الموسيقا (غذاء الروح) لا أعرف تحديداً لمن هذه العبارة التي لفرط تداولها صار كل منا يستبيحها بأمان تام، ولم نعد نتأمل كثيرا في معانيها، ولكنها تختصر تماما علاقتي بالموسيقا، وتختصر كل ما يمكن أن يقال عن ذلك، حين ينقص الغذاء يجوع ويتعب الجسد، وحين تختفي الموسيقى تجوع وتتعب الروح، الروح التي تشتهي التحليق وتنازع المستحيل، وتسكن البرزخ، لا تسكّنها إلا خفقات الموسيقى، ولهيب اللحن الجارح وإرتشافات العذوبة المتصاعدة من حنجرة المغنّي، أو من خاصرة اللحن، لتكون الموسيقى ظل الروح وحرورها، ظمأها ورواها.أعيش الموسيقا هكذا عليّ أن أعترف، وأستطيع أن أعيش في مكان لا ماء فيه، ولكنني لا أستطيع أن أعيش في مكان لا موسيقى فيه، وكأنها بذلك شرط وجودي لبدوية تطلق روحها في البراري، وتسير وراء أغنامها بتهادٍ وحرية، شرط وجود ناي أو ربابة تنشر ألحانها في ذرات الصحراء، وفي طلع النخل، وفي مسام الأرض ليتهادى كل شيء ويهدأ ويبتسم.
الموسيقى صديقتي الأحن الأجمل والأبهى والأنقى والأسمى، إنها (والكتاب والكتابة) رفيقة رحلتي الممتدة من الروح إلى الروح، ومن الوريد إلى الوريد، ومن الطفولة إلى الطفولة. وأعني هنا الموسيقى الراقية والسامية التي أبدعها فنان بروحه وعقله ووجدانه، سواء كانت تلك الموسيقى المحضة بلحن خالد لموسيقيّ عبقري أعاد ترميز خارطة البشرية والروح والسمع في أعماله العظيمة الخالدة كالسيمفونيات، أو تلك الألحان التي تصحبها قصيدة جارحة وحنجرة أدماها الحس فصارت تصدع/تصدح باللحن والكلمة، الموسيقى التي تخاطب الوجدان، وترْعِف الروح، وترقى بالوعي والفكر، تلك الموسيقى التي لن تتعثر بها في محطات البث، بل تحتاج أن تبحث عنها، وتذهب إليها بشكل مقصود كصديق تحتاجه، أو حبيب تشتاق رائحة حزنه، تماما كالكتاب الجيد، أو اللوحة الفنية، والتي وفّر (النت) علينا القليل من تلك المعاناة في هذا العصر.
الموسيـــــقى رفيقتـــي الطيبــة، إنها رفيقة القراءة، فكسل حنون، وسرير معطر وبارد، وضوء خافت – يا حبذا لو كان لشمعة غارقة في الهيام حتى الذوبان- وموسيقى غيبية تشعل الأثاث والأحلام والأوراق والمرايا - مهما كانت بساطتها- وتشغل الروح بحنانها ونحيبها وفوضاها، فتجعلها تتكسر على مغريات اللحن، وتتصدع على ذاكرة الغياب، هو فقط كل ما يحتاجه كائن أرهقه البشر، وعاف تلك الانزلاقات الكونية الخرقاء.
إنها رفيقة الدروب الطويلة بين البحر والبحر، بين الحنان والغربة، بين رائحة الأصوات، وغبار الوحشة، بين قرية تتثاءب على غناء الصيادين، وتنام على (الهواه) ترددها الأمهات، ومدينة ترقص بوحشية على أبواق السيارات، وتحتسي القهوة الفاخرة عند الضحى، إنها صديقة تلك الشوارع الحبيبة حين تصدح (فيروز)، فتتصدع الروح (كنا تودعنا وصوتك غاب، ونداني العمر الخالي، ولما ع
حالي سكرت الباب، لقيتك بين وبين حالي ....لوينك بعدك لاحقني)
إنها زميلة العمل والمكتب حين تنزلق من جهاز أجهز عليه الصمت، لولا صوت (خالد الشيخ) يدس حفنة ملح في اليومي السائد مغردا (سافر بارتفاع الصواري، وأنا شرعك أداري عنك ريح الزمان، وارجع لي بحبك تراني مثل صدر الموانئ للمراكب أمان، يا فرحة إذا بعد غيبة التقينا بضحكة، وابتدينا الرحيل، خطوة نبتعد بالمراكب عن حبال الموانئ للسفر في النخيل) لتغسل الموسيقى المكان برائحة البحر والحنان، ولتجعل الصمت يزغرد منتشيا برقصة الفوضى لأطفال عراة يستحمون في البحر، أو يرقصون بجهلهم الطري، وأجسادهم البضة تحت مطر سخي.
