ألف.. ياء :
الشبية - ملحق آفاق
د.فاطمة الشيدية
http://www.eshabiba.com/default.aspx?selPg=308&page=23_12_2009_040.jpg
مدارات النص
(1) صناعة النص:
"تَهِبُناَ الآلِهَةُ الْبَيْتَ الأَوَّلَ بِظُرْفٍ وَدوُنَ مُقاَبِلٍ؛ أَماَّ الْبَيْتُ الثاَّنيِ فَعَلَيْناَ صَنْعَتُهُ." بول فاليري
يولد النص مرة واحدة في الكتابة الأولى (الدفق الشعوري)، يأتي في نفس واحد، ثم تأتي القراءة الشعرية النقدية الأولى (لنا)، هناك الكثير مما يستحلفك الحذف، وهناك الكثير مما يتقافز أمامك من معانٍ تستحلفك التضمين، وتأتي الحالة الشعورية، لتحتم مقدار الزيادة أو النقص في أي نص، وتتمنى أبدا أن يأتي نصك مختلفا فقط، حتى عنك، جديدا حتى عليك، لذا فحالة التجريب في النص حالة مشروعة، نحن نكتب؛ وندع للآخرين لهفة التنظير حول ما نكتبه، لعلنا بذلك نسبب لهم صداعا خفيفا، يكون إنجازا أجمل لنص جديد.
والنص في حالة حضوره الأولى، قد يأتي مشدود القامة محافظا على رشاقته باستنبات صور ضامرة الخصر خفيفة العجز، أو قد يأتي مكتنزا بالرؤى والعبارات والزوائد الدودية، والشحمية والكلمية، فيأتي ثقيلا أو كيفما اتفق.
في الدفقة الأولى قد يأتي النص بسيطا، واضحا ثم قد نستخدم التلغيز، أو التعتيم المرمّز فيما بعد لنضفي على نصوصنا، حالات من البلاغة، التي تحول بين النص وبين أن نجلسه معنا على موائد الكلام، وكثيرا ما يبهرنا ذلك النص ويبهر الآخرين، ولكنا أحيانا أيضا، وكثيرا جدا ما نحتاج كائنا شعريا نجلسه على حجورنا، ويشاهد معنا المسلسل الذي نتابعه كل يوم، نراه وهو بملابس البيت، لذا فالمراهنة في الكتابة ينبغي أن لا تكون سوى على شغب لذيذ، يشي بحالة تجريب مستمرة.
الدفق الشعري الأول في الكتابة يعتبر مخاضا عسيرا أيضا، تلك اللحظة التي تشبه حالة إدمان أو عادة سرية، فنحن لا نكتب من فراغ، فعادة ما تجبرنا أعصابنا على مراقصة الجرح، لذا فلا نملك أن نشيح بوجوهنا خارج الارتباك الداخلي الموجع الذي تسببه لحظة الكتابة الأولى، وثمة خوف ما، و توجس بأن لا يأتي هذا النص. ربما ليس رغبة في النص قدر ما هي الرغبة في التخلص من مضاعفات حالات الانتظار، شيء يشبه انتظار الناس للمطر، والخوف أن لا يجيء فتزداد حالات التصحر والجفاف.
كتابة النص ليست قرارا لكنها حالة، والطقس المصاحب للحظة إشراقة النص ليس ترفا، لكنه جزء من ذلك النص، ومخاض الكتابة أو لحظة الميلاد العسر للدفقة الشعورية الأولى؛ هي حالة شعور بالاكتمال بعد نقص، والتخفف بعد امتلاء، إنه حالة امتثال لشيء أقوى منا؛ رغبة بالهدوء النسبي بعد ذلك، مخاض الكتابة أو الدفق (الشعوري/الشعري) الأول هو البداية لنص بهي، تزيّنه بعد ذلك الصنعة، وتحكمه عقلنة الكتابة، ومعالجة زوائد النص، وتفتيت مساماته، وترميم شقوقه، وتشكيله من قبل كاتبه، ليصبح في حالة يصلح فيها، بأن يرى الضوء، ويمارس حضوره الحقيقي، بين يدي القارئ أو المتلقي.
