فاطمة الشيدي
5 أغسطس 2010
شرفات جريدة عمان
يحضر الصيف بكل حماه المستعرة والمشتعلة، يجرجر أثقاله وأحماله الكئيبة والمثبطة ببطء وتؤدة داخلنا وخارجنا، الصيف عكس الشتاء لا حنين فيه ولا دفء، لا فرح خبيء يقبض على الروح، ولا مطر غامض تنتظره لتغتسل، ولا توق ولا روائح لبان وزنجبيل تحاصر المكان كأننا في حضرة صوفية، ولا اشتعال أشواق كنيران المدفئة، في الصيف فقط يريد المرء أن يفر من كل شيء، ومن كل أحد من كل المقربين إليه، يفر إلى ذاته بعيدا بعيدا، عميقا عميقا.
الصيف حالة صمت وهدوء وانسحاب للداخل تماما، لذا فهو يصلح أن يكون حالة مراجعة حادة للذات، للصواب والخطأ، للحقيقي والزائف، للطبيعي وللوهم، وإعادة تشكيل للعلاقات بين الذات والذات، وبين الذات والآخر، إعادة ترتيب كل شيء في أدراج الفراغ والروح والقلب، إعادة ترتيب قائمة على منطق الأولويات في الحضور والإقصاء، في القرب والبعد بين الأهم والمهم. كما يتيح لك الصيف تتبع أعمالك، وأحلامك ومشروعاتك الناقصة لإكمالها أحيانا، أو التمتع بنقصها الحميم غالبا.
في الصيف أنت غالبا في إجازة، لذا فأنت بلا مشروعاتك، ولا دراسات جدوى، ولا لهاث وراء جدول من أعمال كثيرة ومتجددة يتغير كل يوم، لذا ففيه تطفو رغباتك فوق السطح، تنام كثيرا، وتأكل كثيرا، وتحلم كثيرا، وتحزن وتبكي وقد تضحك كثيرا، وقد تكتب كثيرا، ولكن ليس غالبا، والأهم أنك تقرأ كثيرا.
وقد تسافر قليلا لأن جيبك لن يسعفك في السفر لأكثر من عدة أيام، وتخرج قليلا لأن كل الأماكن تصبح مزدحمة، ولأن البحر يضطهده الحر، ويقضي على متعة الاقتراب منه.
ولكن لا ضير فالصيف فرصة للكسل الملائكي الحنون، فرصة لمعانقة الفجر بالسهر، والثأر من النهار الحار بالنوم، ومتابعة فيلم على الأقل يوميا بـ (فشار) أو بدونه، فرصة سنوية للصمت، بعد أن تكون قد ثرثرت طويلا بين البشر أو على الورق، فرصة لإخراج روحك وقلبك ووضعهما في مقابل وجهك تماما، ومنحها الفرصة للثرثرة عن أوجاعهما الطويلة والممتدة غالبا، وللبكاء طويلا أمامك، وأنت صامت كما تشتهي غالبا، (أن تبكي في صمت فقط) ثم تحتضنهما لينتحبا في صدرك كما تحلم أيضا، ثم تضعهما على حجرك كطفلين ما تعلما الكلام بعد، وتغني لهما أغنية حزينة جدا كي يتضاعف الحزن ويعلو النشيج ثم تهدهدهما حتى يناما، وتحملهما بمودة وحنان، وترجعهما إلى صدرك بعد أن تطبع على خديهما قبلة حنونة، لتصحو ليوم واحد على الأقل بذلك البريق اللامع في عين طفلة لم تذق بعد طعم الكارثة.
في الصيف لا بد من الهروب من سياط الحرارة في (مسقط)، تلك السياط التي تشبه رجلا قاسيا يضرب دابته كي يحثها على المسير بعنف ودون انتباه لدرجة الألم، إلى لزوجة الرطوبة في (صحم) التي تشبه ثرثرة امرأة سمجة أشبه بضفدع لزج لا يكف عن النقيق.
أن تعيش في مكان ليس هو تماما أن تأتيه زائرا، إنك في زياراتك تعبر المكان من خارجه، فأنت لا تتخلله كالماء، ولا تنفذ لروحه كالضوء، بل تعبر من حواليه، لا تلتفت للتغيرات الجذرية في نظامه وفوضاه، في تصدعاته وتصاعداته، لذا فكل إجازة هي حالة من إعادة اكتشاف للمكان، وللروح وللآخر، حالة من وضع الذاكرة في مخبر الروح وتذوق أمصالها بلذة مالحة مع بعض المرارة تشبه تماما الدواء المالح الذي وضع في شرايينك ليوم كامل لتعويض حالة الهبوط الحادة التي عانيت منها.
