التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

حفلة تأبين

فاطمة الشيدي



نص من كتاب "دم دم ـــات" الصادر عن دار نينوي 2010
كانت قد ماتت من زمن ليس بقصير، ولكن يبدو أنه لم يكن مقتنعا تماما بذلك؛ لذا قرر أن يقتلها ضمن فكرة الموت ذاتها، يقتلها مرة أخرى، أو مرات كثيرة، يقتلها كثيرا وطويلا.. فبعد أن تدثرت بسوادها، وظنته ذهب إلى غير رجعة، عاد فجأة فارتعشت روحها فرحا وحزنا وخوفا..
إذن؟! تدحرجت الاحتمالات على مساراتها شتى متنافرة، والقليل منها يصب في دائرة سوء الظن..
حدث ذلك حين فتح قبرها وحيا جثتها بود حميم، وانحنى أمامها برفق ورُقي، وقدّم لها بطاقة جميلة، تحمل دعوة لحفلة ما!!
فتحتها كانت دعوة لحفلة موسيقية، فرحت كما الفرحة الأولى عندما قبّل يدها. ولكنها عرفت بعد قليل أنها حفلة راقصة!
تساءلت بحزن، كيف لها أن تحضر كهذه الحفلة؛ والدود لم يشبع من جثتها بعد؟ ولكن؛ ما كان لها أن ترفض له طلبا في موتها، تماما كما كانت في حياتها!!
أخرجت فساتينها الجميلة، كان الأحمر والأسود يتزاحمان.. أحبت الأحمر، ولكن شيئا ما جعلها ترتدي الأسود، سيظهر جمال الكتفين ورقتهما، وبهاء العنق والصدر في المتاح من ياقته الواسعة، وستبرز الكشكشات أعلاه أنوثة ساعديها.. وستظهر زماته رقة خصرها، وانتفاخة الجزء السفلي سيجعلها تتهادى كأميرة من أزمنة سحيقة!!
وضعت قبعة مناسبة بغطاء دانتيلي عند منطقة العينين، كما لبست قفازا طويلا وزيّنته بخواتم شهية، وأساور بفصوص زرقاء، والقليل من الحلي عند منطقة الصدر.
ذهبت بتوجس جم..!!
دخلت القاعة الواسعة، هالها وأرعبها أنه لا يوجد سواهما، قبّل يدها وأجلسها في مقعد قريب منه، ولكن ليس بالقرب المناسب كي تسمع دقات قلبه، أو تشم رائحة عطره، أو حتى تسمع نحيبه الصامت الذي تحب!
بدأت الحفلة؛ وبدأت الأوركسترا تعزف مقاطع مختلفة بحدة وعنف، من بيتهوفن، موازات، هايدن، باخ، وآخرين..
الموسيقى تعزف وجسدها يرتج، يرتعش، ينتفض كحي يفارق الحياة للمرة الألف ببطء شديد، شعرت أن روحها تغرغر، أحست بحالة تأبين عنيف لجسدها، ولروحها، ولزمنها الآفل..
قالت له: أرجوك هذا يكفي!
ولكن! كان لابد أن ينتهي حفل التأبين، ولابد أن تعزف كل تلك المقطوعات على روحها لتتحرّق ببطء، كانت عملية قتل بطيئة، الموت الحرام، الذبح الحرام، قالت في روحها وهي تتقطع وتبكي، حتى الحيوانات لابد أن تذبح بسرعة وتموت بسرعة.
ولكنه كان يقتلها ببطء..!!
كانت تعلم أن ذلك العقاب العظيم، هو الجزاء المناسب تماما لجريمتها الكبرى؛ جريمة العشق العظيمة..
كانت الموسيقى تعزف، وهي ترتج، وتترنح، وتموت ببطء، وتتذكر؛كيف قابلته أول مرة، كانت حزينة أيضا، حين لمحت غبارا في مكان ما، وحين مسحته بصمت كان ثمة خاتم ماسي، نفضته قليلا ومسحت عليه، فخرج لها المارد، قالت له: "أريد حلما" لم يستشرها، أخذها من روحها، ورماها على قارعة الحنين، هناك تماما شعرت بالرعب، ولكنها عبرت إليه بقدمين عرجاوين، وبخطوتين مختلفتين.
