النص من كتاب "دم دم ــات" الصدار عن دار نينوى دمشق 2010
يظهر رجل عاشق، أو صديق ينتظر امرأة صديقة، عاشقة، في شارع ما، وكأنهما على موعد يومي للمشي من هذا المكان، فتصل بعده بدقيقة ... يبتسم لها॥)
- لماذا تحملين المظلة؟ لا يوجد مطر!
- تأهبا لنزوله!
- ولكنه قد لا ينزل، وهذا هو الأرجح!
- على الأرجح من وجهة نظر من؟
- الطبيعة، المناخ، الطقس المعتاد في هذا الفصل من العام
- ولكن كل هذا قد يكون غير واقعي، أي غير حقيقي، قد تتفلت الأشياء من زمامها، قد تتغير طقوسها المعتادة، قد يذهب بها الظن لحالة أخرى من المغايرة، قد تنتشل طقوسها من ذاكرة أخرى، ذاكرة مواسم بعيدة، وحكايات قديمة، حتى يحلو للمطر أن يداهم الجفاف، إذ يرى تضرعات الحقول شبه الميتة، وقد يجرحه الحزن فيقرر البكاء، ويروى شتلة صغيرة بلا قصد منه..
- يبدو أن مزاجك هذا اليوم غير طبيعي!
- ماذا يعني أن مزاجي غير طبيعي؟! وهل هناك مزاج طبيعي؟! هل هناك مزاج مثالي مثلا، أو مزاج مثال عليّ أن ألتزم به، أو أكونه، أن أمتثل له أو أتمثل به؟ وهل يكون المزاج إلا غير طبيعي في الأصل، وهل المزاج إلا كالطقس تماما، حالة مستنفرة، وقابلة للتحول وللتغير وللتبدل.
- ولكن الطقس له نواميس كونية تخضع لها تبدلاته وتحولاته وتغيراته، ومواسمه وفصوله.
- أي نواميس كونية؟! وهل تخضع الأعاصير والبراكين والهزات الأرضية لهذه النواميس، أنها رغبة السماء والطبيعة فقط، وقد تكون احتكاكات ضمنية من عناصر الطبيعة كالرياح والغازات وغيرها، تحرشات جنسية وغير جنسية في جسد الحسناء الأرض، أو أن أحد العناصر الكونية ضغط على أعصابها، أو صفر في أذنها عدة مرات مثلا!
أو حك جلدها بمشرط فولاذي، تلك الأبخرة التي تتجمع حول روحها، أو تلك النيران التي تتدفق في جوفها، وتلك الفراغات الحادة والشقوق الغائرة التي تتكدس فيها الغازات السامة، وتتحرك حول كبدها، فتشعر معها بالاضطراب، بالقلق، تشعر أن الأشياء ليس كما ينبغي، ليس باتساق محكم أو حتى غير محكم، تشعر أنه من العبث والفوضى أن تسير الأشياء هكذا، فتقول: ليس هكذا، لا ليس هكذا، ليس عليها أن يحرقها الظلام ليلا، ويطفئها الضوء نهارا، ويسيل على مقربة من ترابها كل هذا الوجع الحاد، وكل هذا الارتباك المزمن، وكل هذه التفاصيل التي في الداخل والخارج في القريب والبعيد، في الأمس واليوم.
لابد أن تفقدها السيطرة على أعصابها، وتنهار، فتقع في نوبة غضب حادة، أو حزن عميق فيحدث الدمار الكوني الذي يسمى طقس استثنائي، أو غضب الطبيعة، الذي ينتج عنه دمار العالم، وتغير ملامحه، وضياع استقامة نواميسه الكونية، كل هذا ليس إلا تعكر ما في مزاج أمنا الحسناء.
- ولكنك لست الأرض أيضا!!
