فاطمة الشيدي
جريدة الوطن/ أشرعة
جريدة الوطن/ أشرعة
لا تستطيع ثقافة ما تقديم نفسها
كحالة معيارية، مهما امتلكت من أدوات المعرفة، أو امتلكت أمتها من الممكنات
والمعينات الحضارية؛ لأن الثقافة حالة تشذيب وصقل مستمرة، والتثاقف عملية تفاعل
دائم بين الثقافات المختلفة، التي تشكّل رافدا مستمرا، يدعمه الاختلاف بين مشارب
هذه الثقافات ومنابعها ومساراتها الفكرية والعلمية القائمة بدءا على التباين
والتداخل في تشكّلها الأساس.
ولكن - وللأسف- وبأبسط مستويات
القراءة وآليات الاستقراء لملامح الثقافة العربية الراهنة نجدها ثقافة متطرفة بين
تقديس الذات وتكفير الآخر من جهة، أو الولع بالآخر وجلد الذات من جهة أخرى، حيث لم
تعد تؤمن بالاختلاف والتعددية، بل إن ركائز حتمية مثل (اختلاف الرأي لا يفسد للود
قضية) باتت مغيبة بشدة في فكر ثقافتنا ووعي أفرادها، ولعل علة الأمر تكمن في أن
الثقافة السماعية والشفهية هي الأكثر حضورا في الذاكرة والثقافة العربية بكافة
مستوياتها، ففلان (عظيم) لما قيل عنه، وربما ممن لا يعي معنى ما قيل، والآخر
(وضيع) لذات السبب. لذلك ظهرت حالة من تعميم الأحكام الجاهزة، فهذا (أعلم العلماء)
وذاك (أجهل الجهلاء) من غير استناد إلى أحكام موضوعية، أو قوانين فكرية ثقافية
كإصدارات قيّمة أو سجالات علمية، أو معرفة عميقة بثقافة ما أو فكر ما. لذا أنتجت
ثقافتنا العربية ظاهرة قبيحة جدا ألا وهي ظاهرة (الأصنام) الثقافية، فوجدنا أنفسنا
نعاني من مشقة حمل الأسماء في ذاكراتنا، أكثر من تتبع النتاجات الثقافية والمعرفية
والحضارية، ولا عجب فيما بعد إن برزت ظاهرة الأخويات والشلل الثقافية، والمجاملات
والوساطات المعرفية، التي تقدم الرديء وتقصي الجيد، وتفرز شللا معرفيا وفكريا، ومن
ثم بروز ظاهرة (التسلّق) للهواة والكائنات الطفيلية الملتصقة بالثقافة، والمتتبعة
للقمم والقامات الثقافية المعرفية.
كما أدى ذلك إلى بروز ظواهر حادة
في انقسام الوعي العربي مثل ظاهرتي التقديس والإقصاء اللتين لم تحكما الثقافة
العربية بشكلها الكلي فقط، بل امتدت لتمجّد التقسيمات الجغرافية والحيزات
المكانية، ولتخلق لكل بقعة (مهما كانت صغيرة) ثقافة مستقلة، وهوية خاصة تتباهي
بها، وتقارع بها الثقافات الشقيقة في اللسان والهوية والتاريخ، وتخلق بذلك
العصبيات الثقافية والانتماءات الضيقة التي تظهر مع أول ركون لفكرة المفاضلة، أو
التماحك الثقافي المعرفي، المحكوم أصلا بالقيمة وليس بالهوية، ولكن العصبية
والفزعة المكانية هي التي ظهرت وتسيدت فعليا وبشكل يدعو للحزن والسخرية معا.
إن ظاهرة التقديس والإقصاء لم
تحكما الجمع في نظرته إلى ورموزه الثقافية فقط، أي في نظرتها وتقييمها للذات، بل
امتد الحكم ليشمل الآخر في ثقافاته، وتعدداته المعرفية، فانقسم الحال إلى مقدِّس
لثقافة الآخر باعتبارها أنموذجاً أعلى، وبين مقصي لها باعتبارها بدعة وضلالة، وفي
كلا النظرتين خلل بيّن، لأن الآخر هذا يشمل كل ثقافات العالم التي ما نحن إلا جزء
منها، والتعامل معها ينبغي أن يكون من خلال النظرة العميقة، والدراسة الفاحصة،
والتتبع الواعي لمخرجات هذه الثقافات لأخذ الجيد منها، أما فكرة تخريج أنفسنا خارج
دوائرها، فهي حكم مسبق بالنفي الثقافي، والموت المعرفي للثقافة العربية التي تحتاج
للتفاعل الثقافي مع الآخر في هذا العصر، ربما أكثر من أي وقت مضى.
إن ثقافتنا العربية تحتاج اليوم
إلى غربال علمي، ونقدي لأوضاعها الراهنة، للقضاء على الكثير من الإشكالات الثقافية
والمعرفية؛ كالتماثل في الفعاليات والأسماء الثقافية، وظاهرة الشللية، والتناحر
والتباغض التي لا تليق بالثلة المثقفة أو النخبة التي هي- كافتراض - لسان حال
الأمة وضميرها الواعي، كما تحتاج إلى إحياء التعددية، والاختلاف الذي هو دليل
حيوية الثقافة، ونبذ أحادية الفكر، والتسليم المطلق الذي هو من أشد الظواهر
السلبية، فالوعي الثقافي والفكري ينبغي أن ينطلق من لا ثبات ولا تنميط للفكر الحر،
بل من اتساع وتعدد واختلاف، بحيث يشمل كل التيارات والتوجهات والمذاهب الثقافية
والمعرفية، المقاربة لنا والمختلفة معنا، لنتعلم منها فلسفة الاختلاف الصحي الذي
لا يفضي إلى الخلاف والفرقة والشقاق، ومنطق التباين الواقي من الثبات والنمطية،
وتقبل الآخر كما هو، لا كما نريد، لنقضي على علل الثقافة، ونستأصل أورامها
الخبيثة، لأنه كلما اشتد الاختلاف، واستوعب المثقف حقيقته، كثرت الأفكار الجديدة،
فازداد جسد الثقافة صحة وبهاء.