التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا
ملحق نون الشبيبة

(بمناسبة اليوم العالمي للكتاب)


العلاقة مع الكتاب هي ذات العلاقة مع الكون والطبيعية والبشر، حيث إدراك الداخل الذي هو محور الخارج، والذي يحدد محاور الأهمية والعلاقة الدائمة أو المؤقتة، السريعة أو المتشكّلة بوعي وتدرج مع الأشياء والكائنات، فالطبيعة الخاصة للذات والروح هي التي خلقت الحاجة للقراءة، كالعزلة والحزن ورفض السائد، والميل للتجديد، والتحدي، والارتهان للجمال والقيم العليا، والبياض المثالي أحيانا كثيرة।هذه الحالة التي بدأت بالتدرج في قراءة الذات حتى الوصول للفهم والتصالح التام معها، تقرأ كل شيء، تماما كما تتعامل مع كل البشر، حتى تدرك ذاتك، وتحدد دوائرك وما يجب أن تقرأ وكيف تتعامل، فتشعر بالانسجام مع الذات والكون والأشياء، ويتبلور حدسك الراقي فتعلم أن هناك كتاب يجب أن تضعه في مقابل روحك ووعيك وعقلك لتقرأه كثيرا، لأنه من العمق والاستغلاق بمكان بحيث أنك ستكتشف زاوية ما، وبلاغة خاصة منه كل قراءة، وهذا سيحدث دائما غالبا، وهناك كتاب يكفيك أن تلمحه لتبتسم وتشعر بالفرح، لأنك تحفظ محتواه الجميل، لقد قرأته بما يكفي واستوعبت أجزاءه بوعي وحب جارف، ولكنه يجب أن يبقى قريبا منك لتتذكر ما فيه، وهناك كتاب لا يمكن أن تقرأه إلا مرة واحدة، ككائن ليس عليك أن تقابله إلا مرة واحدة وهذا يكفي بكل ما أودع فيك أو نزع منك من جمال، وهناك كتاب قرأته ولم يقدم لك شيئا وصار عليك أن تبعده من مكتبتك ليفسح المجال لكتاب أكثر قيمة وجمالا، وهناك كتاب يمكن أن تضعه في رف بعيد لأنك قد تحتاج منه معلومة ذات يوم، وهناك كتاب حاد وصارم ككتاب قواعدي لا يمكن أن تلتذ بتصفحه ولكنك تحتاجه كثيرا، وهناك كتاب تبحث عنه بجهد فقط لتحصل منه على معلومة ما بشكل عاجل وسريع وعملي، وهناك كتاب تبحث عنه بشغف لأنك ترغب أن تقرأه بشغف أيضا، وهناك تضعه تحت المخدة، وكتاب يمكن أن يرافقك للبحر، وكتاب لابد أن تجلس بكامل رزانتك وتضع نظارة سميكة في حضرته، وكتاب تهيم فيه حتى تنسى الوجود معه، وكتاب تظل تحلم أن تقرأه وقد لا تفعل!


