فاطمة الشيدي
20 أغسطس 2018
شهادة عن صالح العامري من كتاب "مامن رحلة إلا هي وداع"
صالح العامري النسّاج الحاذق
"مباركة هي الأصواتُ التي تغني خارج السرب، تلك المتغضنة، الوحيدة، المبللة، المرتعشة، الندفيّة، العذبة، ذات الأشجار العالية، ذات الصيف العاري، ذات الربيع الخاصّ، ذات الأعين التي تَرى ما لا يُرى، ذات الرؤوس الثملة، ذات القلوب التي تحشد أغانيها في صدق ماكر، ذات الرئات التي يرتاب في شفافيتها حتّى الهواء، ذات السهر الذي لا يعرفه الآخرون، ذات الحُرَقِ والمُتَع الغريبة، ذات الجحيم والجنان الممتزجة، ذات المناحة في الأعراس، ذات الأعراس في ليلة الفقد" صالح العامري
لم أجد خيرا من هذه المقولة لتمثل صالح العامري خير تمثيل، فصالح العامري نسّاج لغوي ماهر وحاذق متفرد حد أن لا يشبه أحدا، ولا يشبهه أحد هذا هو الانطباع الذي راودني عبر تتبع تجربة صالح العامري منذ زمن ليس بقليل.
صالح الذي يشتغل على اللغة اشتغال حائك أو محترف غزْل، بدقة خاصة، ومهارة حاذقة، لينتج لنا لغة مشغولة على منوال الوعي والثقافة الخاصة به، ولعل أكثر ما يشدك ويبهرك في نصوص صالح العامري هو ذلك المعجم اللغوي الخاص والعميق الذي يمتلكه، والذي قد يأمرك بقسوة أن تعود للمعجم لتعرف معنى مفردة ما، وضعها بمكر في نصه ليختبر قدرتك اللغوية، وتمكنك وذكاءك اللغوي، أو ليباهيك بنصه، وبمعرفته وثقافته، حتى ليصبح الأمر أحيانا صعبا على القارئ العادي، ولكن لا ضير في ذلك فمن حق الشاعر اللاعادي أن يكون له قارئ لا عادي أيضا. بل من واجبه أن يترك نصا لغويا عميقا ومتماسكا ومدهشا ومعبأً باللهفة والجمال، ومطرزا بـ"الزري" و"الفولك" و" التلّي" ليكون نصا خاصا لا يشبه إلا صاحبه.
في المرحلة الأولى من تعرفي على هذه التجربة الثرة والثرية حدث ذلك عبر ترددات أثير سلطنة عمان، حيث كان صوته ينساب هادئا باردا ناعما كالحرير أو كالماء، ولكنه كان يفعل فعل السحر حين يتسرب ما يقوله إلى الداخل، خاصة لمن مثلي كائن سمعي حسي أكثر منه بصري، ورغم أنني - لضرورات الوقت والحيوات- لست من متابعي البرامج الإذاعية إلا إذا تم تنويهي لذلك من قبل متبرع طيب، إلا أن الصدفة قد خدمتني كثيرا مع صوت صالح للحياة وللجمال ولإصابتك بالدهشة أيضا كصوت صالح العامري.
لقد عرفت الصوت قبل أن أعرف أي شيء عن تجربة صاحبه وكتابته وكتبه، إلا من الاسم الذي هو كأي اسم من أسماء أهل عمان مذيّل بقبيلة قد لا تشي حتى بالبعد الجغرافي (لأنها متوزعة في الكثير من مناطق عمان الداخلية والساحلية)، لكن صوته سمح لي أن أدلف مباشرة لوعيه وثقافته وتكوينه المعرفي المتنازع (بشكل حميم ومتكامل) بين الأصيل والحديث، سمعته يتلو مزاميره عن الياسمين والجمال والحب والفرح صباحا، ومساء عن الشعر الحديث والنقد والسيرة وغيرها من كتابات تشي بعمق الباحث عنها، ومستخرجِها وثقافته ووعيه واتجاهاته وقراءاته، وعبر ترجمات رائعة عن الأدب العالمي تدل على توغل وبحث وكد واجتهاد في الفعل، حتى عرفته فيما بعد وقرأت له فصرت من المعجبين بكتابته.
ولأنني ابنة البحر والشمال "جهة القلب" فإنني أعتقد أن الشعر يسكن كل كائن مائي وبحري، وهذا هو ما حدث ما أن عرفت أن صالح العامري من ولاية "شناص" التي تقع على الساحل البحري لخط الباطنة قريبا من ولايتي الطيبة "صحم" فقلت: نعم لهذا إذن وتحديدا للغته انثيال الماء، ورائحة البحر تلك التي تتضوع من قصائده ونصوصه في مجموعتيه الشعريتين مراودات 1994، وخطاط السهو.
بالتأكيد لا ينجو أحد من فكرة البحث عن نص رائق ورقيق لصالح العامري ما أن يحمل في يده "ملحق أشرعة" أو "ملحق شرفات" كل أسبوع، ليحاول أن يكتشف ماذا ترك اليوم هذا الشاعر لعشاق بحره، والراغبين في الغوص على مقربة من سواحله، أو مزارعه من ليمون و"بيذام" و "فرصاد"، ونوارس وسنونوات و"شناجيب" وغزل البنات (شعر البنات)، ومحارات (الدوك)، وغيرها من مفردات لغة يدورها بين يديه بشغف ربان مقتدر حالم بالإبحار الأزلي والأبدي بين لذة الغرق، وفرحة المرافئ وحنين الشواطئ.
النص هو كل ما يواجه به صالح العامري قارئه، وكل ما يهبه للآخر خارج العزلة الحميمة التي يعيشها بعيدا عن الفعاليات، والمجتمع الثقافي في عمان كخيار شخصي، فهو لا يتقدم إلا بنصه فقط، بل لم أره _ أنا المتابعة نسبيا للمشهد الثقافي- يقرأ شعرا إلا في الفعاليات الثقافية لمهرجان مسقط 2010، يومها كنت أحاول تركيب ذلك الصوت الذي أعرف على شخصه ولم أفلح كثيرا.
حين تقرأ بورتريهات صالح العامري وحين تسمتع لبرامجه الإذاعية، وحين تقرأ كتاب "مثلَ ينبوعٍ معتكفٍ في قلبِ الشاعر" تدرك معنى أن يكون المثقف معنيا بالآخر، مشتغلا على التعريف به، وتقديمه للقارئ، متخليا عن نرجسية الكاتب وأنانية المثقف، نعم إنه عُني بتقديم أصدقائه فقط، واهتم بالتجارب المماثلة لتجربته (قصيدة النثر تحديدا) لكنه تعبير عن موقفه من الثقافة والحياة، إنه الإيمان الجميل بمن يحب وما يهتم له، وما يعجبه، وما يميل له وهي مساحة الكاتب والمثقف التي يكتب ويبدع ضمنها.
وحين تقرأ نصوص صالح العامري المحمّلة بالاقتباسات والتضمينات والإشارات والعلامات تعرف أنك أمام ناص مثقف، وكاتب قارئ، وباحث مجتهد، لا يهتم بتسطير هذيانات الذات المولعة بالشعر فقط، بل يعني بتثقيف قارئه من خلال إحالته للبحث عن كل جملة شعرية راقية، ومعنى غريب وجديد، وكم قارئ -وأنا منهم- ، أغراني بالبحث عن أسماء معينة لأنني انجذبت لجملة ما أوردها في إحدى كتاباته.
تحية راقية لصالح العامري شاعرا ومثقفا وأخا في اللغة والتراب!