تبدأ حواراتك مع الأشخاص والأماكن والشوارع إذ تعبرها، فتشعر بذلك الصداع في الذاكرة إذ تتصدع، ياااااااااااااه كم كبرنا! وكم كبر المكان!كم غادرته! وكم غادرني! كل شيء يتغير بسرعة، الأطفال يكبرون، والأمهات يشخن، والآباء يذهبون باتجاه الصمت.
كم من الوجوه كبرت بعيدا عنك، وكبرتَ بعيدا عنها، وترن أغنية خالد الشيخ الدرويشية مجددا في روحك (هل تغيرت كثيرا؟.. ما تغيرت كثيرا)، ترد بحزم وجزم، الروح ما داخلها الخراب، والأحلام لا تزال تحبو على مدارج الكونية، وتلك التأتأة الغضة حين التلعثم، وذلك الخوف من الجديد، وذلك الانسحاب التام من الغرباء، حب الغربان، ورائحة البحر والعشب، ورائحة التراب بعد الطل، كل شيء كما كان في مرايا الروح والمكان.
تستوقفك إحداهن (أنت فلانة)؟ نعم! وأنتِ؟، أنا إحدى طالباتك !!! يا إلهي: هل عشت طويلا هنا؟ يرتبك الظل في مرايا الذاكرة، الغربة تتسلق الروح بلزوجة، يا إلهي حتى هنا غربة، الغربة تتسلق الفراش، والثياب، والروح والأحلام، ولا شيء سواها تلك الغربة الحميمة، تكتشف فجأة أن ذاكرتك مثقوبة بثقب كبير يتسع يوميا كثقب الأوزون، تسقط من خلاله الوجوه والأحلام، والسنون، ووحدها الغربة تتشبث بالروح ولا تسقط.
تكتشف أن كل شيء تغير، ووحدك ظللت تشبهك، وتسير باتجاه أحلامك الصغيرة، ودروبك الخاصة، الصديقات يممن شطر الحياة، (صديقات)؟ كم من المعاني علينا أن لا نسلّم بها حتى بحذر، فلم يعد هذا المعنى صالحا مع الحياة الجديدة، مع كل هذه النفعية والمصلحية، المعاني النبيلة والأفكار السامية، والعواطف الحقيقية أصبحت أكثر استحالة من (الغول والعنقاء والخل الوفي).
الوقت والحر والتداعي والهذيان والصداااااع لا يهبك فرصة أن تكتب من داخلك هذه المرة، فلن تكتب عن الدم والفوضى والنحيب، ولا عن ندبة الروح الطازجة بالألم، أو الجرح الغائر، والوجوه الغائبة، أو حتى عن الأحزان والأفراح المعلقة على زوايا أحادية، والنصوص المعلقة في زمان واحد، ووجه واحد، وحلم واحد، ولا عن الحنين والوطن الذي يسكن عرش الروح حتى إن كان بعيدا، ويهبك الغربة اللزجة التي يحلم أن يفر منها وهو لم يسكنها بعد، لا وقت لتكتب عن كل هذا كما تعودت؛ فالشارع والبشر والحيوانات والسيارات كلها تزحف نحوك كأنك في أحد أفلام الرعب، كل شيء يأمرك بالكتابة من خارجك تماما هذه المرة.
في الشارع لا أحد سوى السيارات، وبعض أجساد العمال المتهالكة من شدة الحر، وهم يعبرون الشارع بلا تركيز حتى لتوشك أن ترتطم بهم، الشوارع واجمة كأنها في حالة حداد، تستيقظ المخيلة (كل ما تملك!) يمكن للمرء أن يشعل المكان بتخيلاته، تتخيل أن ثمة أمطارا حنونة ولطيفة تداعب الشارع المحترق برقة، وشتلات ورد وبنفسج وياسمين مزروعة على جانبيه، وأطفال وأمهات ورجال صغار وكبار في السن يعبرون، السيارات كلها تقف لهم، ثمة فوضى محببة للقلب، السائقون يبتسمون وهم يقفون لهم باحترام ومحبة، ويخرجون أياديهم من النوافذ محيين كأنهم يعرفونهم بقرب، ثمة بائعو قهوة وزنجبيل وقرفة يتحركون بخفة طيور بين السيارات والمارة، وعارضو كتب على الأرصفة المتخيلة، ثمة ضحكات تعبر الشارع حافية، ثمة زغاريد مزروعة في أعمدة الإنارة. ثمة شموع وأحلام وأفراح صغيرة تكنس المكان بود أبوي غير مفتعل.