(2) محاكمة النص:
النص إفراز لحظوي يستمد طاقاته التعبيرية من مناطق المخيلة والذاكرة، ولكنه ليس سيرة لناصه بالضرورة، وليس شاهدا عليه أيضا، أو حتى دليل حتمي على أفكاره ومشاعره ومعتقداته، لأنه حالة تجلي مؤقتة وموقوتة، تأخذ من الداخل بقدر ما تأخذ من الخارج، بل كثيرا ما تتنكر بعض النصوص لفكر صاحبها ومعتقداته، وكثيرا ما تخرج على محدداته الذهنية والروحية، وكثيرا ما يأتي نص وقح لناص خجل، وكثيرا ما تخون لغة النص ذات صاحبها وتقهره، وتكتب ذاتها بلغة وحال لا يشبهه أبدااا..
وقد يصلح أن يكون النص وشاية لذيذة على ناصه، أو حالة فضح لكائن خاص مرتبك بانفعالاته وحيواته، أو حالة كشف جزئية للكاتب تستدعي الوقوف على تفاصيل محمومة بالهذيان، تعطي صورة عن داخل ممتلئ يفرغ أشياءه على الورق، لأنه بالضرورة حالة استجلاب كتابة من مناطق قصية في الوعي أو اللاوعي.
فلاشك أننا حين نكتب نخلع أرواحنا في مناطق الوعي الحسية، مخلّفين وراءنا دلالات صغيرة على عبورنا، وعلى ما كان يعتمل في داخلنا، فيأتي من يقتفي إثر فجيعة الوجع والقلق تلك. فمن منا لم يجاهر بفخ نصب له في نصه، ومن لم يشهق بلعنة العشق بين سطوره، فنصوصنا تحمل روائحنا الخفية، وملامحنا الحادة أو اللينة، لأنها منا تشبهنا وتدل علينا أحيانا.
ولكنها تبقى مجرد وشاية لذيذة، وشاية ليست حرفية وليست تامة، فهناك أيضا! الكذب اللغوي (ألم تقل العرب: أجمل الشعر أكذبه!؟)، واحترافات التزيين البلاغية، وعمليات التجميل من شد نفخ، وهناك حالة الترويض للروح والوجع، وحالات المواربة القصدية؛ كي لا يأتي هذا النص شاهدا وقحا للحظات النصية المحمومة. لذا فلا يصلح أي نص أن يكون دليل إدانة أو شاهد عيان على كاتبه، واستخدام النص شاهدا على كاتبه، وإشهار البطاقات الصفراء والحمراء في وجهه، تمثل القراءة المعكوسة في الأذهان الملتبسة.
(3) هوية النص:
هوية النص هي الروح الإنسانية السامقة التي يقدمها بين يدي المتلقي، تلك الهموم الكبرى التي تقزّم هموم الذات أمام هموم الجمع، والجزء أمام الكل، لن أقول الهموم القومية أو العروبية؛ لأنها أصبحت اليوم وصمة ضد الكاتب أو الشاعر الذي يعنى أو يتغنى بها، وكأنه يعيش بذات رجعية، وفكر طوباوي، لذا سأقول أنها هموم الإنسان الحقيقي المشغول بالشرف والكرامة والحرية والإنسانية ومجابهة الظلم والعنصرية، والتحرر من الداخل، إنها الأخلاق التي ينبغي أن تشكل قضيّة الكاتب وهمه، وهوية نصه كالمحبة والتسامح والنبل غير المصنوع، والرفق وكل ما يتعلق بالإنسان من الخير والجمال والمحبة والسلام.
إنها الأخلاق الرفيعة، والقضايا العظيمة خارج نية تحرير القدس، أو إعادة فتح غرناطة بنص، لأنه من اليقين أن الشاعر عاجز بفرديته إلا عن الحلم والحب وتجسيد كل ذلك لغة ونصا.