- كلنا هي، ألسنا منها؟! من تربها وترابها وترائبها، كل كائن منا كون صغير، أرض حافلة بالحياة والموت، طبيعة كاملة، بكل نواميسها وكونيتها وكياناتها، بكل تكوناتها الطبيعية، واحتجاجاتها الضمنية، بكل حنانها وطيبتها وطينها، بكل مائها وحزنها ودموعها وانهماراتها وانثيالاتها، بكل طقوسها وتقلباتها، بكل انفعالاتها ودماراتها، بكل نزعاتها الطيبة وغير الطيبة، وشهواتها واشتهاءاتها، بكل ولعها وشوقها والتياعاتها، بكل دمارها وتدميرها، بكل أعراسها التي نقيمها داخلنا بين فترة وأخرى، وبكل مقابرها التي قد تكون خضراء صالحة للنزهة، أو قفراء لا تصلح حتى للحزن القليل، بكل قبورها وموتاها الذي نوسع لها فسحة من التراب داخلنا، وقد نضع شواهد للبعض حرصا على الذكرى، وقد لا نضع للبعض رغبة في النسيان والضياع والفقد.
- لاااا هذا كدر حقيقي!
- بل هذه مقاربة جزلة، نسيت أن أقول بجغرافيتها وتاريخها أيضا، بسهولها وجبالها وبحارها، بحرها وبردها، بسكانها وغزاتها، بأعراقها وأصولها وأثنيّاتها، نحن كل هذا كائنات ممتلئة كائنات كثيرة، وكبيرة في هياكل ضئيلة وجافة.
- هذه تصبح فلسفة!
- لا ليست فلسفة ربما هي مجرد تفلسف.
- وهل هناك فرق؟!
- بالطبع، الفلسفة علم، ومعرفة، أن تقحم نظريات سابقة في تفسير ظواهرك الكونية الداخلية والخارجية، وتخضع الجديد لتأويل القديم، أن تقول كما يرى فلان أو تقول النظرية العلانية. الفلسفة تبدأ غالبا من القديم، من التراكمات المعرفية، ولكن أن تتفلسف يعني أن تقشر الأشياء والذات والآخر، أن تتعرف عليها، أن تجلسها على موائد التشريح، أو تدخلها غرفة الأشعة أو غرفة العمليات، أن تتكلم معها ليلا حين يقرأ السهاد جسدك من الوجع للوجع، وهذا يعني أن نبدأ من آخر وجع في الذاكرة، ومن أول قطرة دم مستباحة، ومن آخر حزن غير طارئ وغير مبرر ذرفت عليه كمية من ماء النار من قلبك وروحك وعينيك. أن تسأل ولا تجيب، وتتساءل ولا تفهم أبداااا.
- هكذا دخلنا في دوامة!!
- وهل الحياة غير هذا، دوامة تشبه تماما لعبة الأطفال المتواضعة الموجودة في الحدائق العامة والتي تغري بالفرح، ولكن ما أن تدخلها حتى يبدأ الدوار، الدوار الذي يشتد في كل مرحلة من الدوران الحتمي والكثير والدائم، والذي لم تفهم هل هو نتيجة للفرح، أو حالة نفض قوية لتتساقط أوجاعك وأحلامك وإسقاطاتك وولهك بالحياة وإقبالك عليها، وسيستمر الدوار ولن يهدأ ولن تفهم أنت، ولن تدرك الإجابة أبدا، لأنه ليس متاحا لك أن تقف لتفهم، فأنت تدور تدور حتى اللحظة الأخيرة، وهناك فقط يتوقف الدوار، ويتوقف الدوران، ويتوقف كل شيء تقريبا.
- خرجنا من الطقس للدوار والدوران.
- ومن قال أن الدوران ليس من مقتضيات الطقس، ألا تدور الأرض لتحدث هذا الطقس، تدور الأرض لتتغير المواسم، تدور لتنجب المطر والعواصف، والبراكين والزلازل والموت والحزن، تدور الأرض لتعشب الحقول، ولتنجب الزهور والجمال والفرح والأطفال.
