكرة التعبير عن الواقع بمحاورته ومن ثم الخروج عليه والتحرر نحو الحلم.ومن هذه النقطة بين الواقع والحلم تنطلق التشكيلية “سميرة اليعقوبية” في بناء عوالمها الذاتية بتشكيل “صورة المرأة” المنطلقة من الذاكرة والواقع نحو الحرية والحياة والحب كأنثى تؤرقها هواجس الروح والإبداع والرغبة في الانفلات من قيود المجتمع نحو الإنسانية المطلقة، والإبداع الحر.ومن خلال قراءة لوحاتها بقرب وتأمل يمكن تقصي بعض الملامح والخطوط الرئيسية التي حكمت تشكيل “صورة المرأة” في تجربتها الممتدة لأكثر من خمسة عشر عاما.
الهوية بين اللون والفكرة:
لا ينظر المجتمع غالبا للمرأة كفرد، بعقله وهويته وخصوصيته، بل يحجّم دورها ضمن جماعة النساء أو "الحريم" أو ضمن الأسرة والمجتمع، ويطلق أحكامه العامة في النظر والفكرة والحياة، بل وكثيرا ما يحكم عليها بالطمس، والاختفاء والتحول لكائن مجهوللا يتفاعل بشخصه قدر ما يتفاعل ضمن شخوص آخرين فهي "ابنة فلان"، و"زوجة فلان" و"أم فلان"، وهذا أشد ما يقلق المبدع المشغول غالبا وأبدا بالتفرد والخصوصية، لهذا نجد أنه تكثر الألوان القاتمة في صور المرأة في لوحات سميرة اليعقوبية كحالة من تجسيد قلق المبدع وتشاؤميته عن نتاج الواقع الموغل في الضبابية والرمادية تجاه النظرة العامة للمرأة، والكثير من القيود الاجتماعية التي تحيط بالمرأة وتكبل حريتها وانطلاقاتها نحو الحياة والإنسانية، وتكثر فكرة الوجوه العامة، والمتخفيّة، والمستديرة على ذاتها كحالة من غياب الهوية الذاتية!.الرجل:
صورة الرجل نجدها ضمن اللوحة في أعمال سميرة حيث هو جزء من المشهد "الحياة" التي يتحرك فيها الجزءان جنبا إلى جنب في الشارع والبيت والعمل، ولا غرابة في ذلك فالمبدع ينظر للحياة كما ينبغي أن تكون، والرجل في حياة المرأة شطر الحياة والمجتمع والذات لذا فوجوده إلى جوارها في المشهد الحياتي طبيعي، ولكن صورته بحكم قيود المجتمع واضحة القوة والسيطرة والسلطة، كما يظهر من أنها بعيدة غالبا، ورمزية، وغير واضحة الرؤى والدلالات، ربما لتباين الفكرة في المجتمع بين حال وآخر وعدم وضوح تقبل الرجل والمجتمع لهذا التجاور.
الذاكرة :
ولا تغفل سميرة عن استدعاء الذاكرة العبقة بكل جماليات الماضي، والحرية الطقوسية التي كانت المرأة تعيشها في الحياة، في حركتها وخروجها من البيت لإحضار الماء والحطب كما يظهر في الصورة، أو رعي الأغنام، أو المشاركة في الزراعة. وغيرها من مظاهر الحياة الطبيعية التي كانت المرأة تؤديها بكل حرية وحركة وانطلاقة كالرجل تماما.