الموسيقى لا تزال تعزف بعنف، فتتكاثر السياط على جسدها الهش، فتبكي، ولكنه لا يسمعها، منذ البدء كانت تعرف أنه أصم، إنه يتكلم فقط، وينظر في عين النهر ليرى زهرته البيضاء..
هي هناك في الحفلة، والذاكرة تتخبط في طريقها بين ممرات الحنين..
في البدء حين شعرت بالرعب من زهرة نرسيس، زمت خطوتيها معا، وغادرت الضفاف، ولكنه قرر سحب خطوتها نحو النهر، قليلا قليلا؛ أغراها بحسنه، بلمعان الماء في ذاكرته، أغراها بالملح والحزن..
قال: تعالي .. تعالي.. تعالي.. وكانت هي تتقدم.. تتقدم برعب وبرغبة يبررها عشقها للماء وللزهور!!
اقتربت منه، وجلست بمحاذاته، أوقفها قليلا، حتى قربها منه ذات مرة، كان كما يبدو يتخذ قراره العظيم بروية،كي يدنيها منه، ولذا هيأ لها مساحة غير عادلة، مساحة هو فقط من يتحكم فيها، قربا وبعدا.. طولا وقصرا، عرضا أو بزاوية ما..
أيقظها صوته الطفل الذي يحبو بعذوبة جمة، ويتأتئ عن الحزن والفرح، عن الماضي والذكريات، عن الشعر والحلم والنحيب، صوته الذي أحبته، صوته الضوئي، الذي تغريه العتمة، ولكنها أحبت الغفلة والغفا على حوافه..
كان صوته مزمار داوود بالنسبة لها، ولكنه كان بعيدا عنها، كي تشرق بالوله، ربما!! (كما كان يخطط) كان كل شيء بمقدار وبحساب..
والميزان قاصر ..
تتذكر الآن تلك اللعبة التي هي عبارة خشبة يتوسطها حجر ما، وتصلح لشخصين فقط، يفوز فيها الأثقل، والتي كانا يلعبانها في اللاوعي، وكان هو المنتصر دائما وكثيرا ما يكون الأمر بإرادتها..
عرفته جيدا .. عرفت انشطاره بين زمنين، وبين عالمين، وبين فكرتين، وانكساره على حد سكين واحدة.. كان في الليالي التي يكون فيها بلا معاطف تحميه من المطر الداخلي الحميم، المطر الحبيب العميق والثر والذي يشتهي الاغتسال به كل ثانية، المطر الربيعي الخريفي، الحنون القاسي، المطر القريب البعيد، العظيم الضعيف، الوافر الشحيح
يلجأ للبكاء عليه فقط..فقط..
وكان يخاف من فكرة الحلم بالرذاذ أو بالطل، أو حتى بالقليل من الرطوبة، حتى لا يقع فريسة نميمة الضباب، أو يتناهي للسماء فتحجب عنه المطر، لذا كان يتعشّق الظمأ والسراب، ويعتذر كثيرا حتى الحلم بالرواء..
كان نحاتا ينحت الوقت بحرفية شاعر، ولكنه منذ زمن توقف عن النحت، بعد أن نحت تمثاله العظيم من أعصابة وروحه وعقله، أصبحت فكرة نحت تمثال آخر كاذبة، مراوغة منتهية، ميتة تماما.. وأصبح البكاء على الأطلال كل ما يجيده..
