الكتابة مخاض عسر، وكل نص هو مشروع مسودة دائمة، حتى لو ظهر في كتاب، لذا ومن هذا الباب فكل شيء لدي مسودة قابلة للتغيير والتعديل، ومن هذا الباب إذن لدي مسودات كثيرة..
وفي الغالب يرعبني الاقتراب من مسوداتي، كي لا أغتال براءتها العفوية والانفعالية البسيطة في الحضور البدئي، وفي التشكل الأوّلى، لذا فإظهار مخطوط لحيز النور والقارئ، هو مجازفة أتورع كثيرا قبل الإقدام عليها.
قبل بدء الكتابة بالنقر على لوحة مفاتيح، (وكان هذا يشكّل شيئا بعيدا، وأصبح الآن الأصل في الكتابة) كنت أحتفظ بالمسودة الثانية أو الثالثة على الأقل، لأن الأولى تكون (شخبطة عفوية) وبها الكثير من ماء الكتابة، ومن وهج الروح الحر والمباشر، والقليل من الصنعة.
ولكن هذه المسودات مشروع غير قابل للتعاطي، والمشاركة مع الآخر؛ لأنها جنين غير مكتمل، أو مشوّه خلقيا، يمكن الاحتفاظ به في زجاجة؛ كحد أدني من التعاطف معه، ومن الولع به، إن لم يكن من باب كرامة الموتى، دفنه السريع في كرم التراب، أو تمزيق جسده الهش ليستقر فتاتا في أقرب سلة مهملات. أما المجازفة بتعريضه للآخر قارئا وناقدا، فهي أمر صعب؛ لأنها حالة من تعرية النقص أمام الآخر، وكلنا يحاول لملمة نقصه في بؤرة الخاصة، ومواراة ما يستطيع من عيوبه عن أعين الجمع، هذا إن لم أقل أن معظمنا يدعي الكمال، ويخشى النقد، إلا إذا كان الكاتب عبقريا طبعا، ويمكنه أن يكتب بضربة قلم أولى نصا ناضجا، - وأنا بلا تواضع كاذب- لست كذلك، ولذا لا أرى في مسوداتي مشروع للنقد أو التقديم.
وجاءت التكنولوجيا الرقمية -وللأسف- فقضت على المسودات تماما، فلقد أصبحت كل مسودة تأكل أختها -كأنثى العنكبوت تأكل شريكها- وكل تعديل يمحو أثر سابقه، وكأنه حالة من المشي على الرمال تتبعها ريح خفيفة تغيّب كل أثر لمن مشى قبله.
لقد أفقدت الرقمية النص ذاكرة مراحله، التي يمكن أن تكون أشبه بمراحل المشي للكائن الحي، فلا نعود نتذكر في المرحلة الأخيرة منه، محاولات الحبو البسيطة، وسقوطاته المبكرة؛ لأننا نجد أمام عيننا نصا مستويا على قدمين فقط.
إن مسودة النص تعتبر وثيقة هامة للشاعر أو الكاتب، وللقارئ فيما بعد، خاصة بعد موته، أو إذا بلغ الكاتب أو الشاعر شأوا عظيما، ولذلك فهي تستمد قوتها وثراءها من مستواه، ومن قيمته وقيمة ما يكتب، وأعتقد بالفعل أن الحصول على مسودة نص (لمن يملك المال، ولديه هوس شراء الأشياء القيّمة) أهم من فستان، أو نظارة، أو عصا، أو حتى قلم لأحدهم، خاصة لكاتب بلغ شهرة عالمية، أو حصل على جائزة كبيرة كجائزة نوبل مثلا॥
وفي الغالب يرعبني الاقتراب من مسوداتي، كي لا أغتال براءتها العفوية والانفعالية البسيطة في الحضور البدئي، وفي التشكل الأوّلى، لذا فإظهار مخطوط لحيز النور والقارئ، هو مجازفة أتورع كثيرا قبل الإقدام عليها.
قبل بدء الكتابة بالنقر على لوحة مفاتيح، (وكان هذا يشكّل شيئا بعيدا، وأصبح الآن الأصل في الكتابة) كنت أحتفظ بالمسودة الثانية أو الثالثة على الأقل، لأن الأولى تكون (شخبطة عفوية) وبها الكثير من ماء الكتابة، ومن وهج الروح الحر والمباشر، والقليل من الصنعة.
ولكن هذه المسودات مشروع غير قابل للتعاطي، والمشاركة مع الآخر؛ لأنها جنين غير مكتمل، أو مشوّه خلقيا، يمكن الاحتفاظ به في زجاجة؛ كحد أدني من التعاطف معه، ومن الولع به، إن لم يكن من باب كرامة الموتى، دفنه السريع في كرم التراب، أو تمزيق جسده الهش ليستقر فتاتا في أقرب سلة مهملات. أما المجازفة بتعريضه للآخر قارئا وناقدا، فهي أمر صعب؛ لأنها حالة من تعرية النقص أمام الآخر، وكلنا يحاول لملمة نقصه في بؤرة الخاصة، ومواراة ما يستطيع من عيوبه عن أعين الجمع، هذا إن لم أقل أن معظمنا يدعي الكمال، ويخشى النقد، إلا إذا كان الكاتب عبقريا طبعا، ويمكنه أن يكتب بضربة قلم أولى نصا ناضجا، - وأنا بلا تواضع كاذب- لست كذلك، ولذا لا أرى في مسوداتي مشروع للنقد أو التقديم.
وجاءت التكنولوجيا الرقمية -وللأسف- فقضت على المسودات تماما، فلقد أصبحت كل مسودة تأكل أختها -كأنثى العنكبوت تأكل شريكها- وكل تعديل يمحو أثر سابقه، وكأنه حالة من المشي على الرمال تتبعها ريح خفيفة تغيّب كل أثر لمن مشى قبله.
لقد أفقدت الرقمية النص ذاكرة مراحله، التي يمكن أن تكون أشبه بمراحل المشي للكائن الحي، فلا نعود نتذكر في المرحلة الأخيرة منه، محاولات الحبو البسيطة، وسقوطاته المبكرة؛ لأننا نجد أمام عيننا نصا مستويا على قدمين فقط.
إن مسودة النص تعتبر وثيقة هامة للشاعر أو الكاتب، وللقارئ فيما بعد، خاصة بعد موته، أو إذا بلغ الكاتب أو الشاعر شأوا عظيما، ولذلك فهي تستمد قوتها وثراءها من مستواه، ومن قيمته وقيمة ما يكتب، وأعتقد بالفعل أن الحصول على مسودة نص (لمن يملك المال، ولديه هوس شراء الأشياء القيّمة) أهم من فستان، أو نظارة، أو عصا، أو حتى قلم لأحدهم، خاصة لكاتب بلغ شهرة عالمية، أو حصل على جائزة كبيرة كجائزة نوبل مثلا॥
من تحقيق أجراه عاصم الشيدي لملحق شرفات ، جريدة عمان
تعليقات