التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الجسد والنص

 ألف.. ياء : جريدة الشبيبة - ملحق آفاق
فاطمة الشيدي
30-12-2009



يعمد بعض الكتاب لتوجيه النص بطريقة مباشرة وسطحية نحو الجسد، أحد أركان التابو أو ثالوث التحريم في الثقافة العربية (الجنس والدين والسياسة)، وبذلك يجعلون النص سريراً يمارسون عليه شهواتهم، ويجرون المتلقي لمشاهد إيروسية ميتة حول المشهد الآدمي/الحيواني/الفطري، أو توظيف أعضاء المرأة والرجل دون أدنى غاية أو هدف إلا لخلق حالة من الشهرة الدعائية للنص ربما!
إن تموضع النص في زاوية الجسد دون تسخير ذلك لخدمة فكرته أو لغته، ودون إحداث حالة تلقي أو استجابة موضوعية من قبل المتلقي، يصبح بمثابة تقديم جثة نص، وليس نصا حيا. ويكون لا هدف للكاتب سوى شد المتلقي من غرائزه نحوه، حتى وإن كان يعتوّره الضعف ويمور في مفاصله الوهن.
إن اللجوء إلى تكنيك (الإثارة) أو تمحور النص حوله؛ هو في الواقع ضمور في آليات الكتابة والفكر، وفقر في اللغة، وبالتالي اللجوء إلى ما يغطي ذلك النقص وذلك العجز برنين الأجراس الغريزية للكائن، والاتكاء على عصا الجنس الذي ما تلبث أن تزول مع كثرة القراءة والمشاهدة، وهذا ما نجده في الكثير من الروايات، والمجموعات القصصية والشعرية التي لا تكاد تخرج منها سوى بإثارة حسية غير مبررة أو لذة عابرة -مدسوسة- دون أن تظفر برقي إحساس أو روعة صورة أو تنهيدة تيمم شطرها روحك .
والأدهى أن بعض الكتاب يعتقدون أن هذا النوع من الكتابة هو حالة مواجهة للواقع، وجسارة باتجاه الوعي الأعمق للكائن، إلا أن الحقيقة إن تدشين الكثير من الكتابات لظاهرة سريرية اللغة والثوب الشفاف؛ ليس فيه أدنى وعي، بل هو لا وعي حقيقي للذات وللكتابة وللآخر، وليس أكثر من افتعال ضجيج أو جلبة لتحويل النظر عن مستوى الكاتب أو النص، وتغطية ذلك العجز بالعبث بمفاصل الغريزة الإنسانية .
لقد فقدت مفردات الإثارة معناها اليوم مع هذا الحضور الجسدي الإعلامي الطاغي، فلم يعد لقاموس جسد المرأة، أو حتى العلاقة الجسدية بين الرجل والمرأة، ذلك التأثير على المتلقي، لوفرة ما يبث الإعلام المرئي من صور (جاهزة وسريعة).
إن هدف الفنون جميعا الارتقاء بالإنسان إلى مرحلة الوعي بالأنا والآخر والحياة، لذا فإن من المفترض أن غاياتها الجمالية، أعظم من فكرة إثارة حيوانية وبدائية الغريزة، بدون توظيف واضح الهدف؛ فهي (في الأساس) جاءت لتخلص الكائن من عقده ونقصه، وخلق كائن سوي بعيداً عن التشوهات الإنسانية، أو توظيف عقد الذكورة أو الأنوثة، والاحتفاء الجنسي بالحيوانية الغريزية، وتقديمها من باب الدعاية والشهرة.
لقد تجاوز العقل الإنساني اليوم فكرة أن يكون الجنسي مرتكزاً للوعي، كما تجاوز ظاهرة الخطابة والوعي والإرشاد؛ احترازا أن يفهم الموضوع من هذه الزاوية.