الموسيقى تتصاعد، كانت تتذكر البحر، والصواري، والغافات بظلها المنكسر، والنخيل بحنينها الخرافي.. تتذكر المواسم، والفصول، ويسقط في روعها صوت فيروز الصباحي"حبيتك بالصيف حبيتك بالشتى"
كانت الموسيقى تشتعل وتتصاعد وهي بلا ذاكرة.. فالذاكرة تمخر في أروقة الكتب، وحناجر الدمع، وغرغرة قصائد العزاء، والبكاء والأطلال، والشعر يتساقط على رأسها كحصى السجيل "أمر على الديار ديار ليلى ...... وماحب الديار تملك قلبي... "، " هل غادر الشعراء من متردم.. وودت تقبيل السيوف"، لخولة أطلال"، " بانت سعاد"، " أفاطم مهلا"..
كهذه الأسماء نساؤه أو دماه، فمؤخرا اكتشف خدعة جديدة، يخدع بها ذاته، ويحرك بها مفاتن الحكاية، ويردم بها هوة الوقت، مراوحات ضمنية يغير بها على فيالق الحزن والكآبة والأرق التي تنهشه كلما اشتد سعير الوقت، ويشاغل بها الموت الذي يقترب بقوة من صدره الممتلئ بغرغرات الحنين وبرائحة المطر .
قرر أن يصنع الدمى حين عجزت أصابعه عن النحت، يصنع دمى ميتة وناقصة، ويخدع نفسه أنه يحبها، يحبها قليلا، بما يمكن لقلب حي ومضيء أن يستمر ويتلذذ، ولكنه ما أن ينتبه؛ وليس إلا قليل وقت حتى يصحو من غفلته، حتى يغير على جسدها تهشيما ونهشا، يقتلها ويدمرها، ثم يبكيها، وهو يعتذر لنفسه ولذاكرته ولمطره..
كانت تلك الدمى العاجزة الميتة أقل من حنين المطر وفوضاه، وأضعف من أن تلامسه أو تشعل ولعه وهلاكه، الدمى التي بلا دم، وبلا عقل وبلا تفكير وبلا كرامة، والتي كثيرا ما يهبها أمثولة المطر، ولسانه وصوته وقده وقوامه وحكاياته، فلا بأس، لا بأس أن يقتلع عينها ليثبت في مكانهما صورة منه، أو يهبها صوته (المجاز جائز، والحلم متحقق وفق شروط المخيلة الخصبة) وهكذا يمضي به الزمن وهو مشغول ومقتول حتى آخر رمق..
أف أففففففففففففف يالهذه الموسيقى ..لقد تحولت إلى سكاكين كثيرة، أصبحت تجرحها في كل خاصرة وقلب، يشخب دمها .. يسيل .. يسيل، الدم يقترب من الفرقة، والموت يقترب منها، والذاكرة تشرد تشرد !!
حاولت الهرب، قالت: ليحترق الكون بما فيه، وأنجو بآخر رمق من كرامتي المهدورة على يديه الوارفتين بالحب والظلال
لأخرج من هذه القاعة قبل أن ينضب دمي ..
لاااا ؛ انتظري صرخ فيها، أغراها بصوته الذي تحب مجددا، بحزنه وموته، إذ سقط عند أقدامها، وارتعش وابتل وشهق، وهو يقول لها "أحبك"..
يا إلهي ..هل لابد أن يتشقق هذا الجسد؟,, هل لا بد أن تنفصل تلك الأعضاء؟ هي لا تملك فواكه الجنة المحرمة، ولا مغريات حقيقية إلا حروف مصبوغة بالدم !!
والحب؟ كانت الذاكرة تحاكم الحاكم !!
كانت تعلم أنها حالة ضمن الحالات، وأن للأشياء تصنيفات كثيرة، وألوان كثيرة ومقاسات كثيرة عند بائعي الحلوى، وبائعي الزهور والنحاتين والموسيقيين، والشعراء..
والجسد قافية الروح وقافلتها وجسرها!!
الموسيقى لا تزال تتصاعد، واللحن يشتعل وموزارت يشرب الدم في كؤوس اللغات، وهايدن يذبح الضحية من الوريد للوريد بتأن ويسر !!
والذاكرة تجتاح المتبقي من الفراغات في الرأس المنفصل عن جسده، لااا الجسد مهد الروح وكفنها، وعقابها، وموتها وخرابها، ولكن الروح ليس لها إلا مدخل واحد ومدينة واحدة، وعرفة واحدة، وموت واحد..
