فاطمة الشيدي
5.
11 أكتوبر 2010
جريدة عمان- شرفات
1.
جاءت تحمل اسما رفيعا ومقدّرا بين مجموعة من البشر تسير حياتهم وفق أنظمة القبيلة التي لها مفرداتها ومرجعياتها ومنظومتها القبليّة، فكان الاسم يحمل دلالة على مكانة اجتماعية رفيعة، ومع تأنيث حميم مضاف إليه، جمع بين صفتي الدلال والرفعة، وهذا هو كل ما تحتاجه أنثى لتتشكل كما كانت بصرامتها الناعمة، ونعومتها الصارمة.
بشدتها الطيبة، وحنانها الحكيم كانت الأم للجميع، وبهذه الصفات الخاصة عاشت حياة طيبة وهانئة رغم شظف العيش وغياب الأحبة في الحياة والموت، كانت قامتها الناحلة نخلة وسط صحراء القيظ، وصارية عند بحر الشتاء، وبثقلها الذي يوازي جبالا من القيم والعزيمة، كانت قدوة للجميع رجالا ونساء، وبكلامها القليل وفعلها الكثير أضحت مدرسة في النبل والعنفوان والعفة والرفعة، كانت تدب على الأرض بهدوء غير مصطنع، وبعنفوان خاص حرة كريمة كما خلقها الله، يعرفها الجميع، ويحبها الجميع، وحين قدر لها أن تفقد لون العالم استعاضت بالبصيرة والوحدة والصمت لتولي للحياة ظهرها بكرامة وعنفوان شهيد يطلب الموت، حتى رحلت خفيفة عزيزة كما عاشت.
2.
لسانه الرطب بذكر الله، هو ذاته لسانه الطرب بالشعر والترنم والأغنيات، والتسامح الذي كان يجعل وجهه يشع نورا، هو ذاته الذي جعل لسيرته طعم «القند» على اللسن يتلمظ به الأحياء والأموات، فيسير بين الأحياء كروح من عالم آخر، يشع قلبه أبدا بالحب والحلم والابتسامة التي لا تغادر وجهه النوراني، ومذ كان حتى ذرع الزمن خطوطه على قامته الطويلة الناحلة لم ينهر صغيرا، ولم يزجر إنسانا، ولم يرم طيرا بحجر، كل شيء فيه بسيط كالماء الذي يحركه بين نخيله بيديه بحنان جم، وكأنه يروى طفلاته، وحتى حين تقصّده الموت بسرقة ثمار روحه وقلبه، كان يبتسم وهو يغالب الدمع ليقول «لله ما أعطى ، ولله ما أخذ» ويظل يبكي بحرقة لسنوات وسنوات، حتى أشفق عليه وقرر أن يكافئ صبره وابتسامته ويبقى له من يشفع لوحدته إذا امتد به العمر، وقد امتد حتى شاهد أحفاد أحفاده، وحين امتدت يد الظلم له كان يردد «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة .. على النفس من وقع الحسام المهنّد» وهو يبتسم أيضا ثم لاذ بالصمت ليقدم دروسا لكل من يعرفه أولا يعرفه.
3. جاءت تحمل اسم شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لذا لم يكن عجيبا أن تذهب بطيبتها وحنانها وجمالها الأخاذ بسرعة لتلحق بفرعها هناك، ولم يكتمل لها من العمر سوى حلقات الحلم والربيع الأجمل، كان ذهابها أو غيابها كما قرر من قرر، حادثة ألصقت صورها في أذهان كل من عرفها أو لم يعرفها بخوف ورعب، ذهبت في حادثة غرائبية طويلة أكثر رعبا من أي فيلم رعب حقيقي، حادثة تصدق معها المقولة التي ترى أن الواقع أحيانا أشد غرائبية من أي فيلم رعب، رحلت، فنسجت حول غيابها أساطير وحكايات، تحدثوا عن «الضباع التي شاهدوا السحرة يمتطونها من أدبارها» ، وتحدثوا عن «الضفدع الذي جاءت روحها فيه لتنق قرب أهلها وابنتها الصغيرة»، وعن «الحجر الذي دخل منه السحرة» وعن «الشجرة التي تحمل اسمها وقطعت لتوضع مكان جسدها المسجى»، تحدثوا عن احتمال عودتها، وعن الممكنات والمستحيلات في ذلك، وبقي القبر الذي حفر لجسدها - الذي لم يرتو من مسرات الحياة وآلامها بما يكفي- قابعا وسط مقبرة قرب البيت، يستأنس بالعابرين وبالأطفال الذين حضروا الدفن تحت غافة قريبة منه، ومازالوا يقفون طويلا قربه كلما عن لهم تذكر المشهد واستحضار ذلك الحزن والرعب، بعد أن كبروا عن زمنها وظلت هي طفلة صغيرة، كشادي فيروز «وأنا صرت اكبر وشادي بعده صغير عم يلعب ع الثلج".
