تأملات في سيرورة الكائن بين المطلق والعبث
د.فاطمة الشيدية
"ما في العالم إلا صور"
محي الدين ابن عربي
الكائن هذا المشتق من ماضويته، وتقرحات حاضره، وغيابت مستقبله، هذا الكيان الراغب في التكوّن منذ أول نقطة ينزلق فيها من كيانٍ لكيان في محاولة أن يصبح كيانه وكائنه الخاص، مادا بصره المرتبك نحو الكينونة الكبرى لإلزامها بالتكوين المرتجى والمغترف من حد الذات والآخر، ليجد ذاته بعد هنيهات من التشظي على سنن الكونية عدا في التكوينات، والصيغ اللانهائية للنهاية.
ليجد ذاته باحثا عن قدر أوسع خرجا، ليضع فيه كماله الناقص ونقصه الكامل. وقد يجد نفسه غارقا في التلاشي، غرام الكائنات التي تعاني من الخفر، وأشياء رفيعة تتساقط على مدرجات الكون في العبور المتهافت. الكائن مفرد الكائنات الهشة التي تحتاج أن تستمر ولكي تستمر تحتاج أن تشعر أنها ثقيلة، هذا الثقل الغرائبي والذي هو ضد الفراغ بالضرورة، وضد الوحشة والعواء والكائنات المتربصة به، هذا الثقل الذي لا يكون بالمال ولا بالفكر ولا حتى بالكراسي، ولا يكون إلا بعدد من القلوب التي تملأ ثقوب الروح وتصد البرد والوهن وأشياء أخرى.
القبح وجه آخر للجمال هكذا علينا أن نؤمن لنستمر، والفرح وجه آخر للحزن، الإيمان بالتناقضات الحقيقية والكثيرة في الكون والكائنات هي حالة السلام الذي يبحث عنها هذا الكائن، في وجود متناقض حتى الفصام، إنها محاولة التصالح مع اليقينيات بكل فجاجتها.
ووحدة الكائن مع تصاعد التكوين المجتمعاتي حالة حقيقة ومرعبة ومتصاعدة، أفرزها هذا العصر وبراجماتيته الجارحة، "الوحدة عبادة" هكذا قالوا قديما، لكنها اليوم لها وظائف أخرى، ألا وهي حماية الكائن الزجاجي من أشواك الآخر، التي قد تخدش جسده الشفاف بطاقات العبث إن لم يكن بنية الخدش المقصود.
الوحدة المتشكلة وفق روح الكائن المحتاط لكينونته من النفاد، الكائن الذي يتوحد مع ذاته أو مع ذات خارجية بلا روح، كعمل أو جهاز صامت، يسوي ما بينه وبينه بجهد أقل ليستمر، قد يكتب، وقد يرسم، وقد يرقص أو يغني، إنها حالات إدمان هروبية من ربقة الفراغ وبراثن الوحدة التي لا يطفئها آخر مهما كان، وقد يفعل لكن الأمر مؤقت أو موقوت بزمن، فذلك الآخر أيضا متوحد مع وحدته وراغب في إقصاء الفراغ والوحشة، فهو أيضا يتعشق الوحدة التي يهرب منها، ويتوحد مع ذاته في تصالح حاد وخفي مع الألم الذي يعيشه، لذلك يهرب الجميع من الجميع، ولا أحد يعرف مما يهرب، أو ممن يهرب. ثمة لسعات غيبية تجعل الكائن يهرب من نفسه ومن الآخرين، يهرب للداخل من الداخل وللخارج من الخارج، يهرب لأي معاناة يختارها طوعا.
العوالم الرقمية أصبحت تفتح بطونها للهاربين، نهرب منها وإليها، نهرب إليها منا وبنا، وكأننا نهرب منا إلينا. تباينات الكائن حالة طبيعية – مسلمة أكثر نتوءا - نحن متعدد بزوايا لسنا فردا واحدا (هل نحن أقنعة؟) إننا مجموعة أنوات متداخلة، كل منا كل، وهذا الكل متجزء لأنوات متحفزة للظهور حسب قنوات العرض الخاص والعام، هكذا نتدحرج في حيواتنا بكل تلك الكائنات المزدحمة تحت جلودنا الجاهزة لنفثها فور ما يستدعي الموقف.
