التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

قيمة النقد

ألف.. ياء : جريدة الشبيبة ملحف آفاق
فاطمة الشيدي
30-12-2009

http://www.eshabiba.com/default.aspx?selPg=314&page=30_12_2009_040.jpg

أن ينتقد الكاتب فهذا ليس بدعا وليس غريبا، بل أن هذا هو دوره الأساس في الفعل الوجودي النقد والمماحكة، وعدم التسليم بالمطلق من الأشياء، فلا مطلق للأشياء أصلا، ولا وجود لحالة يجب الاجماع عليها في أي شيء، وفي أي زمان ومكان.
 إن النقد هو بداية الإصلاح، والخطوة الأساس للتعديل والتطوير والمضي قدما. 
النقد الذي يشمل الأفراد والمؤسسات والسياسات، النقد الذي يفتح العين على مواضع الخلل فيقول "انتبهوا هناك خلل" أو "تقصير ما"، أو "جهل ما"، ولابد من وجود خلل، وتقصير وجهل، لأننا ببساطة لسنا في السماء، ولسنا في المدينة الفاضلة، إننا على هذه الأرض، التي تشهد الظلم والقهر والخوف، تماما كما تشهد الزلازل والبراكين والمجاعات والحروب، وأن جل الحلم وغاية الأمنيات أن يؤدي كل إنسان منا دوره على أكمل وجه لنليق بإنسانيتنا.
 ودور الكاتب/الكتابة عن الجمال والقبح معا، وعن العدل والظلم معا، وعن الجهل والعلم معا.
لأن هذه الثنائيات ناقصة بالضرورة؛ فكما هناك العلم فلابد من جهل، وكما أن هناك العدل فلابد من الظلم. وعلينا أن ندرك حقيقة الأشياء، ومدى وضوح الحقائق وتحققها في الواقع المعاش.
 وعلينا أن نراجع الأحلام الطوباوية في ضوء الواقع الذي لا يملك كائن مهما علت مقدرته أن يجعله أحادي اللون، واضح النية، متكامل السعة والموضوعية. فأن نكون بشرا، فهذا يعني أن منا العامل ومنا الخامل، ومن الخيّر ومنا الشرير، ومنا المجتهد ومن المتقاعس، ومنا النبيل ومنا الخبيث، ومنا الأمين ومنا المتلاعب فهذه سنة الثنائيات الكونية التي خلقها الله، لأننا بشر ولسنا ملائكة كما أننا لسنا شياطين بالضرورة.
كما أن النقد جزء مهم من صناعة الفكر والثقافة التي هي حاجة ملحة لمجتمعاتنا، ولكياننا الإنساني المحكوم بها -أي الثقافة- بصورة جبرية في حاضره الراهن أو مستقبله المنتظر، فالنقد الحقيقي دائما هو الغربال الذي يميز الغث من السمين، وبذلك فوظيفة النقد التاريخية بلورة الفكر والأدب، وغربلته للخروج بأدب مسئول صافي المنابع .
ولكن ما يحدث أحيانا للأسف أن يصبح النقد نوعا من التصفيق الزائف، أو بطاقة عبور يقدمها الناقد لأشخاص بعينهم لأغراض شخصية مغرضة، وضربا من التزييف وتغليب المصالح والصداقات والمعارف، أو محاولة لتدمير بعض الأقلام الجديدة الجادة، وتهميشها مع ما تملكه من استعدادات فكرية حقيقة وهي في بداية الطريق، مما قد يحرم الساحات الثقافية من أقلام حية حقيقية النزف تجدد مياهها الراكدة، وإظهار مبالغ فيه لمن لا يملكون أحقية الظهور .
إن النقد الحقيقي يحتاج عدة معرفية، وفهم واع، وثبات نفسي وقيمي لتقديم إسهامات نقدية موضوعية خالية من الشوائب والأحقاد والمجاملات والنوازع التي تسبب شللا للشأن الثقافي. إن الأقلام النقدية مسئولة مسئولية حقيقية عن غربلة النتاجات الأدبية بموضوعية وإثراء، ونحن اليوم نحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى النقد الموضوعي على صعيد الفكرة أو المؤسسة أو النص، لتشعب الأفكار المؤسسات والسياسات التي قد لاتصب في مصلحة الإنسان بالضرورة،  ولكثرة النتاجات المعرقية.
لذا فوظيفة النقد فرز الأقلام الجادة، واستيعابها وتقييمها بعين الموضوعية، لإظهار الجيد وتوضيح الخلل والقصور.
وكلما تم الاعتناء بالنقد  وتقبله كان ذلك دليلا على صحة المشهد الثقافي والاجتماعي والسياسي لأن النقد أولا وأخيرا فعل محبة يهدف التصحيح والارتقاء.