4.
كان راشدا منذ البداية، من صرخة الصمت التي واجه بها العالم، أو واجهه العالم بها؛ لينتقص قليلا من صمته، ولكنه لم يقدر عليه، الرشد أو العقل الذي أثقله وأخرسه ورفعه كثيرا فوق البشر وجعله من زمرة الملائكة فلم يحفل بالمهاترات والكلام الزائد، كان الكلام لديه غاية الفعل فقط، كان الغريب البعيد، الهادئ الصامت، وكان صمته هذا موضع تأويل بين البشر الذين يجدون في الصمت حالة لا عادية، هذا إن لم تكن حالة شاذة وخاصة وغريبة.
ومضى راشدا في حياة ممتلئة بالغموض والصمت الذي يترك المخيلة البشرية تحلّق مع كل أشكال الأسئلة المتاحة والمطروحة حتى الغياب، هل كان زاهدا في الحياة؟ هل كان حزينا على فقد عزيز ما؟ هل كان عاشقا خذلته ممكنات العشق والمعشوق في القرب ممن يحب، وخلّف هذا الهجر فراغا بحجم الصمت في روحه؟.. هل؟ وهل؟ ولكن لا إجابات جاهزة أو ممكنة مع رجل التحف الصمت كرداء حميم، وآثر الغربة كخيار وجودي.
الغربة التي أخذته في أحضانها، فأخلص لها كمعشوقة أزلية منذ البدء وحتى الخاتمة، لذا كان كل فعل يصدر عنه غريبا، ولم تكن الغربة الحقيقية بالسفر خارج الوطن هي أول أو آخر تداعيات الغربة في دمه، بل تغرّب في جلده ومنزله ووطنه وبين أهله، حتى شعر كل من يعرفه أنه كائن من عالم آخر، أحب التأمل والمخلوقات الأخرى غير البشرية، وأسرف في الصمت بين يديها، لذا لن تعجب حين تراه يأنس بحيواناته الأليفة، وترقد في حضنه قطة أينما جلس.
وكأنه يردد:
« وفي الأرض مَنْأىً، للكريم، عن الأذى
وفيها، لمن خاف القِلى ، مُتعزَّلُ
لَعَمْرُكَ ، ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ
سَرَى راغباً أو راهباً، وهو يعقلُ»
ترك للبشر أمجادهم وأحلامهم، بل حتى أمجاده وأحلامه هو، وأشعل شمعة في داخله، أضاءها بالحب والوجد والرضا، وأخلصت روحه لمناجاة ربه القريب منه في السر والعلن، لذا فحين تكون في حضرته فأنت تشعر أنك في حضرة صوفي متولع بالذات العليا، ذاهب في البعيد من التسبيح والمناجاة والهيام، وبذلك فهو لا يرى ما دونه ولا يحلم بما سواه، حتى رحل محفوفا بالبهاء والنور والصمت الكثير الذي يشبه أحجية لا تعرف لها حلا.
جريدة عمان- شرفات
1.
جاءت تحمل اسما رفيعا ومقدّرا بين مجموعة من البشر تسير حياتهم وفق أنظمة القبيلة التي لها مفرداتها ومرجعياتها ومنظومتها القبليّة، فكان الاسم يحمل دلالة على مكانة اجتماعية رفيعة، ومع تأنيث حميم مضاف إليه، جمع بين صفتي الدلال والرفعة، وهذا هو كل ما تحتاجه أنثى لتتشكل كما كانت بصرامتها الناعمة، ونعومتها الصارمة.
بشدتها الطيبة، وحنانها الحكيم كانت الأم للجميع، وبهذه الصفات الخاصة عاشت حياة طيبة وهانئة رغم شظف العيش وغياب الأحبة في الحياة والموت، كانت قامتها الناحلة نخلة وسط صحراء القيظ، وصارية عند بحر الشتاء، وبثقلها الذي يوازي جبالا من القيم والعزيمة، كانت قدوة للجميع رجالا ونساء، وبكلامها القليل وفعلها الكثير أضحت مدرسة في النبل والعنفوان والعفة والرفعة، كانت تدب على الأرض بهدوء غير مصطنع، وبعنفوان خاص حرة كريمة كما خلقها الله، يعرفها الجميع، ويحبها الجميع، وحين قدر لها أن تفقد لون العالم استعاضت بالبصيرة والوحدة والصمت لتولي للحياة ظهرها بكرامة وعنفوان شهيد يطلب الموت، حتى رحلت خفيفة عزيزة كما عاشت.