هذه الأنوات ليست أرواحا فقط، إنها أجساد متشكلة يتداعي معها التكوين الخارجي، بشكل يتمظهر في بروز أجزاء وضمور أجزاء أخرى، فهل (الكائن) السعيد هو الغاضب؟ وهو الراضي، وهو السكران؟ وهو الذي على كرسي منصبه، وهو الذي بين يدي من يعشق، وهو أمام مسئول أعلى منه، وهو أمام من يعمل لديه.. ؟
إنها كائنات متعددة تتبادل أدوار الحضور والغياب والكلام والصمت والظهور والاختفاء. الكائن مصنوع لا يوجد كائن محض، وكل شيء يسهم في صناعته، من الثدي الذي يرضع حتى المادة التي يقبّل، لا كائن خالص بتفكيره وتوجهاته، بحزنه وفرحه، بذله وكرامته، بكبره وخضوعه.
الكائن عجينة الظروف الليّنة والقاسية، قليل من يتشكل خارجه، قليل من يتشيأ خارج أناه الجمعية والكلية الخالقة.
الكائن صنيعة الجغرافيا أولا، تهبه لونها وطولها وعرضها، تهبه رقتها أو جلافتها، تهبه ليونتها أو جفافها، تهبه حزنها أو قبحها، تهبه انغلاقها أو انفتاحها، تكوره أو تمد طوله، تجعله بدويا صحراويا أو تضرسه بأنيابها الجبلية، أو تجعله مالحا بزرقتها.
ويصنعه التاريخ بعد ذلك بثقل إرثه المحنّط في ذاكرة الزمن، وإحباطاته، وخساراته، ويصنعه المجتمع لاحقا بعاداته وتقاليده وخصوصياته، وهكذا يدخل الكائن المختبر أو المصنع الكوني منذه بضا حتى حتفه .
والكائن العصري كائن محبط بالنتيجة، يسير بتماهيه الخارجي والداخلي محاولا انتعال فكرة أو حلم، محاولا خلق مشاجب كثيرة ليعلّق عليها خيباته وانكساراته وربما أوهامه.
كائن يكثّف رغوة الوهم داخله، ويخلق كائنات تؤنس وحشته وتدلل طوباوية أحلامه التي تستطيل بفعل التشظي والجفاف، وتتمدد على جسده الذاهب نحو الموت كالنباتات الزاحفة على جسد الأرض.
كل شيء في البدء محض فكره، الحب فكرة، والخيانة فكرة، والمؤامرة فكرة. وكل فكرة هي مشجب صالح أو معد لتعليق الخيبات، ولتأجيل الموت قليلا، ولمواجهة القبح كثيرا ودائما.
وكل منتظر قادم هو (صنم) معبود لإطالة العمر، أو تدليل الوجع، فالكائن قد يدعي الحب ليخدع ذاته بعمر قادم، ويلوّن الأمل المبهرج على خارطة المسافات الناقصة في عمره، فيتحول الحب مشجبا، أو (صنما) غير مرئي، ويتقصى صورته في مساحات الآخرين، وحين لا يجده قد لا يبكي؛ لأن لديه صنمه أو مشجبه المؤقت الذي يمكنه أن يناجيه كلما عوت الروح كذئبة جائعة، هذا الصنم قد يكون وهما يعيش في الروح فقط، وقد يكون منتظرا كنبي مبشّر به، أو فكرة تربّت بإصرار، وقد يكون لعبة كالفنون التي تقامر بخلق كائنات وتأليه صفات متخيّلة فقط، أو مخدرا كالأفيون والشراب الذي يغير ألوان وطعم الأشياء.
الآخرون ( الجحيم) مشجب آخر لتقليل حجم الخسارات واستثناء الذات من فعل ما، يمارسه هذا الآخر، كالكذب أو النفاق أو الخيانة أو الغباء..الخ، نسبة القبح للآخر هي محاولة ضمنية لنفي القبح عن الذات وتقديم إجازة للفعل القبيح، أو لتعميم القبح بنسبته للآخر غير المرئي وغير المحدد، والكثير بالضرورة، لتبريره للذات فيما بعد، ولتخفيف وطأة الحكم عليها لأنها مشتركة مع الجمع في فعل ما، وإن كان قبيحا فهذا مبرر وجودي جمعي.
عقدة النقص حالة تعويض أخرى تتطلب مشجبا يوازي في معادلته الآخر الأجمل، في حين أن عقدة المؤامرة هي مشجب يوازي في معادلته الآخر الأقبح رمز الشر والموت، وهما في المحصلة تبرير للذات الوهنة وتصغير حجم عجزها عن أن تدان، لتكون هي أو كما تريد. كل العبور نحو الموت (أي الحياة) هي حالة مهادنة ضمنية للاستمرار، إلى أن تنكشف حجب الخزي بمقامرة الوعي بالحقيقة، ومواجهة الرعب ببيان عورة الأشياء الجاحظة بقبحها البيّن.