هوية النص هو أن يأتي ذاتيا ولا ذاتيا، ليعبر عن إنسانية منسوجة من لحمة الكائن المهزوم، لحمة الإنسانية المسفوحة الدم كطفلة خرساء، لحمة الوطن والأرض والتاريخ والجغرافيا، التي تنسجنا بمفرداتها الأمومية من الصرخة وحتى الشهقة؛ حتى نصبح في كل تيهنا لا نبحث سوى عن حليبها الأزلي لنتكون بحزنها ورائحتها كائنات حقيقية، وإن حدث وتبرأنا من أمومتها نصبح بلا رائحة ولا حقيقة، أن يأتي النص ممتزجا بالداخل والخارج، فيكون حزن وفرح وعشق الكائن الذي يتجاوز الذات للجمع، والأمنية للغصة، أن يستحضر النص هزيمة الذات/الإنسان، ومعاناته أمام الفقر والموت والعجز والظلم في كونها ذاتا جمعية إنسانية عامة، وينطلق من عجز الكائن وضعفه الإنساني أمام المد الحضاري المادي، ويفضح هزيمته أمام الآلة، وأمام العصر، وأمام الآخر، أن يجسّد ويلات الحرب، و يعري قبح المستعمر، ولعنة الفناء وظلم القوي، وضعف المستضعفين في الأرض.. بذلك فقط يكون الناص إنسانا، ويكون النص نصا كونيا، وذا هوية. .
الشبية - ملحق آفاق
د.فاطمة الشيدية
http://www.eshabiba.com/default.aspx?selPg=308&page=23_12_2009_040.jpg
مدارات النص
(1) صناعة النص:
"تَهِبُناَ الآلِهَةُ الْبَيْتَ الأَوَّلَ بِظُرْفٍ وَدوُنَ مُقاَبِلٍ؛ أَماَّ الْبَيْتُ الثاَّنيِ فَعَلَيْناَ صَنْعَتُهُ." بول فاليري
يولد النص مرة واحدة في الكتابة الأولى (الدفق الشعوري)، يأتي في نفس واحد، ثم تأتي القراءة الشعرية النقدية الأولى (لنا)، هناك الكثير مما يستحلفك الحذف، وهناك الكثير مما يتقافز أمامك من معانٍ تستحلفك التضمين، وتأتي الحالة الشعورية، لتحتم مقدار الزيادة أو النقص في أي نص، وتتمنى أبدا أن يأتي نصك مختلفا فقط، حتى عنك، جديدا حتى عليك، لذا فحالة التجريب في النص حالة مشروعة، نحن نكتب؛ وندع للآخرين لهفة التنظير حول ما نكتبه، لعلنا بذلك نسبب لهم صداعا خفيفا، يكون إنجازا أجمل لنص جديد.
والنص في حالة حضوره الأولى، قد يأتي مشدود القامة محافظا على رشاقته باستنبات صور ضامرة الخصر خفيفة العجز، أو قد يأتي مكتنزا بالرؤى والعبارات والزوائد الدودية، والشحمية والكلمية، فيأتي ثقيلا أو كيفما اتفق.
في الدفقة الأولى قد يأتي النص بسيطا، واضحا ثم قد نستخدم التلغيز، أو التعتيم المرمّز فيما بعد لنضفي على نصوصنا، حالات من البلاغة، التي تحول بين النص وبين أن نجلسه معنا على موائد الكلام، وكثيرا ما يبهرنا ذلك النص ويبهر الآخرين، ولكنا أحيانا أيضا، وكثيرا جدا ما نحتاج كائنا شعريا نجلسه على حجورنا، ويشاهد معنا المسلسل الذي نتابعه كل يوم، نراه وهو بملابس البيت، لذا فالمراهنة في الكتابة ينبغي أن لا تكون سوى على شغب لذيذ، يشي بحالة تجريب مستمرة.
الدفق الشعري الأول في الكتابة يعتبر مخاضا عسيرا أيضا، تلك اللحظة التي تشبه حالة إدمان أو عادة سرية، فنحن لا نكتب من فراغ، فعادة ما تجبرنا أعصابنا على مراقصة الجرح، لذا فلا نملك أن نشيح بوجوهنا خارج الارتباك الداخلي الموجع الذي تسببه لحظة الكتابة الأولى، وثمة خوف ما، و توجس بأن لا يأتي هذا النص. ربما ليس رغبة في النص قدر ما هي الرغبة في التخلص من مضاعفات حالات الانتظار، شيء يشبه انتظار الناس للمطر، والخوف أن لا يجيء فتزداد حالات التصحر والجفاف.