النزر اليسير لحب يجري في النهر بحفاوة العبور، يعبر مرايا نرسيس بعد أن يغبّرها بالدم والعشق الطارئ. ويكتب قصيدته الخالدة بجسده الترابي على النهر، ثم يعبر، يعبر بين علامتي تنصيص، أو شرطتين معترضتين، أو بين موتين وخرابين وذاكرتين.
فلا متسع لحب متوحد أو وحيد، فالوحدانية شرك بالمحبوب، بالنص الأكبر، ومادون ذلك هوامش طيبة، ومؤقتة، ومحايدة كشمس نيسان..
ومادون ذلك رعب من أن تتبصر الأكف في مراياها، أو الأعين في مقلها، أو اللسن في محياها ..
وفقط !!
فقط !
أنا لا أستطيع .. لا أستطيع
كانت الذاكرة قد فرغت من السرد، ولكن ما أن نظرت في عينيها؛ فقدت قدرتها على الكلام للأبد فحلقت بعيدا ..
الحفلة لا تزال مستمرة في العزف والجلد، وبدل أن توشك على النهاية..لملمت أطراف ثوبها المنتفخ وأخذت ترقص.. كانت تعوي، وتموت، وتمزق كل شيء إربا إربا.. لاااا لا لهذا الموت القليل، لا لهذا الكذب العظيم.. لااا لهذه الفصول المتحوّلة، لا لهذا الهيكل الهلامي الذي بلا تصنيف محدد، لااااااااااااااا لهذا الارتباك..
كانت ترقص والموسيقى تتصاعد
والدم ينزف حتى آخر حرقة
اقترب منها، وهمس في أذنها بحنان جم
ماذا تفعلين!؟
قالت أشفى منك ..أحرر روحي من الألم!!
وضعت رأسها على صدره، كانت تسمع نبضاته في اتجاهين، وتسمع المطر يقهقه بالقرب من موتها تماما!!
لم تبكِ كانت جافة تماما، ومنكسرة تماما، وكانت تتحرك بهستيرية لا يقدر على مجاراتها، تمنى أن تقف قليلا، أن تسمع كذبته (حتى على نفسه) لآخر مرة!!
ولكن! لم يكن ذلك ممكنا كانت تغرغر بحدة، وتشهق وهي تموت، "ليس قتلي حلالا لتقتلني كلما اشتهت روحك لعق الدماء.. ولست إلا أحبك!!"
استدار على موتها، صرخ في يتمها أرجوك افهميني " أنا أحبك"
ولكنها كانت مأخوذة بالدم، كانت الفصول تتابع في رأسها، والرياح تعوي في ذاكرتها، فتبتسم..!!
كانت تحسد المطر على كل شيء، على حصاد المواسم، وغناء الأعياد، على صليل السيوف، وبهرجة الموالد، على اعتذارات المساءات، وبكاءات الأطلال، وحنين المدن، على كل ذلك العشق، والموت الخرافي!!
وداعا؛ قالت له: وهي تغادره بحنانها وحنينها، وبطيبة غير مفتعلة!
ذهبت عنه؛ وهي تدرك أن وفرة هذا الدم، لا تليق إلا بملاك، لتقر عينها بالعدل والقناعة السماوية، فهدأت قليلا؛ وهي تغيب، ذهبت وهو متسمّر على كرسيه الأثير، غير منتبه، أو غير مرتبك، لأن هذه الدمية الممزقة كان لابد أن تذهب يوما ما، وفق قانون المنفعة والشتات، ولكنها فقط كانت أكثر حدة، وهي تموت مما ينبغي، أو مما توقع، ولم ينتبه أنها كانت جاحظة العينين، وأن سياط الموسيقى كانت حفرت أخاديد في جسدها، فنزفت كل دمائها، وأنها غادرته إلى قبرها بلا قلب، لأنها نزعته بأصابعها، وأودعته اللحن العظيم!!

تعليقات