حينها تبدأ مرحلة التساؤل، وما أصعب تلك الهزات التي تصيب الكائنات غير الساكنة بفعل وخزات التأمل والوجع، الكائنات الملدوغة أبدا بصدى فكرة عابرة أو عابثة، أما المسلمات فلا تتحقق إلا ببعض جوانب التسليم الروحي، والسلام المنتسب للأعلى بفعله الحتمي والفوقي، والقائم ضد المساءلة، وضد التأمل القصي، أو بالسكون المجتمعي القائم على الرضا والقناعة .
وهنا قد تسعف اللغة (وجه العملة الآخر للتفكير) بيانات الريب، وقد لا تفعل، وكثيرا ما يخذلها البيان، وتكون عاجزة عن أن تكون جسرا للداخل، يسهل المشي على تعرجاته بحذر حاد، لنصل لمنطقة عالية جدا من التأويل الوجودي، لكائن محكوم أصلا بضدية الأشياء، فالحرية قد تكون عبثا، والمنطق قد يصبح خداعا، والكذب قد يصبح مجاملة، والحب قد يصبح شفقة الخ.
وقد تستلم (كهنا) لحالة من الهذيان الممسوس بالحكمة الغاربة، لكائن متربص في وجوده بالفهم الناقص، والرغبة الملحّة بطرق الأبواب الموصدة.
في هذا العالم المادي القبيح لا منطق للكينونة السافرة العبث، ولا جدوى لمحاولات التأويل القائمة عن منطقة الأشياء، فالأغوار تكشف مساحات أشد ارتباكا في علاقة الفرد بالفرد بالجماعة، وما بينهما من تشجر وتداخل نسبي، والصمت حجة على المتكلم، واللغة حجة على الصامت.
إن الرصد الغبشي للفكرة المائعة يجعلها خارج الرصد القائم على تأويل الفكر أو الهرمونيطيقا التي تحتاج الحذر في رصد ظاهرة ما والعناية في كشفها وتفسيرها، الكائن ليس ظاهرة ثابتة لذا فقراءته تنطلق من مناطق مرتبكة في هذا الفكر الكائني المتذبذب ،والمتغير بفعل عوامل الحركة والسكون الداخلية والخارجية، لذات القارئ والمتلقي معا ، إنها محنة الكائن والقراءة معا . .
د.فاطمة الشيدية
"ما في العالم إلا صور"
محي الدين ابن عربي
الكائن هذا المشتق من ماضويته، وتقرحات حاضره، وغيابت مستقبله، هذا الكيان الراغب في التكوّن منذ أول نقطة ينزلق فيها من كيانٍ لكيان في محاولة أن يصبح كيانه وكائنه الخاص، مادا بصره المرتبك نحو الكينونة الكبرى لإلزامها بالتكوين المرتجى والمغترف من حد الذات والآخر، ليجد ذاته بعد هنيهات من التشظي على سنن الكونية عدا في التكوينات، والصيغ اللانهائية للنهاية.
ليجد ذاته باحثا عن قدر أوسع خرجا، ليضع فيه كماله الناقص ونقصه الكامل. وقد يجد نفسه غارقا في التلاشي، غرام الكائنات التي تعاني من الخفر، وأشياء رفيعة تتساقط على مدرجات الكون في العبور المتهافت. الكائن مفرد الكائنات الهشة التي تحتاج أن تستمر ولكي تستمر تحتاج أن تشعر أنها ثقيلة، هذا الثقل الغرائبي والذي هو ضد الفراغ بالضرورة، وضد الوحشة والعواء والكائنات المتربصة به، هذا الثقل الذي لا يكون بالمال ولا بالفكر ولا حتى بالكراسي، ولا يكون إلا بعدد من القلوب التي تملأ ثقوب الروح وتصد البرد والوهن وأشياء أخرى.
القبح وجه آخر للجمال هكذا علينا أن نؤمن لنستمر، والفرح وجه آخر للحزن، الإيمان بالتناقضات الحقيقية والكثيرة في الكون والكائنات هي حالة السلام الذي يبحث عنها هذا الكائن، في وجود متناقض حتى الفصام، إنها محاولة التصالح مع اليقينيات بكل فجاجتها.
ووحدة الكائن مع تصاعد التكوين المجتمعاتي حالة حقيقة ومرعبة ومتصاعدة، أفرزها هذا العصر وبراجماتيته الجارحة، "الوحدة عبادة" هكذا قالوا قديما، لكنها اليوم لها وظائف أخرى، ألا وهي حماية الكائن الزجاجي من أشواك الآخر، التي قد تخدش جسده الشفاف بطاقات العبث إن لم يكن بنية الخدش المقصود.