ألا تدور الكائنات كالثور في الحلقة، ندور ونحن نعصب أعيننا عن كل شيء، عن الحقيقية، وعن الحب، وعن الوعي، وعن كل شيء.. ندور ندور.
- ربما الكائنات الصغيرة والبسيطة والبعيدة وغير المعنية بالتطاول والبحث والوعي والفهم لا يعنيها هذا الدوار!!
- كيف لا يعنيها؟ مادامت تعيش على هذا الكوكب، لابد أن يعنيها كل شيء فيه، الفراشة ألا تنتظر الربيع للتخلص من شرنقتها؟! والوردة والنخلة والعشبة، كل شيء يحدث كما تريد قوى الطبيعة، أو قوى الإنسان، فالحلزون الصغير بجسده الرخو الذي يخبأه في محارة صغيرة لا يطمح في مجد أن يسلخ من ذلك الجسد ليصبح عقارا للخصوبة، أو زيتا لدهن أرداف حسناء، أو وجبه شهية على مائدة حافلة بالملذات لذوي البطون المتهدلة. إنه الدوار والدوران، كل شيء يسير في حركتين دائريتين متعاكستين، حتى الغثيان.
- والمظلة؟
- إنها تماما كسد الحلزون محاولة طيبة أو بائسة لرد شيء ما، شيء غير معروف وغير متوقع، وغير منتظر، حتى منك، إنها أشبه بخيمة تظلل البدوي، تلك الخيمة التي لا تحمل من الظل والاستقرار والهدوء والركون إلا فكرة، إنها فكرة الأمان، المفتعل والكاذب والمجاني في كثير من الأحوال، ولكنها كفيلة بإقصاء القليل من الرعب الكوني، القليل من الخوف الذي يقض مضجع الكائن، نحن نبحث عن الأمان ولا نعيشه حتى لو كنا نملكه، بل نحيا فكرة الخوف من أن نفقده، الأمان كالسعادة تماما نلهث وراءها، فإذا وجدناها أصبحنا متورطين في الرعب من فكرة غيابها. وكذلك الحب.
- ولكن الحب يولد ميتا أصلا.
- ربما هذا صحيح، أو بعبارة أدق يولد باحثا عن حتفه، الحب والفرح والسعادة تولد فينا فلا نستطيع تحمل فكرة العيش ضمنها، والأخذ بأسبابها، والشعور بها، إنها أكبر من قدرة الكائن على التمتع والاستمتاع، لذا فهو يتمادى في فكرة الخوف عليها، والبحث لها عن أسباب موت سريعة ومبررة، نحن نقتلها لنبرر غيابها، ولنعيش في إثرها، ولنحتفظ بها داخلنا ذكرى جميلة، لا يوجد حب خالد إلا في الذكرى والذاكرة فقط.
- ولكن هذا بؤس !
- نعم هذا بؤس عظيم، وحده الحزن لا نبحث له عن مبررات، فهو يجيء بمبرراته التي نصدقها ونعيشها، وإن كانت واهية، أو نخلقها خلقا إذا لم توجد، لنتلذذ بفكرة التعاسة والنقص والعجز والظلم، الحزن الذي يجيء كالمطر بلا مسببات، وبلا دوافع كثيرة في كثير من الأحيان، بل قد يصبح كل شيء من دوافعه، حتى الحب والفرح والجمال، نحن نبكي حتى عندما نفرح، وعندما نحب، وحتى عندما يكون شعورنا متصاعدا بالجمال والدهشة والروعة في جانب ما من الكون، يبدو أن الحزن والبكاء هي أسهل المشاعر، وللأسف نحن نفاخر بها، مع أنها في الصميم ليست أكثر من عجز، أو عي مبين عن الفرح وعن الحياة وعن اقتراف دهشة بحجم الحب والسعادة.
- أصابني الحزن
- هههه هذا شيء طبيعي جداااا
- لنغير الموضوع
- غيرناه!