النساء القليلات في الشارع والمحلات والبنوك، يشعرنك بالوجع، كأنهن خارجات للتو من مشادة عميقة توهنَّ بعدها ولذن بالصمت، لم يعتنين بزينتهن كما ينبغي، وجوه صبغت على عجل وبلا إتقان، أجساد ثقيلة جدا تشعرك بالغثيان، ثمة من تشعرك بوخز في ذاكرتك كأنها هي، ولكن من يجرؤ على فتح حوار، وثمة أزمنة وأمكنة وسيول ووديان وأحزان وأفراح وأطفال يكبرون ونساء يشخن تتناسل في تلك اللحظة بينكما تماما.
الشوارع التي أصبحت أكثر تبرجا وزينة، والمراكز التجارية بدأت تزحف كحيات جميلات الجلد بسمها وغلائها على أرزاق الناس، (صحم) لم تعد هي تلك الطفلة الحسناء الحافية بضفيرتيها الحالكتين ورائحة الياس وماء الورد التي تضوع منها، والكحل يفيض حول عينيها، والتي رغم جمال ثوبها التقليدي إلا أنها تمشي نحو المزارع والطين، لتعود تحمل الزيتون (الجوافة) والبيذام والنبق في ثوبها، والطين في قدميها.
اليوم أصبحت طفلة المدرسة بضفيرتين تنتهيان بشرائط ملونة، وثوب زاهٍ ووجه براق نضر، وتنظر بغيرة لجارتها التي تستمد سطوتها من تاريخها العظيم، ومن جمال نهضتها وتذهب رويدا رويدا في المنافسة مع العاصمة!
الرجل الأحن في الروح والذاكرة بدأ يذهب في الغيبوبة، يذهب لداخله تماما، لداخله فقط، ها يتجاوز أسفاره، وأحلامه، وأولاده وبناته وأحفاده وأحفاد أبنائه وبناته، هاهو يشعل وهجه الخاص، وحين تجلس إلى قربه، لا تستطيع أن تمنع عينك من البكاء، وقد كنت من أقرب المقربين إلى حديثه ورواياته الطويلة عن البحر والسفر، والغياب والمدن والسفن والمطر والعواصف، عن رحلاته لبيع الموز والليمون اليابس وجميع الأمتعة، عن عشقه للقهوة و(البشمك) والحلوى، ولزمن قريب كنا نصاب بالخرس من تورد ذاكرته، وهاهو اليوم يغوص للداخل، من أنتِ؟ قالها وعجزت عن الرد، لا أعرف يا جدي من أنا، لم أعد أعرف حقا من أنا بعدما جهلتني ذاكرتك، حقا لا أعرف ما دمت أنت قد نسيت، فلا بد أن أنسى أنا أيضا من أكون! وقد يتذكر بعد أن تأخذك رعشة البكاء فلا تستطيع المثول بين يديه.
يشتعل الخوف من خذلان الجسد والذاكرة للروح، تذكرت الفيلم الذي شاهدته مرتين عام 2007، و2010 عن الكاتبة (إيريس) عن حياتها وعشاقها وكتبها وإصابتها بمرض الزهايمر في آخر العمر، شاهدته رغم السنوات الفاصلة بنفس الولع والحزن معا، الفيلم مأخوذ من كتاب مذكرات ومرثاة لايريس للكاتب جون بيلي والذي اعتمد قراءة معمقة لرواية الأجراس لإيريس مردوخ الكاتبة الإنجليزية والمولودة عام 1919 ، والمتوفاة عام 1999، وهو للمخرج ريتشارد إري.
اشتغل المخرج فيه على ثيمة الجسد كمنتج للرؤى والحياة، الجسد بين زمنين الشباب والشيخوخة، لذا فالفيلم يقوم على مشهدين متداخلين بشكل دقيق وكلي، زمن كانت فيه الكاتبة في أوج عنفوان الشباب والرؤى والحلم والثورة والعلاقات مع الآخر(الرجل) وصديقتها الوحيدة، وزمنها الأخير الذي كانت تذهب فيه تجاه الصمت والحزن وخذلان الجسد والذاكرة بعد إصابتها بمرض الزهايمر وبقائها مع زوجها وحيدة، بعد أن لم تعد قادرة على التعامل مع البشر والناس والمقابلات الصحفية، ليصور وجهي الحياة القوة والضعف، والشهرة والعزلة.