الوحدة المتشكلة وفق روح الكائن المحتاط لكينونته من النفاد، الكائن الذي يتوحد مع ذاته أو مع ذات خارجية بلا روح، كعمل أو جهاز صامت، يسوي ما بينه وبينه بجهد أقل ليستمر، قد يكتب، وقد يرسم، وقد يرقص أو يغني، إنها حالات إدمان هروبية من ربقة الفراغ وبراثن الوحدة التي لا يطفئها آخر مهما كان، وقد يفعل لكن الأمر مؤقت أو موقوت بزمن، فذلك الآخر أيضا متوحد مع وحدته وراغب في إقصاء الفراغ والوحشة، فهو أيضا يتعشق الوحدة التي يهرب منها، ويتوحد مع ذاته في تصالح حاد وخفي مع الألم الذي يعيشه، لذلك يهرب الجميع من الجميع، ولا أحد يعرف مما يهرب، أو ممن يهرب. ثمة لسعات غيبية تجعل الكائن يهرب من نفسه ومن الآخرين، يهرب للداخل من الداخل وللخارج من الخارج، يهرب لأي معاناة يختارها طوعا.
العوالم الرقمية أصبحت تفتح بطونها للهاربين، نهرب منها وإليها، نهرب إليها منا وبنا، وكأننا نهرب منا إلينا. تباينات الكائن حالة طبيعية – مسلمة أكثر نتوءا - نحن متعدد بزوايا لسنا فردا واحدا (هل نحن أقنعة؟) إننا مجموعة أنوات متداخلة، كل منا كل، وهذا الكل متجزء لأنوات متحفزة للظهور حسب قنوات العرض الخاص والعام، هكذا نتدحرج في حيواتنا بكل تلك الكائنات المزدحمة تحت جلودنا الجاهزة لنفثها فور ما يستدعي الموقف.
هذه الأنوات ليست أرواحا فقط، إنها أجساد متشكلة يتداعي معها التكوين الخارجي، بشكل يتمظهر في بروز أجزاء وضمور أجزاء أخرى، فهل (الكائن) السعيد هو الغاضب؟ وهو الراضي، وهو السكران؟ وهو الذي على كرسي منصبه، وهو الذي بين يدي من يعشق، وهو أمام مسئول أعلى منه، وهو أمام من يعمل لديه.. ؟
إنها كائنات متعددة تتبادل أدوار الحضور والغياب والكلام والصمت والظهور والاختفاء. الكائن مصنوع لا يوجد كائن محض، وكل شيء يسهم في صناعته، من الثدي الذي يرضع حتى المادة التي يقبّل، لا كائن خالص بتفكيره وتوجهاته، بحزنه وفرحه، بذله وكرامته، بكبره وخضوعه.
الكائن عجينة الظروف الليّنة والقاسية، قليل من يتشكل خارجه، قليل من يتشيأ خارج أناه الجمعية والكلية الخالقة.
الكائن صنيعة الجغرافيا أولا، تهبه لونها وطولها وعرضها، تهبه رقتها أو جلافتها، تهبه ليونتها أو جفافها، تهبه حزنها أو قبحها، تهبه انغلاقها أو انفتاحها، تكوره أو تمد طوله، تجعله بدويا صحراويا أو تضرسه بأنيابها الجبلية، أو تجعله مالحا بزرقتها.
ويصنعه التاريخ بعد ذلك بثقل إرثه المحنّط في ذاكرة الزمن، وإحباطاته، وخساراته، ويصنعه المجتمع لاحقا بعاداته وتقاليده وخصوصياته، وهكذا يدخل الكائن المختبر أو المصنع الكوني منذه بضا حتى حتفه .
والكائن العصري كائن محبط بالنتيجة، يسير بتماهيه الخارجي والداخلي محاولا انتعال فكرة أو حلم، محاولا خلق مشاجب كثيرة ليعلّق عليها خيباته وانكساراته وربما أوهامه.
كائن يكثّف رغوة الوهم داخله، ويخلق كائنات تؤنس وحشته وتدلل طوباوية أحلامه التي تستطيل بفعل التشظي والجفاف، وتتمدد على جسده الذاهب نحو الموت كالنباتات الزاحفة على جسد الأرض.
كل شيء في البدء محض فكره، الحب فكرة، والخيانة فكرة، والمؤامرة فكرة. وكل فكرة هي مشجب صالح أو معد لتعليق الخيبات، ولتأجيل الموت قليلا، ولمواجهة القبح كثيرا ودائما.