- ولنطوِ المظلة
- طويناها
(يستمران في المشي .. في صمت)
إظـــ ............ ــــــلام
- لماذا تحملين المظلة؟ لا يوجد مطر!
- تأهبا لنزوله!
- ولكنه قد لا ينزل، وهذا هو الأرجح!
- على الأرجح من وجهة نظر من؟
- الطبيعة، المناخ، الطقس المعتاد في هذا الفصل من العام
- ولكن كل هذا قد يكون غير واقعي، أي غير حقيقي، قد تتفلت الأشياء من زمامها، قد تتغير طقوسها المعتادة، قد يذهب بها الظن لحالة أخرى من المغايرة، قد تنتشل طقوسها من ذاكرة أخرى، ذاكرة مواسم بعيدة، وحكايات قديمة، حتى يحلو للمطر أن يداهم الجفاف، إذ يرى تضرعات الحقول شبه الميتة، وقد يجرحه الحزن فيقرر البكاء، ويروى شتلة صغيرة بلا قصد منه..
- يبدو أن مزاجك هذا اليوم غير طبيعي!
- ماذا يعني أن مزاجي غير طبيعي؟! وهل هناك مزاج طبيعي؟! هل هناك مزاج مثالي مثلا، أو مزاج مثال عليّ أن ألتزم به، أو أكونه، أن أمتثل له أو أتمثل به؟ وهل يكون المزاج إلا غير طبيعي في الأصل، وهل المزاج إلا كالطقس تماما، حالة مستنفرة، وقابلة للتحول وللتغير وللتبدل.
- ولكن الطقس له نواميس كونية تخضع لها تبدلاته وتحولاته وتغيراته، ومواسمه وفصوله.
- أي نواميس كونية؟! وهل تخضع الأعاصير والبراكين والهزات الأرضية لهذه النواميس، أنها رغبة السماء والطبيعة فقط، وقد تكون احتكاكات ضمنية من عناصر الطبيعة كالرياح والغازات وغيرها، تحرشات جنسية وغير جنسية في جسد الحسناء الأرض، أو أن أحد العناصر الكونية ضغط على أعصابها، أو صفر في أذنها عدة مرات مثلا!
أو حك جلدها بمشرط فولاذي، تلك الأبخرة التي تتجمع حول روحها، أو تلك النيران التي تتدفق في جوفها، وتلك الفراغات الحادة والشقوق الغائرة التي تتكدس فيها الغازات السامة، وتتحرك حول كبدها، فتشعر معها بالاضطراب، بالقلق، تشعر أن الأشياء ليس كما ينبغي، ليس باتساق محكم أو حتى غير محكم، تشعر أنه من العبث والفوضى أن تسير الأشياء هكذا، فتقول: ليس هكذا، لا ليس هكذا، ليس عليها أن يحرقها الظلام ليلا، ويطفئها الضوء نهارا، ويسيل على مقربة من ترابها كل هذا الوجع الحاد، وكل هذا الارتباك المزمن، وكل هذه التفاصيل التي في الداخل والخارج في القريب والبعيد، في الأمس واليوم.
لابد أن تفقدها السيطرة على أعصابها، وتنهار، فتقع في نوبة غضب حادة، أو حزن عميق فيحدث الدمار الكوني الذي يسمى طقس استثنائي، أو غضب الطبيعة، الذي ينتج عنه دمار العالم، وتغير ملامحه، وضياع استقامة نواميسه الكونية، كل هذا ليس إلا تعكر ما في مزاج أمنا الحسناء.
- ولكنك لست الأرض أيضا!!
