التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

تشظي الذات الشعرية على جسد النص

الثقافية: تشظي الذات الشعرية على جسد النص
علي شبيب ورد

عندما ترتطم(ذات) الشاعر بالذات الكبرى-العالم- تتشظى في النص ذوات شتى باحثة عن الجوهر النبيل للذات الإنسانية. فيما يأتي دور التلقي لاكتشاف صداها في ذاته المنشغلة بخروجها المفترض من أسر عراقيل انفتاحها على ذوات النص الماثل. وذوات النص هذه ربما تكون ذاتا واحدة تشظّيها الأزمنة والأمكنة والحوادث، لتنبري حيوات نصية مبتكرة موزعة على مستويات شتى في ثغور النص. ولربما تتقمّص الدور النبيل للجماعة الإنسانية والدور المناوئ أيضا خلال اتصالها الشعري مع التلقي. وهذه الذوات ليست كلها في نسق واحد في علاقاتها مع التلقي، فقد تتعدد اتجاهاتها ومراميها وأشكال مثولها أمامه. وقد يشهد التلقي صراعها في جسد النص، غير أنه في النهاية يفترض لها صراعا وخاتمة في مخيلته المنتجة لنصوص ما بعد التلقي. إن نجاح عمليتي الاتصال والتلقي في الشعر، يستدعي شاعراً وقارئاً يعيان دورهما الإيجابي في هذه العملية. فالأول عليه أن يوفر محرضات متعة الثاني خلال عملية الاتصال، لأن الشعر(في الأساس هو مرتبط وبشكل لا ينفصم بعملية تزويد القارئ باللذة، وإذا ما فقد الشاعر القارئ الذي يبغي اللذة والسرور فإنه سوف يفقد القارئ الجدير بالاهتمام به) حسب الشاعر الإنكليزي-فيليب لاركن- بيد أنّ هذه المتعة لن تتم على الإطلاق، لو لم تتوفر حيادية كل منهما تجاه ذوات النص. وهذا ما وجدنا في هذه النصوص المنتخبة للشعراء أدناه، والمنشورة في العدد 51/يوليو/2007 من مجلة نزوى. فالشاعر المغربي القدير(أحمد بلحاج آية وارهام) وفي نصّه(كأصابعِ المساء) يستدرجنا بمهارة لمتابعة صراع ذاتهِ الشفيفة مع الأمكنة والأزمنة والحوادث. ويحيلنا إلى الشعر الحرالذي لا يفرط بالتفعيلة، لكنه يتقن مهارات تشكيل الصورة الشعرية ذات الكفاءة الأدائية العالية في البث الإيحائي. ويفشي عن ملكة إبداعية في تطويع لغته الثرّة لكشف رموز مرجعياته البيئية والحسية والذهنية المؤثرة والفاعلة في عملية إنتاج النص ومثوله أمام التلقي(رموزٌ/ مناقيرها في شِعابِ الفؤادِ/ تُنَصِّبُ أبياتَها لغةً/ حينما/ زهرةُ اللوتسِ أجلَسَني/ في ترائِبِها/ طائرٌ من حُدُسٍ/ له في فمي حلمةٌ/ من ثديِّ الغروبْ) وما ينبض في كيانه رغماً عنه، مهدُ طفولته وحقل صباه، وبيت تطلعه ورؤاه، وطنه ملعب كبريائه المعفّر برفيف أجنحة أحلامه. وطنه الغريب عنه وفيه، لحظة عودته إليه هي لحظة ولادة جديدة في هذا الوجود المظلم. ولحظة تحقّقِ أمانيه العبقة من جنان كيانه الجديد التي تشكّلت أروقته من رماد أمكنة الغربة وخرائبها التي لسعته بلهيب حرائقها الخانقة(ليمطرَ على حجر الضوءِ/ هذا المساءْ/ دَمي وطنٌ/ فيهِ تبني الطيورُ خرائطَ/ ما تشتهي الكبرياءْ/ إليهِ تعودُ فراديسُ كينونتي/ من منافي الخرابِ…) وبرقة رومانسية يبتكر صورة لولادة ذاتٍ طالعة برقةٍ تنمُّ عن نبل مساعيها ودفءِ تطلعاتها. أحاسيسه ومشاعره الجياشة والحالمة بنت له عرشاً على تويجات زهرة اللوتس المقدّسة؟! ليصير وليداً متألّقا كنغمة حروفها ملونة تدهش العيون(على شفة اللونِ أولَدُ/ ينقلني النورُ موجَ هديلٍ/ لبابِ البصَرِ/ كما لو بذاتي/ يغتَلِمُ البرقُ/ أو يتَبَقْبَقُ ما أضمرَتْهُ السّرائرُ…) بينما تأخذنا الشاعرة السورية(إيمان الإبراهيم) في نصها النثري(مضى…منذ..