لا أعرف كيف يشعر المرء حين يقرأ نصا (شعرا أو رواية) أو يسمع أغنية أو يشاهد فيلما حيث يشعر أنه هناك تماما، وأن هذا المشهد يخصه هو، لذا لن يستطيع من يمتلك القليل من الشعور من أن يمنع نفسه من البكاء حين يجد تلك الكاتبة العظيمة غير قادرة على الكتابة، وتجد صعوبة في إتمام روايتها الأخيرة، أو إتمام مقابلة تلفزيونية مباشرة، وهي تشعر أن الكلمات كما البشر والذاكرة قد خذلتها، إلا الزوج المخلص الذي ظل معها حتى وهي تنقل إلى دار العجزة حيث تموت هناك.
الذهاب للصمت محنة التقدم في العمر، الكائن الأغلى والأحب على هذه الأرض أيضا بدأ يذهب تجاه الصمت رويدا رويدا، جهة الحزن المزروع في ذاكرته من زمن الحب والغياب القديم، زمن السفر والبشر، زمن التعب والفرح القليل، هو الذي كان يأنس بالكلام، وبالصخب، وكان في قوته وضعفه، في قسوته وحنانه يرخي زمام الكلام كأجمل ما يكون، ويدثر أرواحنا بالحديث العذب في الصباح والمساء، لكنه يبدو أنه ملَّ الكلام، فلا شيء يداوي الروح، ولا أحد يقرأ تلك الدواخل المعتمرة بالياسمين والوعي، لا أحد يقدر على لملمة الوجع في صدره، لذا فالصمت أولى، هو الذي اختار العزلة من زمن، وهو الذي امتثل لشروط مجتمعه بتكوين أسره ولولا ذلك لما كنا على هذه البسيطة.
القراءة في الصيف ممكنة بشكل كبير لاتساع الوقت، وممتعة لأنه يمكنك أن تكمل رواية في ليلة واحدة، وتنام بعدها وأنت راضٍ تماما فلن تقلق من نومك المتأخر، واستيقاظك المتأخرة، آخر ما وقع في اليد والروح كانت رواية (الأشياء ليست في أماكنها لهدى الجهورية)، هدية مجلة نزوى الجميلة، الرواية رائعة كثيرا، ممتعة في سردها، وعميقة في طرحها، وتضع مبضع التشريح على الكثير من القضايا المجتمعية والإنسانية، لولا النهاية التي أخذلت الفكرة والقارئ ربما، لتمنع الرواية من أن تكون صادقة وصادمة، في حديثها عن فكرة الحب والروح والبحث عن مثيل، فبطلة الرواية التي كانت مستعدة للتضحية بزواجها وطفلتها لأنها وجدت الحب الحقيقي، والرجل القادر على تحريك مشاعرها بدل الرجل البارد الذي تعيش معه، كانت مجرد كاذبة، وهي بذلك ضعيفة، هي لم تحب، وليس من رجل في حياتها وليس إلا الوهم الذي تنتهي به عند طبيب نفسي. مع أن الرواية تقول بصوت عال كل شيء إلا أنها خنقت هذا الصوت الداخلي للمرأة من قبل كاتبتها وجعلتها تكذب لصالح عقد اجتماعية، ربما لأنها امرأة متزوجة ولا يحق لها أن تحب حسب المجتمع والعرف.
إنها عقدة الكاتبة العربية وامتثالها للشرط المجتمعي حتى في النص، إنها الرقابة الذاتية التي تفوق المجتمع والرقيب، كم هي صعبة هذه الفكرة، الرقابة المجتمعية التي تمتد من الخارج للداخل وتنعكس في النص، حول هذه الفكرة تماما دار حوارنا مع الشاعرة الرائعة ميسون صقر في الزيارة الأخيرة لها ضمن فعاليات معرض الكتاب 2010، بعد الأمسية الشعرية جمعتنا وبدرية الوهيبية وهاشمية الموسوية، وهي الورقة التي قدمتها لاحقا في مؤتمر حول (صورة المرأة في كتابتها) في تونس في احتفالية اتحاد الكتاب التونسي بيوم المرأة العالمي.
ولكن خارج هذه الفكرة، فإن أهم ما لفتني في الرواية كلمة (أنط) حيث استعملتها الكاتبة بكافة صيغها الماضية والحاضرة والمستقبلية للأم وللطفلة، الروح الوثابة التي أظنها هي روح الكاتبة نفسها، وفي الحقيقة لا أعرف مدى فصاحة المفردة، ولم أبحث عنها، ولا أريد الوقوف على ذلك هنا، كل ما يعنيني حجم الفرح والمرح والجمال والحياة في هذه المفردة، ولأنني أعترف بأنني لا أجيد كتابة الفرح، ولأنني أشعر بالإكبار دائما لكل ما اعجز عنه، فقد تشربت روحي هذه المفردة حتى الحسد لذلك الفرح الذي يكاد (ينط) من هذه المفردة.