- كلنا هي، ألسنا منها؟! من تربها وترابها وترائبها، كل كائن منا كون صغير، أرض حافلة بالحياة والموت، طبيعة كاملة، بكل نواميسها وكونيتها وكياناتها، بكل تكوناتها الطبيعية، واحتجاجاتها الضمنية، بكل حنانها وطيبتها وطينها، بكل مائها وحزنها ودموعها وانهماراتها وانثيالاتها، بكل طقوسها وتقلباتها، بكل انفعالاتها ودماراتها، بكل نزعاتها الطيبة وغير الطيبة، وشهواتها واشتهاءاتها، بكل ولعها وشوقها والتياعاتها، بكل دمارها وتدميرها، بكل أعراسها التي نقيمها داخلنا بين فترة وأخرى، وبكل مقابرها التي قد تكون خضراء صالحة للنزهة، أو قفراء لا تصلح حتى للحزن القليل، بكل قبورها وموتاها الذي نوسع لها فسحة من التراب داخلنا، وقد نضع شواهد للبعض حرصا على الذكرى، وقد لا نضع للبعض رغبة في النسيان والضياع والفقد.
- لاااا هذا كدر حقيقي!
- بل هذه مقاربة جزلة، نسيت أن أقول بجغرافيتها وتاريخها أيضا، بسهولها وجبالها وبحارها، بحرها وبردها، بسكانها وغزاتها، بأعراقها وأصولها وأثنيّاتها، نحن كل هذا كائنات ممتلئة كائنات كثيرة، وكبيرة في هياكل ضئيلة وجافة.
- هذه تصبح فلسفة!
- لا ليست فلسفة ربما هي مجرد تفلسف.
- وهل هناك فرق؟!
- بالطبع، الفلسفة علم، ومعرفة، أن تقحم نظريات سابقة في تفسير ظواهرك الكونية الداخلية والخارجية، وتخضع الجديد لتأويل القديم، أن تقول كما يرى فلان أو تقول النظرية العلانية. الفلسفة تبدأ غالبا من القديم، من التراكمات المعرفية، ولكن أن تتفلسف يعني أن تقشر الأشياء والذات والآخر، أن تتعرف عليها، أن تجلسها على موائد التشريح، أو تدخلها غرفة الأشعة أو غرفة العمليات، أن تتكلم معها ليلا حين يقرأ السهاد جسدك من الوجع للوجع، وهذا يعني أن نبدأ من آخر وجع في الذاكرة، ومن أول قطرة دم مستباحة، ومن آخر حزن غير طارئ وغير مبرر ذرفت عليه كمية من ماء النار من قلبك وروحك وعينيك. أن تسأل ولا تجيب، وتتساءل ولا تفهم أبداااا.
- هكذا دخلنا في دوامة!!
- وهل الحياة غير هذا، دوامة تشبه تماما لعبة الأطفال المتواضعة الموجودة في الحدائق العامة والتي تغري بالفرح، ولكن ما أن تدخلها حتى يبدأ الدوار، الدوار الذي يشتد في كل مرحلة من الدوران الحتمي والكثير والدائم، والذي لم تفهم هل هو نتيجة للفرح، أو حالة نفض قوية لتتساقط أوجاعك وأحلامك وإسقاطاتك وولهك بالحياة وإقبالك عليها، وسيستمر الدوار ولن يهدأ ولن تفهم أنت، ولن تدرك الإجابة أبدا، لأنه ليس متاحا لك أن تقف لتفهم، فأنت تدور تدور حتى اللحظة الأخيرة، وهناك فقط يتوقف الدوار، ويتوقف الدوران، ويتوقف كل شيء تقريبا.
- خرجنا من الطقس للدوار والدوران.
- ومن قال أن الدوران ليس من مقتضيات الطقس، ألا تدور الأرض لتحدث هذا الطقس، تدور الأرض لتتغير المواسم، تدور لتنجب المطر والعواصف، والبراكين والزلازل والموت والحزن، تدور الأرض لتعشب الحقول، ولتنجب الزهور والجمال والفرح والأطفال.
ألا تدور الكائنات كالثور في الحلقة، ندور ونحن نعصب أعيننا عن كل شيء، عن الحقيقية، وعن الحب، وعن الوعي، وعن كل شيء.. ندور ندور.