ها) إلى لعبة صورية مفترضة، بيد أنها إيحائية ومشاكسة في آن. الشاعرة العفريتةُ هذه، ليست على ما يرام مع وجودها القامع لمحرضات توهج رسالتها الإبداعية والإنسانية معاً. تعتصر ذهنها محاولة منها لإخراج عفريت الكلام، ولكن دون جدوى فاللعين تفر من شفتيه الحروف موقعا إيّاها في فخِّ الخرس(أرجٌّ القارورةَ جيداً/ غبشُ القارورةِ يُغريني/ بإطلاقِ كلماتٍ تشبهني/ أصابعي تلجُ عنقَ الزجاجةِ/ مهلاً مهلاً/ آهٍ/ لقد أضَعتُ الكلماتِ/ تبخّرتْ/ في المرةِ القادمة سأضعُها في…/ لنْ أقولَ حتى لا تتسرّب/ أو تلتصق بغيرِ أصابعي) وهي تعي تلك التجربة الجسدية بصورها الجنونية اللذيذة، التي تحولت إلى ذكرى جميلة جالبة لدوام سعادتها مدى العمر. ولعلها ليست جديدة ومتعارف عليها، غير أنها ذات تأثير بالغ العمق على حياتها. بوصفها تجربة حب شخصية خالصة، ولا يمكن لغيرها استحضار تفاصيل وحيثيات وقائعها بنفس الدقة والطزاجة. كانت بالنسبة لها تشبه حلما خاطفا ملونا وملتهبا بلظى المشاعر والأحاسيس العارمة والتي منحتها سعادة غامرة قلّ نظيرها(أتمكن الآن من المضي/ في حلمٍ حنونٍ يشبهها/ العنق السّاخن/ الفخذ المرتطم بشجرتي الصغيرة/ اليد المغروسة بظهري/ سعادتي فيها فاقت كلَّ/ سعادةٍ بأيةِ لحظة حبٍّ أخرى) وبهذه الجرأة تقف شاعرتنا في منطقة مزدانة بعتبات مروق وانزياح المشغل الشعري النسوي صوب آفاق الحضور المنتج لمنجزٍ معرفي اكتسب خصوبة منظومة بثّهِ من استبطانه لشتى فراديس إغراء التلقي على قراءته وتأويله. وبلعبة أخرى تنبؤية وكاشفة لما يأتي من أزمنة وبروح مطمئنة نالت خبرة التخطّي ونهلت من كنوز التجربة، تنبري أمامنا بسمو تطلّعها، وهي تتحلّى بطاقات قدرتها على تحمل حرقة ما فات(ربع قرنٍ آخر/ وأمزّقُ صوري الجميلة/ أطحن بعضَ القرفة وحبَّ الهالِ عليها/ وأمَرِّنُ لساني على لعقِ الماضي/ مهما كان لاذعا) ماذا بعد؟! سؤالٌ نعيده للشاعرة العمانية الجادة(فاطمة الشيدي) لنعلن أسفنا على انتهاء نصها(رقية الحيوات السرّيّة) ونفشي رغبتنا بإعادة قراءته بالمقلوب علّنا نتمكن من تسلّقِ نداءاته المتعاقبة الخارجة بهذا التّدفق الباهر من عيون مشاعرها الحرّى، آملين الوصول إلى جمرات ثغرة الكلام. في مقطعه الأول لا يخامرنا شك بأنها كتبته بانصراف تام لما هو معرفي في الاشتغال الشعري. فهذا الانثيال المحموم من مواقد الحنايا، والمستنطق لمحرضات رؤى المخيلة الشعرية. لهو جدير بالتأمل القرائي المدجج بما بعافية التخيل، والمنطلق من وله التعرف على مكنونات النص وأسراره الغافية على وسائد الحلكة(تلدنا الصرخة طازجي الرّعشة خارجها.. فيما نجاهر الكونَ ببقاياها المتخثّرة على جروحنا المفتوحة/ لا مساحات تستوعبنا لنتسمى بها/ الأشياء المبهمة ترفض أن نتشبه بها/ لتستضيفنا المسميات/ فنمرّ عراةً من الأسماء كالأشياء التي لا تقف) المقطع الثاني فيه مناجاة حميمية لجوهر الحياة الغائب عن المثول، وهي أشبه بابتهالٍ أبدي خارج من أفواه حيوات يساورها شبح الانقراض الأكيد. ولعلها في هذا الاستبصار الفلسفي لمعنى الوجود الزمكاني المنحصر بين الولادة والعدم، تستحضر نصوص ما قبل النص المدون، لتنسكب خرائطها المحرضة لمنظومة البث (أيّتها الحياة/ وزّعي أحجامنا على قامتك الفارعة كالضوء/ كوّري صراخنا في حنجرة ناي/ ادفعينا مع خفقة عصفورٍ يفنى على حدِّ مِديَةٍ إلى أعلى) ولن تقف عند هذا بل تحاول الكشف عن وجدها الذي لا يقاوم لكل ما هو إنساني نبيل. فيا لقلب الشاعر الحنون المنغرز في ترائبها المزدانة بالرحابة والعفو عن العتاة الذين نبشوا برماح حروبهم بياضَ الأعالي. تطلب لأعاديها السماح لا الفناء لفرط ما تستبطنه جوارحها من عبق المودة للآخر الذي استبد والذي أفرط في أساه(ولا تحاكمي الطغاة الذين ثقبوا عين السماء/ لتتساقط الدماءُ من خصور النجوم/ وفقط/ شرّدي الحنينَ خلفَ قضبانهم الهشّة) وبهذا نظن أننا كنا حياديين في إطلالتنا هذه، على نصوص كانت على درجة عالية من الكشف الحيادي لأسرار ذوات تصارعت على جسد التدوين المغري بجدارة المشتغل ومهارته في استدراج التلقي على التواصل معه حتى النهاية.

تعليقات