التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

شقيقة كاتيا

فاطمة الشيدي
27 سبتمبر 2010
جريدة عمان- ملحق شرفات

تمثل رواية "شقيقة كاتيا" عملا روائيا متميزا من حيث الفكرة، ومن حيث التقارب الإنساني مع الحياة، حتى بشكلها المعتم والمجحف والشظِف، ومن حيث الأسلوب في التعبير المباشر والصريح عن مجريات حياة ليست مثالية غالبا।فالرواية تُحكى على لسان مراهقة متخلفة عقليا قليلا، لتصوّر كل شيء كما هو خارج زيف المبالغات والتجميل الإنساني الذي يكون غير مقصود أحيانا. فتسير في الحكي لتتحدث عن حياتها الطبيعية، عن شقيقتها كاتيا، عن أمها، وعن جدتها لتصور للقارئ ثلاثة أجيال نسائية من عمق المجتمع الأسباني.وعبر الأحداث يتجلى كل شيء في تناغم بسيط بين الداخلي والخارجي، وبين المكان والزمان، وبين الرجال والنساء، وبين الأرضي والسماوي، وبين الخطأ والصواب، وبين الحب والكراهية، وبين الخير والشر.
تمثل رواية "شقيقة كاتيا" رواية شخصيات، وليس رواية أحداث، حيث يحرك الكاتب أحداثه عبر الشخصيات الأربع "الجدة والأم وكاتيا وشقيقتها" عن طريق الراوية "شقيقة كاتيا" ، التي تسرد لنا كل ما يحدث لهذه الشخصيات، في العمل، في الشارع، وفي الحانة بالنسبة لكاتيا، وكل من يتقاطع مع حياتهن، في اليومي البسيط، والعادي من الصباح حتى المساء، لقد أراد الكاتب "أندرس باربا" لهذه الرواية أن تكون على لسان شخصية بسيطة وصادقة (متخلفة عقليا) لتقول شيئا كما تراه، أو كما هو تحديدا في حالة من الواقعية الفجة أحيانا في السرد، لأنها ببساطة تتحدث عبر القلب الذي يقول شيئا يراه بلا تحليل ولا منطقة للأحداث وبالتالي بلا مبالغات ولا تزييف، وليس عبر العقل، الذي ينتبه وقد يخضع الحدث لبعض التزييف أو المواربة أو المبالغة أحيانا كثيرة.
تدور رواية "شقيقة كاتيا" حول أربع شخصيات محورية وهي :
*"شقيقة كاتيا" :وهي الساردة التي تروي لنا جميع أحداث الرواية، وتعرّفنا على جميع شخصياتها، وأحداثها ومجرياتها وزمانها ومكانها، وهي فتاة ذات أربعة عشر عاما، متخلفة عقليا قليلا، تحكي كل شيء من خارجها وليس من داخلها، ربما لأنها لا ترى في نفسها ما يستحق السرد، لأنها لا تملك مميزات إنسانية ذات أهمية ما في الشكل، كما أنها لا تفعل شيئا في الحياة إلا المساعدة في بعض أعمال المنزل، لذا فهي تقضي حياتها في تأمل تصرفات عائلتها والحديث عنهن بحيادية مبتعدة عن النقد، لكونه حديثا بسيطا يصدر ممن لا تملك آليات النقد، فهي الأقل حظا من العقل والوعي والتفكير بينهن، وكثيرا ما تأتي لها الأوامر بالصمت والبعد عما لا يعنيها، فتصدّق ذلك الأمر وتؤمن به، وتؤمن بأنهن الأفضل، وبأن كل ما يصدر عنهن صحيح وحقيقي وواجب الأخذ به، فهن كل شيء بالنسبة لها: العائلة والصديقات والحياة।كما تقضي بعض وقتها في تأمل السياح في ميدان "مايور" "ثيبلس" وكل ما يصدر عنهم من حديث، وتدخين وتصوير، وكل ما يقومون به بشكل مستغرب نوعا ما بالنسبة لتجربتها المؤطّرة بقلة الوعي والتفكير والخبرة المحدودة، وهناك تتعرف على "جون ترنر" رجل الدين الذي تدخل معه في علاقة عادية بسيطة قائمة على الحديث من خلال جلوسهما في مقهى تطلب فيه عصير الطماطم غالبا، ويحاول هو استمالتها نحو الدين الذي لا تعرف عنه شيئا، فيشرح لها الكثير من الأمور المتعلّقة بالمسيح والدين والكتاب المقدس في محاولة لتعميق الفكر الديني لديها، حتى تنتهي هذه العلاقة لاختلاف توجههما هو بتدينه الحقيقي، وهي من خلال استنادها لواقع مستباح قائم على عدم وجود حدود واضحة بين الصواب والخطأ، وبين الروح والجسد في العلاقات الإنسانية।**"كاتيا" هي الشخصية الرئيسية لهذه الرواية، فكل الشخصيات "النسائية" تنطلق من خلالها وتتحرك حولها، حتى أن اسم الراوية التي تسرد كل أحداث الرواية منسوب إلى كاتيا أو مضاف لها، فهي ـ أي الراوية ـ لا تملك اسما محددا ومعينا ومعرّفا، بل هي "شقيقة كاتيا"، وهناك "ماما" و"الجدة" وكأنها بالتأويل " ماما وجدة كاتيا" أيضا।وكاتيا هي فتاة في الثامنة عشرة من العمر، متميزة الجمال والذكاء والوعي، ثائرة ورافضة لوضعها الاقتصادي البائس، تبحث عن الحب، كما تبحث عن الشهرة والمال بأسرع وقت وأقرب طريقة، فلا تجد سبيلا سوى الحانات فتستغل ممكناتها الجسدية للعرض والرقص।