التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

فيروز

فاطمة الشيدي
2 أغسطس 2010
ملحق نون الصادر عن جمعية الكتاب

 صوت فيروز  ذاكرة الروح، الحنجرة الوطن، الفرح/الحزن الأوسع من رئة ،  حين تستمع فيروز لا يمكنك إلا أن تدخل ذلك الصوت/الوطن، وعندما تدخله؛ لا يمكنه ألا أن يحتويك، ذلك الصوت المشحوذ بالفتنة، لا يمكن إلا أن تلملمك أجنحته الطويلة جدا، ذات الزغب الحاد، لتصبح متكوما بكلك داخله كطفل في رحم السديم، الصوت الذي لا إطار له لذا تدخله بلا قدمين، فأنت لا تحتاج إلا لمظلة تنزلك حيث هو تماما، بحيث لا تخدشك حواف الأطر، ولا يؤلمك شعور الخوف من الجدران، وربما لهذا فقط يمكنك أن تسكن هناك طويلا، بل منذ أن تدخله لن يكون باستطاعتك أن تخرج منه سليما أو غير محموم/ مسكون به إلى الأبد.
فيروز شلال الضوء المتكسر على لحن مستوفي شروط الروحنة، الحنجرة الخضراء التي تنمو فيها أعشاب البحر والياسمين، ويزهر فيها مرجان الدهشة الذي يسرقك عميقا منك، ومن الكون، الصوت الممتزج بلثغة الشرق ورائحته، وارتباكة العدو وراء جملة لحنية جديدة، السهاد الطويل من اللغة الملعونة كتفاحة خارجة للتو من بهاء روح شاعر، أو من الجنة، طازجة بالفتنة، مغسولة بالوله، الصوت الذي له جاهزية انفجار داخلي وحميمي وخاص لأرواح متمددة أبدا على فتنة المجهول، ومشرعة أحلامها على روعة السفر في البعيد.
هكذا فقط يمكننا أن نقرأ ذلك الصوت الزجاجي الخرافي العظيم المتهدج بالفتنة كنشيج سماوي، وكجناح حربة مترفة توغل بحدة في كبد جسد حي، لتزرعها ألغاما وورودا.
ذلك المشجب الذي يعلّق عليه النور ذؤاباته الحارقة لتشتعل أرواحنا ما أن تعانق فتنته، تلك المساءات المعتّقة بالحنين والرغبة في البكاء، ذلك الصوت الذي ليس له إلا أن يتشكل جوازات عبور للأرواح المنتسبة للجمال كرهان خاسر في زمن الحيف والجفاف.
يا فيروز لا كون أستطيع أن أحيا فيه لولا صوتك، لا بحر لولا صوتك الأزرق، لا عشب لولا صوتك الأخضر، لا أطفال، لا طيارات ورقية، لا عشاق، لا دموع، لا أحزان طرية، لا لغات يتناثرن في جفان الروح وخرائط الوله، لا لسن كالسكاكين، لا حناجر كالخناجر، لا أصوات، لا ليل، لا نهار، لا مواسم، لا نايات، لا حصاد، لا سنابل، لا ياسمين، لا لثغة عاشقيْن، لا بهاء طفولة، لا أمهات، لا مدن، لا حنين، لا سفر، لا شغب صحبة، لا رفاق، لا ليونة، لا مطر، لا ماء، لا حنين، لا حب، لا كتابة، لا شعر، لاشيء لا شيء ..لولا صوتك الدافئ .


تعليقات