إنها صديقة الروح حين يأكلها السأم، فتبحث عن نشوة تعيد لها غيبوبتها الخالدة، ونزقها الأزلي، فيربكها عود (نصير شمة) لتستعيد لثغتها البكر، ويشحنها بطاقة تتوزع في جسدها وشرايينها وخلاياها لأيام قادمة، فتشعر وكأنها تعلقت بريشة ذلك العود في اتصال حميمي مع اللحن والذاكرة والوعي والجمال الخالد.
إنها صديقة الجسد المتهادي على ألحانها حين يسكر بالحلم المتشبث بالروح تشبث طفلة يأخذها اليتم لدروبه العرجاء وهي لا تفهم إلا لذة النداء بـ (مااااما)، أو حين يسرقه الفرح منه ومن العالم ليسكر في اللحن متكسرا وخالعا كل آليات التربص والتوجس والمحاسبة، أو حين يبتلعه الحزن كوحش مولع بتمزيق الأرواح والأجساد كخرق وأسمال بالية، ويتركها على ناصية الجزع وأرصفة الموت. أو حين يأخذه الجنون إلى متاهات اللذة المتشربة بالفوضى والعدم والعبثية والأسئلة.وأخيرا فالموسيقى روح الكتابة/القصيدة الخفية، إنها تلك العلائقية الضمنية بين الشعر والموسيقى، تلك الرهافة الحسية المشتركة بينهما، ذلك السلم الهلامي الذي تسير عليه القصيدة حافية الروح والقدمين في صعوداتها وتجلياتها ورهبنتها واشتغالاتها على الصورة والشعور والخيال والتحليق، فالقصيدة تسرق أنفاس الموسيقى المخبأة في جدران الوقت لتعيد نسجها في أنساغ الروح لغة وحرفا، وترسم تصاعداتها اللحنية على جسد اللغة، فيعرّشان معا على الروح بذات الوهج والحرقة، إنهما متداخلتان في روح المبدع، وفي انبثاق الفكرة، وفي تعالقات ووشائج النص، فالموسيقى رحم الفكرة الناتئة كدبوس في المخيلة، وكرعشة حس طروب عند مراتع الروح والوجع، إنها كل ما تحتاجه الفكرة لتشرق وتتورد وتتشكل كجسد مثخن بالجراح واليأس يفاجئه الحب بلذة في ليلة باردة.
لكنها للأسف ليست صديقة لحظة الكتابة السرية، تلك اللحظة المرتبكة حتى بظلها، والهاربة لنفسها فقط حتى من صوت سقوط الضوء، أو من صوت ارتعاشة الروح لحظة التأمل، لأن كل شيء في تلك اللحظة لا بد أن يحدث بهدوء تام، وبلا أي مشتتات خارجية، في تلك اللحظة/المخاض تخون الكتابة الموسيقى البانية أعشاشها في هياكل المخيلة، وبيوت الروح، وتتبرأ منها مشبعة برائحتها وحنينها وفوضاها وعبثيتها وجنونها وأحلامها واحتلاماتها، حتى تلد القصيدة التي لا تشبه إلا الموسيقا فتعود إليها زاحفة على الروح فيلتحمان مجددا.

تعليقات
لا أدري من أي سماء تمطر مخيلتك المثقلة بالموسيقى الصامتة التي ألمسها الآن تتنزه في جنوني بعد أن فرغت من قراءة مقالك الجميل هذا.
ومن أي جهة قادمة أغنيات الروح مع شفافية الحرف!!
كل المودة وباقات موسيقى كما تشتهينها
مرورك عبق بجمال أغنية وجمال الشمال