التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

حوارمع مجلة الجوبة السعودية

فاطمة الشيدي في حوار لمجلة الجوبة السعودية العدد 28 يوليو 2010
حوار الشاعر والناقد أحمد الدمناتي : المغرب

س1 :هل يمكن تذكر ملامح طفولتك الشعرية الأولى وعناقك الأول مع بهاء الكلمة!؟
لا يمكنني نسيان الطفولة لأنها بدايات الصمت، كما أنها بدايات الكلام، بدايات العثرات كما أنها بداية الوقوف الصامد أمام زلزلة القادم والمتبقي من العمر، إنها أرواح تخترقك كلما تقدم العمر، وأمكنة تزيح ما يأتي لتتربع وحدها على عرش الروح والذاكرة والكلام.
أما طفولة الكلمة فهي حالتان؛ الأولى: الخربشات التي صفّق لها القريبون بنيّة التشجيع والدعم حتى لو كانت هشة وبدئية وعفوية، التشجيع الذي جعل الإيمان بالكلمة يضع بصمته الأولى في الذاكرة والمخيلة والروح، ويوطّن العزم على ترسيخ هذه البدايات الساذجة لحالة مشروع حقيقي وممتد، ولا يزال يجد كل محاولة هي محاولة أولى أو محاولة طفلية إن صح التعبير لذلك فهذه أيضا لا يمكن نسيانها. وهناك طفولة الروح التي أحاول جاهدة أن أجعلها تستمر وتورق وتتربع على الممكن والمستحيل من الذات؛ حتى أحتفظ بطراوة الحياة والكلمة، ودهشتها وبكارتها، وأجد للكتابة طُعم مشاغب يتصيد سمكاتها الصغيرة، وعصافيرها البضة، وأحلامها الغائبة.
س2 :كيف تنظرون إلى القصيدة النسائية بالعالم العربي داخل خريطة الشعر العالمي !؟
القصيدة النسائية جزء من خارطة المشهد الثقافي والشعري العربي والعالمي، جزء لا يتجزأ ، ولا ينفصل، ولا يمكن النظر إليه في معزل عن ذلك، أو في حالة فصل أو عزل أو إقصاء أو تحجيم خارج ذلك المشهد الإبداعي التاريخي والممتد، هكذا أنظر إليها.. وهكذا ينبغي النظر إليها فقط.
س3: ولادة قصيدة, انتصار على خراب وخواء العالم, أم مصالحة مؤقتة مع انكسارات الذات !؟
وهل المصالحة مع الذات إلا حالة انتصار (ولو مؤقتة وجزئية) على خراب وخواء العالم؟! إن ولادة قصيدة يعني تجسير الحلم والتفاؤل بين الذات والعالم، وتأخير الموت قليلا عن الروح المحكومة بالوجع والتلف والعطب سلفا، أو وضع ملصق ابتسامة أو آهة (لا فرق) على قلوب تحكمها المادية، وتسير في دروب العدم، ولادة قصيدة هو الانتصار للحلم وللكلمة وللروح، هو حالة تشبه تصنيع المطر لتتورد الأرواح قليلا، أو الاغتسال في بركة من الموسيقى، أو في زخات من نفاف اللغة العذب. أو التمرغ في سديم من الحنان البض والحقيقي وغير المصنوع حتى البكاء، إنه الشعور بوحشية اللذة المتسربة من عمق الروح حتى شهقات الألم، ولادة قصيدة هي الحالة المعادلة للضحكة الجارحة، وللحب السعيد.
س4 :كيف ينظر النقد العربي إلى القصيدة التي تكتبها امرأة !؟
في مثل هذا السؤال لا نستطيع التعميم، هناك نقد موضوعي ينظر لقصيدة المرأة على أنها نص، وهذا النص جزء من النص الإبداعي في المشهد الثقافي الشعري والعربي بشكل عام، نص يحتمل القوة والضعف، والجمال والقبح، والقوة والهشاشة، وبالتالي يمكننا أن نطلق على هذا التقييم أنه نقد، لأنه يحمل نظرة موضوعية وراقية ومحايدة تماما، ولكن هناك من ينظر لها (مسبّقا) على أنها نتاج أنثوي يعني نتاج ضعف، وبالتالي فهو نص ضعيف، وهذه نظرة ذكورية محكومة بهاجس الذكر العربي، وفكرة الإعلاء والاستعلاء حتى في تقييم المنتج الثقافي، وهناك من يقيّم هذا النص حسب كاتبته لاعتبارات الزمان والمكان، والشكل الخارجي أحيانا أيضا!