أما متى وكيف بدأت علاقتي بالكتاب؟ فقد كانت مع عثرات وبدايات العمر المحكوم بالقصر مهما امتد، ومع جزء من الكتاب الأعظم مغلّف بقماشة خاصة، نحمله إلى المْعلم كل صباح نتدارسه مع المْعلم "طه"، والمْعلمة "زينب" (وهما الأكثر تصدرا في الذاكرة مع وجود آخرين) وشركاء الرحلة الصباحية والدرس الصفي الذي ليس أكثر من حوش واسع، أو "سجم" كبير وهو مصطبة عالية مصنوعة من السعف، وحين كان مقدار فهم وحفظ سُوَرهِ هي معيار فهمك ووعيك وشخصيتك -إذا جاز لنا هذه التعابير الكبيرة في عمر يبدأ من الثلاث أو الأربع سنوات- لأن فهمك له سيعطي عنك انطباعا إيجابيا أو سلبيا مع أسرتك التي تسألك كل يوم عن حفظك وفهمك، ومع المعلم الذي سينعكس تقييمه على معاملتك، وعلى المهام التي سيسندها إليك مثل تدريس الأقران، ومراجعة الحفظ معهم، وهي مهمة كنا نحرص عليها لما تخلق لنا من مكانة عالية ذاتيا وجمعيا، وبذلك كانت أهمية الكتاب تتشكل في اللاواعي من الوعي.
ثم صورة كتب مغلفة بغلاف سميك في يد والد يحرص على قراءتها غالبا حتى على ضوء مصباح شحيح الضوء، الأمر الذي سيجعلك فيما بعد تدخل ضمن لعبة القراءة الجهرية له، لتحفيزك على القراءة ولتقييم قراءتك أكثر منها رغبة منه في الاستمتاع بصوتك الطفلي، وهو يقرأ من كتب لا قدرة لك على فهمها في ذلك العمر، وهي المهمة التي كنا نتبادل عليها (ثلاثة على الأقل) بخوف وملل وحذر وأمنية لدى كل منا أن تكون للآخرين، ولكن ولسوء حظي أو حسنه (لا أعرف تحديدا) كنت الأكثر طيبة وطاعة وامتثالا.
تلك الصورة التي لم تكن مشرقة تماما، فقد خلقت عقدة الكتب الضخمة المتن، والسميكة الغلاف المستمرة حتى الآن (فعقد الطفولة العميقة التوغل لا تنتهي مهما حدث)، ولكنها عمقت جمالية القراءة، والإحساس بالمقروء حتى حدوث ما يشبه حالة الإدمان خاصة مع مجلات الطفولة مثل ماجد الذي كنت أتحمل لسعات الجوع في الفسحة (منشان يوم الأربع، قبل الشمس ما تطلع، نجري ونشتري ماجد) بل كثيرا مع حاورت موزة وشقيقها رشود، وبحثت عن فضولي في فراشي وحقيبتي المدرسية، ونسجت علاقات خيالية مع معظم شخصيات تلك المجلة، ثم مجلة العربي - في مرحلة لاحقة- والتي كنت أعرف أنني سأجدها في بيت صديقة تحرص أسرتها القادمة من الكويت على اقتنائها من باب التواصل مع المكان الذي كانت قد عادت منه قريبا، إذا قررت توفير مصروفي القليل أصلا.
البدايات المبكرة والمرتبكة إذ تقرأ كل شيء يقع بين يديك وتحت بصرك، الجرائد، والمجلات النسوية، والبسيطة المحتوى، ومجلة "جند عمان" التي كانت تصلنا بصورة عملية، والتي كنت أقرأ أدبياتها الجميلة في ذلك الوقت الذي كنت أتابعها فيه، وروايات عبير، والكتب الصفراء، وكتب المكتبة المدرسية الموغلة في التقليدية، والكتب الفقهية والدينية واللغوية والشعرية، تقرأ فقط لأنك تحب أن تقرأ بلا تفنيد لما يجب أن تقرأه، ثم وكما تحدث النقلات النوعية في حياة البشر يحدث أن تفهم نفسك، وتعرف ما تحب، فتسلخ جلدك الميت كمعطف خارجي، وتنشط بالحياة الداخلية، لتبدأ حياة أخرى، حياة تقرأ فيها ما يفيد تكوينك الثقافي والمعرفي الذي تسعى إليه، والذي أصبحت تدرك أطره على الأقل، وما يعزز مناطق سؤالك بإجابات ليس بالضرورة أن تكون قطعية، فأنت أيضا لم تعد قطعي وواضح تماما، تقرأ ما يستفز رواكدك، ويستنفر ثوابتك، تقرأ لا لتفهم وتعلم فقط، فهذا لم يعد يهمك كثيرا لأنك أصبحت تدرك أن المعرفة كالبحر تمحو أمواجها وتبتلعها، بل تقرأ ليتبلور وعيك، ويشرأب سؤالك، وتشتعل مساءلاتك، ولتزداد حيرة وقلقا، ولتكبر في أعماقك مساحات البحث، كما تقرأ لتستمتع، أو لتختبر مشاعرك، أو لتتلصص على فوضى وأحزان الآخرين لتنسجم بظلك وظلالك مع الوجود قليلا ।


تعليقات