- ربما الكائنات الصغيرة والبسيطة والبعيدة وغير المعنية بالتطاول والبحث والوعي والفهم لا يعنيها هذا الدوار!!
- كيف لا يعنيها؟ مادامت تعيش على هذا الكوكب، لابد أن يعنيها كل شيء فيه، الفراشة ألا تنتظر الربيع للتخلص من شرنقتها؟! والوردة والنخلة والعشبة، كل شيء يحدث كما تريد قوى الطبيعة، أو قوى الإنسان، فالحلزون الصغير بجسده الرخو الذي يخبأه في محارة صغيرة لا يطمح في مجد أن يسلخ من ذلك الجسد ليصبح عقارا للخصوبة، أو زيتا لدهن أرداف حسناء، أو وجبه شهية على مائدة حافلة بالملذات لذوي البطون المتهدلة. إنه الدوار والدوران، كل شيء يسير في حركتين دائريتين متعاكستين، حتى الغثيان.
- والمظلة؟
- إنها تماما كسد الحلزون محاولة طيبة أو بائسة لرد شيء ما، شيء غير معروف وغير متوقع، وغير منتظر، حتى منك، إنها أشبه بخيمة تظلل البدوي، تلك الخيمة التي لا تحمل من الظل والاستقرار والهدوء والركون إلا فكرة، إنها فكرة الأمان، المفتعل والكاذب والمجاني في كثير من الأحوال، ولكنها كفيلة بإقصاء القليل من الرعب الكوني، القليل من الخوف الذي يقض مضجع الكائن، نحن نبحث عن الأمان ولا نعيشه حتى لو كنا نملكه، بل نحيا فكرة الخوف من أن نفقده، الأمان كالسعادة تماما نلهث وراءها، فإذا وجدناها أصبحنا متورطين في الرعب من فكرة غيابها. وكذلك الحب.
- ولكن الحب يولد ميتا أصلا.
- ربما هذا صحيح، أو بعبارة أدق يولد باحثا عن حتفه، الحب والفرح والسعادة تولد فينا فلا نستطيع تحمل فكرة العيش ضمنها، والأخذ بأسبابها، والشعور بها، إنها أكبر من قدرة الكائن على التمتع والاستمتاع، لذا فهو يتمادى في فكرة الخوف عليها، والبحث لها عن أسباب موت سريعة ومبررة، نحن نقتلها لنبرر غيابها، ولنعيش في إثرها، ولنحتفظ بها داخلنا ذكرى جميلة، لا يوجد حب خالد إلا في الذكرى والذاكرة فقط.
- ولكن هذا بؤس !
- نعم هذا بؤس عظيم، وحده الحزن لا نبحث له عن مبررات، فهو يجيء بمبرراته التي نصدقها ونعيشها، وإن كانت واهية، أو نخلقها خلقا إذا لم توجد، لنتلذذ بفكرة التعاسة والنقص والعجز والظلم، الحزن الذي يجيء كالمطر بلا مسببات، وبلا دوافع كثيرة في كثير من الأحيان، بل قد يصبح كل شيء من دوافعه، حتى الحب والفرح والجمال، نحن نبكي حتى عندما نفرح، وعندما نحب، وحتى عندما يكون شعورنا متصاعدا بالجمال والدهشة والروعة في جانب ما من الكون، يبدو أن الحزن والبكاء هي أسهل المشاعر، وللأسف نحن نفاخر بها، مع أنها في الصميم ليست أكثر من عجز، أو عي مبين عن الفرح وعن الحياة وعن اقتراف دهشة بحجم الحب والسعادة.
- أصابني الحزن
- هههه هذا شيء طبيعي جداااا
- لنغير الموضوع
- غيرناه!
- ولنطوِ المظلة
- طويناها
(يستمران في المشي .. في صمت)
إظـــ ............ ــــــلام
تعليقات