وكل منتظر قادم هو (صنم) معبود لإطالة العمر، أو تدليل الوجع، فالكائن قد يدعي الحب ليخدع ذاته بعمر قادم، ويلوّن الأمل المبهرج على خارطة المسافات الناقصة في عمره، فيتحول الحب مشجبا، أو (صنما) غير مرئي، ويتقصى صورته في مساحات الآخرين، وحين لا يجده قد لا يبكي؛ لأن لديه صنمه أو مشجبه المؤقت الذي يمكنه أن يناجيه كلما عوت الروح كذئبة جائعة، هذا الصنم قد يكون وهما يعيش في الروح فقط، وقد يكون منتظرا كنبي مبشّر به، أو فكرة تربّت بإصرار، وقد يكون لعبة كالفنون التي تقامر بخلق كائنات وتأليه صفات متخيّلة فقط، أو مخدرا كالأفيون والشراب الذي يغير ألوان وطعم الأشياء.
الآخرون ( الجحيم) مشجب آخر لتقليل حجم الخسارات واستثناء الذات من فعل ما، يمارسه هذا الآخر، كالكذب أو النفاق أو الخيانة أو الغباء..الخ، نسبة القبح للآخر هي محاولة ضمنية لنفي القبح عن الذات وتقديم إجازة للفعل القبيح، أو لتعميم القبح بنسبته للآخر غير المرئي وغير المحدد، والكثير بالضرورة، لتبريره للذات فيما بعد، ولتخفيف وطأة الحكم عليها لأنها مشتركة مع الجمع في فعل ما، وإن كان قبيحا فهذا مبرر وجودي جمعي.
عقدة النقص حالة تعويض أخرى تتطلب مشجبا يوازي في معادلته الآخر الأجمل، في حين أن عقدة المؤامرة هي مشجب يوازي في معادلته الآخر الأقبح رمز الشر والموت، وهما في المحصلة تبرير للذات الوهنة وتصغير حجم عجزها عن أن تدان، لتكون هي أو كما تريد. كل العبور نحو الموت (أي الحياة) هي حالة مهادنة ضمنية للاستمرار، إلى أن تنكشف حجب الخزي بمقامرة الوعي بالحقيقة، ومواجهة الرعب ببيان عورة الأشياء الجاحظة بقبحها البيّن.
حينها تبدأ مرحلة التساؤل، وما أصعب تلك الهزات التي تصيب الكائنات غير الساكنة بفعل وخزات التأمل والوجع، الكائنات الملدوغة أبدا بصدى فكرة عابرة أو عابثة، أما المسلمات فلا تتحقق إلا ببعض جوانب التسليم الروحي، والسلام المنتسب للأعلى بفعله الحتمي والفوقي، والقائم ضد المساءلة، وضد التأمل القصي، أو بالسكون المجتمعي القائم على الرضا والقناعة .
وهنا قد تسعف اللغة (وجه العملة الآخر للتفكير) بيانات الريب، وقد لا تفعل، وكثيرا ما يخذلها البيان، وتكون عاجزة عن أن تكون جسرا للداخل، يسهل المشي على تعرجاته بحذر حاد، لنصل لمنطقة عالية جدا من التأويل الوجودي، لكائن محكوم أصلا بضدية الأشياء، فالحرية قد تكون عبثا، والمنطق قد يصبح خداعا، والكذب قد يصبح مجاملة، والحب قد يصبح شفقة الخ.
وقد تستلم (كهنا) لحالة من الهذيان الممسوس بالحكمة الغاربة، لكائن متربص في وجوده بالفهم الناقص، والرغبة الملحّة بطرق الأبواب الموصدة.
في هذا العالم المادي القبيح لا منطق للكينونة السافرة العبث، ولا جدوى لمحاولات التأويل القائمة عن منطقة الأشياء، فالأغوار تكشف مساحات أشد ارتباكا في علاقة الفرد بالفرد بالجماعة، وما بينهما من تشجر وتداخل نسبي، والصمت حجة على المتكلم، واللغة حجة على الصامت.
إن الرصد الغبشي للفكرة المائعة يجعلها خارج الرصد القائم على تأويل الفكر أو الهرمونيطيقا التي تحتاج الحذر في رصد ظاهرة ما والعناية في كشفها وتفسيرها، الكائن ليس ظاهرة ثابتة لذا فقراءته تنطلق من مناطق مرتبكة في هذا الفكر الكائني المتذبذب ،والمتغير بفعل عوامل الحركة والسكون الداخلية والخارجية، لذات القارئ والمتلقي معا ، إنها محنة الكائن والقراءة معا . .
تعليقات