2.
لسانه الرطب بذكر الله، هو ذاته لسانه الطرب بالشعر والترنم والأغنيات، والتسامح الذي كان يجعل وجهه يشع نورا، هو ذاته الذي جعل لسيرته طعم «القند» على اللسن يتلمظ به الأحياء والأموات، فيسير بين الأحياء كروح من عالم آخر، يشع قلبه أبدا بالحب والحلم والابتسامة التي لا تغادر وجهه النوراني، ومذ كان حتى ذرع الزمن خطوطه على قامته الطويلة الناحلة لم ينهر صغيرا، ولم يزجر إنسانا، ولم يرم طيرا بحجر، كل شيء فيه بسيط كالماء الذي يحركه بين نخيله بيديه بحنان جم، وكأنه يروى طفلاته، وحتى حين تقصّده الموت بسرقة ثمار روحه وقلبه، كان يبتسم وهو يغالب الدمع ليقول «لله ما أعطى ، ولله ما أخذ» ويظل يبكي بحرقة لسنوات وسنوات، حتى أشفق عليه وقرر أن يكافئ صبره وابتسامته ويبقى له من يشفع لوحدته إذا امتد به العمر، وقد امتد حتى شاهد أحفاد أحفاده، وحين امتدت يد الظلم له كان يردد «وظلم ذوي القربى أشد مضاضة .. على النفس من وقع الحسام المهنّد» وهو يبتسم أيضا ثم لاذ بالصمت ليقدم دروسا لكل من يعرفه أولا يعرفه.
3. جاءت تحمل اسم شجرة طيبة أصلها ثابت وفرعها في السماء، لذا لم يكن عجيبا أن تذهب بطيبتها وحنانها وجمالها الأخاذ بسرعة لتلحق بفرعها هناك، ولم يكتمل لها من العمر سوى حلقات الحلم والربيع الأجمل، كان ذهابها أو غيابها كما قرر من قرر، حادثة ألصقت صورها في أذهان كل من عرفها أو لم يعرفها بخوف ورعب، ذهبت في حادثة غرائبية طويلة أكثر رعبا من أي فيلم رعب حقيقي، حادثة تصدق معها المقولة التي ترى أن الواقع أحيانا أشد غرائبية من أي فيلم رعب، رحلت، فنسجت حول غيابها أساطير وحكايات، تحدثوا عن «الضباع التي شاهدوا السحرة يمتطونها من أدبارها» ، وتحدثوا عن «الضفدع الذي جاءت روحها فيه لتنق قرب أهلها وابنتها الصغيرة»، وعن «الحجر الذي دخل منه السحرة» وعن «الشجرة التي تحمل اسمها وقطعت لتوضع مكان جسدها المسجى»، تحدثوا عن احتمال عودتها، وعن الممكنات والمستحيلات في ذلك، وبقي القبر الذي حفر لجسدها - الذي لم يرتو من مسرات الحياة وآلامها بما يكفي- قابعا وسط مقبرة قرب البيت، يستأنس بالعابرين وبالأطفال الذين حضروا الدفن تحت غافة قريبة منه، ومازالوا يقفون طويلا قربه كلما عن لهم تذكر المشهد واستحضار ذلك الحزن والرعب، بعد أن كبروا عن زمنها وظلت هي طفلة صغيرة، كشادي فيروز «وأنا صرت اكبر وشادي بعده صغير عم يلعب ع الثلج".
4.
كان راشدا منذ البداية، من صرخة الصمت التي واجه بها العالم، أو واجهه العالم بها؛ لينتقص قليلا من صمته، ولكنه لم يقدر عليه، الرشد أو العقل الذي أثقله وأخرسه ورفعه كثيرا فوق البشر وجعله من زمرة الملائكة فلم يحفل بالمهاترات والكلام الزائد، كان الكلام لديه غاية الفعل فقط، كان الغريب البعيد، الهادئ الصامت، وكان صمته هذا موضع تأويل بين البشر الذين يجدون في الصمت حالة لا عادية، هذا إن لم تكن حالة شاذة وخاصة وغريبة.
ومضى راشدا في حياة ممتلئة بالغموض والصمت الذي يترك المخيلة البشرية تحلّق مع كل أشكال الأسئلة المتاحة والمطروحة حتى الغياب، هل كان زاهدا في الحياة؟ هل كان حزينا على فقد عزيز ما؟ هل كان عاشقا خذلته ممكنات العشق والمعشوق في القرب ممن يحب، وخلّف هذا الهجر فراغا بحجم الصمت في روحه؟.. هل؟ وهل؟ ولكن لا إجابات جاهزة أو ممكنة مع رجل التحف الصمت كرداء حميم، وآثر الغربة كخيار وجودي.