القلق والحيرة:
إن الدور المركب للمرأة في هذا العصر جعلها تعيش قلقا متباينا ومتصاعدا على حياتها ومصيرها، فهي تعيش أدوارا كثيرة مركبة ومرتبكة بين كونها عاملة وأما وزوجة، بين كونها حرة ومقيدة في ذات الوقت، بين كونها تدفع لهذا المجتمع بوقتها وبفكرها ونتاجها، وتدفع لأسرتها بدخل مادي محترم يضمن كرامتها ويساعد أفراد أسرتها على الحياة الكريمة، وبين كونها ضمنيا تعيش تحت سيطرة كائن آخر، يتصرف بمصيرها كيفما شاء، وغيرها من الأشياء العالقة بين الماضي والحاضر بلا حسم ولا وضوح، الأمر الذي أخذ منها الأمن والأمان النفسي الذي هو حاجة إنسانية ملحة، ولا شك أن قلق الكائن العادي غالبا يكون أقل وضوحا من قلق الفنان الذي يعيش قلقا صرفا أو أصيلا أصلا، لذا نجد أن للقلق تجليات عديدة أكثر سطوعا لدى الفنان، وهو أكثر حضورا ووضوحا بالتأكيد لدى المرأة الفنانة، فنجدها تصورها كسمكة "ضمن فكرة الصيد" ملقمة لكرة لأنها غير قادرة على الكلام والصراخ، كما تصوّر رغبتها في الركض والحرية كالحصان المعادل لأقدام المرأة، وتضع الكتابة كوسيلة للتعبير عن القلق في اللوحة الأخيرة. فكأنها تسير في غموضها وكلها أمنية أن ينضج المجتمع ليتفهم احتياجاتها وإنسانيتها الكاملة.
الألم:
الألم هو جزء من حياة المرأة في كافة أطوارها منذ طفولتها حتى مماتها، وكل مراحل حياتها الفسيولوجية والبيولوجية تتميز بالألم والدم الذي يشكل حالة طبيعية مرافقة لهذا الألم، ولذا فتعبير المرأة عن هذه الخصوصية الجسدية والنفسية يشكل علامة فارقة لدى المرأة المبدعة سواء كان في الكتابة أم في الرسم، حيث التصالح مع فكرة الألم، والخروج على نظرة المجتمع التقليدية لهذا الحال بحال من التغييب والعيب، وكأنه شأن يعنيها، أو قرار بيدها، وليس خلقا إلهيا أولا، ثم هو جزء من الحياة التي يشترك فيها المجتمع بأسره وتنعكس آثاره عليه بما في ذلك الرجل، كما في المخاض، ونحن نجد لوحات سميرة تنطق بالألم والدم، حيث يحتل اللونان الأحمر والأسود مساحة ظاهرة وقوية في صورة المرأة في لوحاتها، كما تجسد حالات ألمها غرقا وغيابا وكأنها مجبرة على هذا الألم الطبيعي القاهر.
الحرية:
فكرة الحرية في ذهن المبدعة هي فكرة القلق والبحث عن الذات المغيبة قسرا في مجتمعات جمعية لا تعترف بالذات المفردة، للبحث عن إنسانيتها المقيدة ضمن أطر مجتمعية عريقة التقاليد القمعية للروح والفكر والجسد، خاصة فيما يتعلق بالمرأة، حيث تطاول جدران الحصار الذاتي والجمعي على روحها وجسدها لتحيا ضمن أطر من الممنوعات المتزايدة أبدا، فتعيش فكرة التأمل في مرايا ذاتها القلقة والخاصة والمتباينة في حالات القلق والوعي والألم، وهذه الحالات من محاولة البحث عن الحرية ومحاورة القيد للخروج عليه ضمن اللوحة الإبداعية تظهر جلية في هذه اللوحات، حيث وحدت بين السوار والقيد، وأظهرت الجسد المكبّل كتجسيد لحالة من الرغبة في تحريره من القمع الخارجي المفروض عليه.هذه بعض أشكال "صورة المرأة" لدى التشكيلية سميرة اليعقوبية، التي تظهر لوحاتها وأعمالها اهتماما خاصا بالمرأة كثيمة فنية تعكس حالات وتحولات المجتمع، كما تعكس ذات المرأة المبدعة ضمن واقعها وأحلامها، في محاورتها للفراغ والورقة البيضاء لتجسيد همومها الإنسانية والإبداعية والفنية.