س5 :في الشعر متسع للجنون والدهشة, أيكفي هذا الجنس الإبداعي لشغب التمرد وفرح البوح وشطحات الذاكرة في انفتاحها على العالم !؟الكتابة في الأعم هي التي تكفي!، أما الشعر فهو جزء من الكتابة الإبداعية، ووفق محددات الشعرية التي تقتضي التكثيف والاختزال، وإعمال المخيلة لابتكار صورة جديدة وحيّة، مع ضرورة لسعة شعورية حادة ليأتي النص الشعري متصاعدا وعذبا ومغداقا وحارقا، بمعنى آخر يستطيع أن يكون نصا شعريا حقيقيا، وليس متشبها ولا مشتبها..
كل هذا يجعل الشعر كائنا برزخيا نوعا ما، يجعله نصا متعاليا وفوقيا قليلا، لذا أظنه بدأ يضيق بالجنون والدهشة - حتى وإن انتثر- أو بدأت تضيق عليه، النص النثري – عموما ومطلقا- بروحه الشعرية ولغته الأكثر سيلانا وجريانا هو الأكثر جرأة في إسعاف الناص على شغب التمرد على الأشكال، وعلى التداعي مع البوح، وعلى شحذ الذاكرة، وفتح بوابات الروح على المطلق والحتمي من التشكل والتشيؤ في لا انبتات عام وكلي باتجاه العالم والذات.. النص المطلق الروح، المنفتح الجناحين، الصعلوك اللذيذ في خروجه على مؤسسات الشكل والمضمون، النص الذي يأتي متشكلا قصيدة مفتوحة الأطر، ونصا مفتوحا متحدا/مختلفا مع الأشكال والمضامين بكامل تحديداتها، وتكويناتها الجاهزة والثابتة.
س6 :القصيدة خائنة المواعيد بامتياز ومتمردة على أدبيات اللقاءات الروتينية, ما هو الوقت الجميل للقبض على دهشة القصيدة وحرائقها الباذخة !؟لأنها خائنة ومتمردة بحدّة وشدّة، وبمهارة وقسوة، وبعبث ودلال، وبوعي ولاوعي، وبحزم وعزيمة المتحكم عن شغف ومقدرة، ولأنها تدرك أن لها كل الأوقات، وللكائن الذي تسكنه بعض وقتها، ولأنها لا تبالي به، ويراقب وقتها "مراقبة المشوق المستهام"، فلا وقت للقبض على القصيدة غانية الماء، وشهوة الظلال، لأنها لا تتصل لتحجز موعدا قبل المجيء، ولا ترسل "إيميلا"، ولا حتى "مسجا سريعا"، فهي لا تحفل بجدول مواعيدك، ولا زحمة وقتك، وأجندة أيامك، إنها تأتي فقط وقتما تريد هي، وكيفما شاءت، وشاء لها المزاج الشعري المتبدّل، كطقس خريفي أهوج، تركب أول طائرة وآخر قطار، وأسرع سيّارة، وقد يطيب لها أن تركب عربة بطيئة في طريق ترابي، أو تدلي أرجلها من ظهر فرس أو ناقة أو حتى حمار في طريق صحراوي طويل، وقد تلمح ظلها فجأة في طائرة شراعية، أو في صارية وسط عاصفة هوجاء. فتظن أنها قادمة إليك بعد قليل فلا تأتي.
وفجأة تحل في دمك بمنطادها السري بعبث ومودة جارحة، وتجلس بين جنباتك قليلا، فتمني الروح بأن تقبض على جسدها البض بين يديك أطول وقت لتدلل آهاتك، وتسعف شوقك وحنينك الطويل والممتد لها، أو لتشعل رمادك الغافي بحرقة زمنا في قرارة روحك بحرائق بلاغية وشعرية، ولكن ما هي إلا سويعات أو لحظات لتجدك كالقابض على الماء، وتجدها بزئبقيتها خارجك، تلوّح لك، وقد تمد لك لسانها شغبا طفوليا عذبا، وتعدك بزيارة قريبة قادمة. فتسرف في لهفة الانتظار، حتى إذا خاب ظنك وظننت أنها هجرتك للأبد؛ تسمع هسيس نداءاتها في روحك وقلبك وحسك قصيدة دموية شاحبة حارقة، وهكذا لا وقت للقصيدة، ولا ميقات.. إلا الحرقة وما شاء لها الحزن والشعر!!

تعليقات