تقع كاتيا في حب "جياك"، وهو شاب إيطالي من مدينة "بيسا"، ويتردد عليها عدة مرات، ولكنه في الأخير يتركها لأنه وقع في حب أخرى من مدينته، فتتخبط أكثر، ساقطة في براثن الإدمان والمخدرات।*** "ماما" وهي أم كاتيا وشقيقتها، وهي امرأة لا تمثل نموذجا مشرّفا لبناتها، تزوجت من والد كاتيا الذي يبدو أنها أحبته ولكنه مات وتركها في براثن حياة موغلة في السقوط بحثا عن الشهرة والمال والظهور، وأنجبت شقيقتها الأخرى بطريقة غير شرعية، الأمر الذي يجعل كاتيا لا تتوانى عن رفض نصحها، وتعييرها بوضعها وماضيها، تعيش "ماما" مع ابنتيها وتزورها أمها بين الفينة والأخرى، ولديها صديق هو "خورخي" الجزار الذي يأتي أحيانا لبيتها.**** الجدة وهي امرأة كبيرة في السن تظهر عليها الأعراض الأولى للزهايمر، وتمثل هذه الشخصية النسائية معيار الشرف والكرامة والعلاقات الثابتة في وفائها لزوجها المتوفى والد "ماما" وتعمل في تنظيف الحمامات العامة، وتزور ابنتها وحفيدتيها نهاية كل أسبوع، ورغم محبتها العميقة لهن، وعدم استطاعتها هجرهن لأنهن كل ما تملك في الحياة من عائلة، إلا أنها غير راضية عن أعمالهن وتصرفاتهن خاصة "ماما" ، و"كاتيا" فهي ما تفتأ تجاهر ابنتها وحفيدتها بالرفض لأعمالهن غير المحترمة من وجهة نظرها، ومع السير في الرواية تصاب بأكثر من نوبة وتذهب في الهذيان والنسيان.
لغة الرواية تتميز بالبساطة والوضوح فهي مشتقة من لغة الشخصيات ومعجم الحياة اليومية البسيطة، مع القليل من العمق والإيغال الذي لا يقف حاجزا بين المتلقي والرواية، وأسلوب الرواية قائم على السرد المباشر من قبل الصوت الأنثوي البعيد والخارجي الذي يتحدث عن الجميع بصيغة " هي" ، و"هو" ، بلا استثناء حتى للذات "شقيقة كاتيا" التي تحكي عن كل الشخصيات من خارجها تماما.
سارت الرواية بشخصياتها المحددة بتراتبية ما، وبالكثير من الهدوء والبساطة والحركة العادية غير المتأزمة في أي نقطة من الرواية بشكل يمكن أن يؤدي إلى حبكة حقيقية أو تمحور للأحداث حول نقطة ما يتأزم فيها السرد، فكل الأحداث يومية وبسيطة حتى تصل للنهاية بتلقائية وتوقع كبير من المتلقي، بلا رمنسة للنهايات أو كسر حاجز التوقع من قبل الكاتب، بل بواقعية تامة كما يحدث كثيرا في الحياة من حيث تشظي العلاقات والخيبات غير المبررة قدريا، والكثير الكثير من الهزائم الإنسانية الوجودية، فلا يجد القارئ أنه من الغريب أبدا أن يترك "جون ترنر" "شقيقة كاتيا" لأنهما مختلفان من البداية، كما أن غايته من العلاقة بها دعوية، وغايتها من العلاقة التمتع بالحنان الأبوي أو الأخوي ربما।ولا يستغرب كذلك أن يترك "جياك" "كاتيا" لأنه كان يتركها كثيرا، وهو إيطالي ثري ومتعلم وهي راقصة استربتيز، فكان الجسد هو غايته القصوى منها.أما الأم التي تركت صغيرتيها وذهبت لتقيم مع صديقها "خورخي" في بيته، وتعمل معه في متجره فهذا متوقع لأن الرواية قدمت لنا "خورخي" بعلاقته الوثيقة بها منذ البداية، وأيضا لم تقدمها لنا على أنها الأم الصالحة التي تخاف على بناتها.أما موت الجدة الهادئ والسريع فكان راحة لها وللقارئ الذي كان يخشى عليها من تبعات الشيخوخة التي قدمت لها "شقيقة كاتيا" عدة مرات بتخوفات مبررة.الحدث الإنساني النبيل الذي توّج النهاية بنوع من الحزن والمحبة كان محاولة انتحار "كاتيا" بتناول جرعة كبيرة من الكوكايين كانت كافية لموتها لولا سرعة إنقاذها، وخوف الأم على ابنتها بشكل أشعل غريزتها الأمومية وجعل كل من كاتيا وشقيقتها يشعران بقربها وخوفها عليهن، ثم عودة العلاقة الطيبة بين الأختين على نحو ما كانت عليه من محبة قصوى لدرجة عدم الاهتمام بالآخر والعالم كما تشعر به مراهقة متخلّفة عقليا ترى في شقيقتها التي تكبرها بعدة أعوام كل شيء بالنسبة لها من الحياة والبشر والحب والأمان والمستقبل بل حتى الذات حتى تنسى اسمها لتنتسب بفرح وحب لشقيقتها. 
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*"شقيقة كاتيا" لـ أندرس باربا، ترجمة ناريمان الشاملي، تقديم ومراجعة د।سليمان العطار، صدرت عن دار نينوى دمشق، 2008، وهي الرواية الحائزة على جائزة هيرالدي للرواية "أسبانيا









تعليقات