الغربة التي أخذته في أحضانها، فأخلص لها كمعشوقة أزلية منذ البدء وحتى الخاتمة، لذا كان كل فعل يصدر عنه غريبا، ولم تكن الغربة الحقيقية بالسفر خارج الوطن هي أول أو آخر تداعيات الغربة في دمه، بل تغرّب في جلده ومنزله ووطنه وبين أهله، حتى شعر كل من يعرفه أنه كائن من عالم آخر، أحب التأمل والمخلوقات الأخرى غير البشرية، وأسرف في الصمت بين يديها، لذا لن تعجب حين تراه يأنس بحيواناته الأليفة، وترقد في حضنه قطة أينما جلس.
وكأنه يردد:
« وفي الأرض مَنْأىً، للكريم، عن الأذى
وفيها، لمن خاف القِلى ، مُتعزَّلُ
لَعَمْرُكَ ، ما بالأرض ضيقٌ على أمرئٍ
سَرَى راغباً أو راهباً، وهو يعقلُ»
ترك للبشر أمجادهم وأحلامهم، بل حتى أمجاده وأحلامه هو، وأشعل شمعة في داخله، أضاءها بالحب والوجد والرضا، وأخلصت روحه لمناجاة ربه القريب منه في السر والعلن، لذا فحين تكون في حضرته فأنت تشعر أنك في حضرة صوفي متولع بالذات العليا، ذاهب في البعيد من التسبيح والمناجاة والهيام، وبذلك فهو لا يرى ما دونه ولا يحلم بما سواه، حتى رحل محفوفا بالبهاء والنور والصمت الكثير الذي يشبه أحجية لا تعرف لها حلا.
5.
كان متواضعا في أحلامه وفي حياته، التواضع الذي ليس دائما جيدا، وليس دائما عن قدرة واستطاعة، فأحيانا يكون التواضع والطيبة قدرا كالكثير من الأقدار الغريبة والخاصة، لم يكن مختلفا عن الجميع إلا مع أمه التي كانت تراه الأجمل والأعظم وهذا حق الأمومة عليها، ومع امرأة كان يجب أن تراه كذلك لاقتران قدرها بقدره، ومع كل من أحبه واهتم بشأنه من الأهل والأصدقاء وهذا حق البشر على من يحبون، أن يروهم مختلفين وربما مميزين أيضا، وربما كذلك كان خاصا ومميزا في ذاكرة البعض إذ يقتنصون من زمنه، ومن طفولته، مشهدا خاصا من الحياة لأزمنتهم وطفولتهم فيرونه فيها جميلا. هكذا هم البشر ثمة من هو جميل في الحياة، وثمة من هو جميل الذاكرة، وثمة من هو جميل في الموت، وهذا كان قدره هو، أن يكون جميلا في الموت، الموت الذي سرق ريحانة شبابه وأوهن عزم والديه وجعلهما في ثكل مريع، جعله جميلا في عين كل من عرفه، لأنه استأثر بعذابات موته لنفسه، محتملا أخبث الأمراض على الإطلاق حتى لا يحرق قلب أمه وأسرته بالقلق عليه، احتمل غيابه عنهم، واحتمل وجعه ووهنه في صمت ووحدة وألم، وكان يطلق ابتسامة صفراء كزهرة يابسة على شفتيه لكل من يسأله عن ضعفه ونحوله الواضح والمتزايد.
- «أعمل حمية»
هكذا كان يتهرب من تطفلهم على سره المكنون، ولم يخبر أحدا حتى فاضت روحه إلى بارئها، فقد كانت حمية الموت، والصيام الأبدي عن الحياة، لذا حين غاب كان غيابه كفيلا بأن يخلّده في قلب أم لم يدفن صغيرها إلا في قلبها، وفي قلب كل من أحبه لأنها سنة الحب، وفي قلب ذاكرة الطفولة التي لا تزال تلعب معه «الغميضة» حتى في الغياب، وفي قلب كل من سمع حكايته
- «أعمل حمية»
هكذا كان يتهرب من تطفلهم على سره المكنون، ولم يخبر أحدا حتى فاضت روحه إلى بارئها، فقد كانت حمية الموت، والصيام الأبدي عن الحياة، لذا حين غاب كان غيابه كفيلا بأن يخلّده في قلب أم لم يدفن صغيرها إلا في قلبها، وفي قلب كل من أحبه لأنها سنة الحب، وفي قلب ذاكرة الطفولة التي لا تزال تلعب معه «الغميضة» حتى في الغياب، وفي قلب كل من سمع حكايته
تعليقات