التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

ميت غادر على عجل


جريدة عمان - شرفات

الثلثاء, 6-8-2011
شرفات جريدة عمان
فاطمة الشيدي

إلى ميت غادر على عجل:
أكتب لك الآن ونحن في عالمين مختلفين، أكتب لك لأنك لن تقرأ هذا الوجع الرمادي، الذي لا أجيد سوى تسطيره، لأنك ذهبت تحديدا، ولم تعد هنا، وبذلك فأنت الحي الوحيد الذي يستحق أن أكتب له، فالأموات الذين يتمرغون في طين هذه اليابسة لن يسعفوا حزني، ولا أحب الكتابة لهم، وقد تعرف، وقد لا تعرف السبب! (على فكرة!) لاشيء جديد، لم يفتك شيء من مدتك القصيرة التي ذهبت فيها، الضجر ذاته، والكذب والنفاق والوجع في تزايد مستمر، وبعض الموتى حتى الآن يتباكون عليك - تعرف ذلك بلا شك -كما تعرف وبلا شك أيضا أن ثمة صادقين في البكاء، بكيتك أيضا مع أنني لم أستبح حرارة السقوط في مدارات النظرة الحازمة التي أعرف أنك تتمتع بها، ولا غمرتني شهية المصافحة التي تمدها جسورا من المودة والحنان لكل المقربين، ولا أكلت من خبزك المعد للغرباء، ولا شملتني حناناتك التي فاضت كالوديان على الجميع كما كنت أسمع، ولا صفة واضحة وحميمة تجعلني الآن أكتب لك، فلست ذلك الصبي المتهالك حزنا والذي يجيد تمثيل مسرحية الرجولة أمام قبائل الوهم الكاذبة كي لا يخذل توقعاتهم، ولست تلك التي خلعت عليها سوادا بعد بياض وأقعدتها في ثياب الحزن لزمن لن تحسبه منذ الآن، ولا تلك التي جف عودها الطري كياسمينة بحرية حتى لم تعد تجيد النحيب، ولا طفلة الروح التي لا تدرك أي الطرق أقرب للجنة كي تسافر معك، لست من هؤلاء جميعا، ولست أيضا تلك الثكلى التي أنطقها الموت بحبك وكأنها لم تشبعك من حنانها عمرك كله، فانطلق تناديك بنحيب لترجع لها لليلة واحدة كي تقول لك كم تحبك وتشتاقك فقط، نعم لست من كل هؤلاء، وأنا كلهم في هيكل واحد، في جسد يدرك معنى الغياب والوحشة، ويعلم معنى أن تشتاق لكائن فلا تعرف كيف تتحصل عليه لليلة واحدة فقط، كي تقول له (أحبك) ، أو أنا أحببتك عمرا كاملا عرفت أم لم تعرف!
سأحمّلك رسائل شوق للموتى الذين تعرف، وتعرف أنني أعرفهم وأشتاقهم،أخبرهم كم يخضنا الشوق في غيابهم، ويحزّنا الحزن إذا تتداعى الذكريات، ولا بأس عليك! لا تحزن، فكل شيء يمر، بل ويصبح بعد قليل عادة حتى الغياب وحتى الحزن، وحتى مناجاة الموتى، ولذا لا تخف لن تشعر بالوحدة فستجد من يكتب لك رسائل شوق بين فترة وأخرى، يخبرك فيها عن الكثير من الهموم والانكسارات، وهناك من يناجيك كثيرا ليشعر بالراحة والأمان، فهذا أصبح قيمة الموتى في حياتنا لأن الأحياء لم يعودوا صالحين لهذا الدور النبيل..!
أعرف أنك ذهبت على عجل، لم تشبع من كلمات الحب، ولا من رشفات الحنان، ولم تنتزع حكاياتك من أفواه الحكائين، ولم تسحب يدك بكلها من معاطف العشق، ولم تلفظ كل الكلمات التي خبأتها للبرد كي تدفئ بها من يجيد الاستماع إليك..!
فهل ناورت الموت كي يبتعد عنك ليوم واحد؟ يوم واحد فقط، تحاول فيه أن تصلح ما أعوّج من كسر في علاقاتك بمن تحب، وهل قايضته على عام آخر؟ لترتب فيه فوضى أفراحك، وتدهن أحزانك بملامح ضحكة غافية، وتتعايش مع آلام المعدة، وحنين الوله، وصداع الأرق، ووجع سن العقل بلا تأفف؟ عام واحد فقط، لتبيّض فيه مسوداتك الكثيرة والتي قد تخرج ديوان شعر رديء يقرأه الأصدقاء ويضحكون لاحقا، ولتهتم بالنخلات الصغيرات التي أهملتها في السنة الفائتة بسبب زحمة العمل، ولتسدّد ديون "الهندي" صاحب البقالة القريبة من العمل والذي تشتري منه السجائر والديو والجرائد اليومية، ولتزور بلدا حلمت يوما أن تراه، ولتكتب رسالة شغف لزوجتك التي جفت علاقتكما مع ثالث ولد أنجبتموه لتقرأها في عيد الحب، أو لتسرق قبلة عاجلة من المرأة التي تتعمد أن تمشي إلى جوارها ببطء كل صباح كي تتشرب رئتاك عطرها الخرافي، ولتمشي على الشاطئ كل يوم بضعة كيلومترات كي تخسر 20 كيلوجراما من وزنك الذي زاد مؤخرا بشكل ملفت، وأن تواظب على مواعيد طبيب الأسنان التي تؤخرها دائما لأنك تفضل أن تصرف النقود على مصاريف أولادك الصغار في المدرسة، ولتحصل على دورات في البرمجة العصبية عن كيفية التصالح مع فكرة الموت.؟؟
أعرف أنك الآن بعيد، وأن الوقت والموت لم يسعفاك بذلك اليوم ولا بذلك العام.. ولكن ثق أنهما لا يسعفان أحد وأننا قادمون، بالكثير من الأشياء المؤجلة أيضا، فسلام حتى نلتقي !

تعليقات