كتابة النص ليست قرارا لكنها حالة، والطقس المصاحب للحظة إشراقة النص ليس ترفا، لكنه جزء من ذلك النص، ومخاض الكتابة أو لحظة الميلاد العسر للدفقة الشعورية الأولى؛ هي حالة شعور بالاكتمال بعد نقص، والتخفف بعد امتلاء، إنه حالة امتثال لشيء أقوى منا؛ رغبة بالهدوء النسبي بعد ذلك، مخاض الكتابة أو الدفق (الشعوري/الشعري) الأول هو البداية لنص بهي، تزيّنه بعد ذلك الصنعة، وتحكمه عقلنة الكتابة، ومعالجة زوائد النص، وتفتيت مساماته، وترميم شقوقه، وتشكيله من قبل كاتبه، ليصبح في حالة يصلح فيها، بأن يرى الضوء، ويمارس حضوره الحقيقي، بين يدي القارئ أو المتلقي.
(2) محاكمة النص:
النص إفراز لحظوي يستمد طاقاته التعبيرية من مناطق المخيلة والذاكرة، ولكنه ليس سيرة لناصه بالضرورة، وليس شاهدا عليه أيضا، أو حتى دليل حتمي على أفكاره ومشاعره ومعتقداته، لأنه حالة تجلي مؤقتة وموقوتة، تأخذ من الداخل بقدر ما تأخذ من الخارج، بل كثيرا ما تتنكر بعض النصوص لفكر صاحبها ومعتقداته، وكثيرا ما تخرج على محدداته الذهنية والروحية، وكثيرا ما يأتي نص وقح لناص خجل، وكثيرا ما تخون لغة النص ذات صاحبها وتقهره، وتكتب ذاتها بلغة وحال لا يشبهه أبدااا..
وقد يصلح أن يكون النص وشاية لذيذة على ناصه، أو حالة فضح لكائن خاص مرتبك بانفعالاته وحيواته، أو حالة كشف جزئية للكاتب تستدعي الوقوف على تفاصيل محمومة بالهذيان، تعطي صورة عن داخل ممتلئ يفرغ أشياءه على الورق، لأنه بالضرورة حالة استجلاب كتابة من مناطق قصية في الوعي أو اللاوعي.
فلاشك أننا حين نكتب نخلع أرواحنا في مناطق الوعي الحسية، مخلّفين وراءنا دلالات صغيرة على عبورنا، وعلى ما كان يعتمل في داخلنا، فيأتي من يقتفي إثر فجيعة الوجع والقلق تلك. فمن منا لم يجاهر بفخ نصب له في نصه، ومن لم يشهق بلعنة العشق بين سطوره، فنصوصنا تحمل روائحنا الخفية، وملامحنا الحادة أو اللينة، لأنها منا تشبهنا وتدل علينا أحيانا.
ولكنها تبقى مجرد وشاية لذيذة، وشاية ليست حرفية وليست تامة، فهناك أيضا! الكذب اللغوي (ألم تقل العرب: أجمل الشعر أكذبه!؟)، واحترافات التزيين البلاغية، وعمليات التجميل من شد نفخ، وهناك حالة الترويض للروح والوجع، وحالات المواربة القصدية؛ كي لا يأتي هذا النص شاهدا وقحا للحظات النصية المحمومة. لذا فلا يصلح أي نص أن يكون دليل إدانة أو شاهد عيان على كاتبه، واستخدام النص شاهدا على كاتبه، وإشهار البطاقات الصفراء والحمراء في وجهه، تمثل القراءة المعكوسة في الأذهان الملتبسة.
(3) هوية النص:
هوية النص هي الروح الإنسانية السامقة التي يقدمها بين يدي المتلقي، تلك الهموم الكبرى التي تقزّم هموم الذات أمام هموم الجمع، والجزء أمام الكل، لن أقول الهموم القومية أو العروبية؛ لأنها أصبحت اليوم وصمة ضد الكاتب أو الشاعر الذي يعنى أو يتغنى بها، وكأنه يعيش بذات رجعية، وفكر طوباوي، لذا سأقول أنها هموم الإنسان الحقيقي المشغول بالشرف والكرامة والحرية والإنسانية ومجابهة الظلم والعنصرية، والتحرر من الداخل، إنها الأخلاق التي ينبغي أن تشكل قضيّة الكاتب وهمه، وهوية نصه كالمحبة والتسامح والنبل غير المصنوع، والرفق وكل ما يتعلق بالإنسان من الخير والجمال والمحبة والسلام.
إنها الأخلاق الرفيعة، والقضايا العظيمة خارج نية تحرير القدس، أو إعادة فتح غرناطة بنص، لأنه من اليقين أن الشاعر عاجز بفرديته إلا عن الحلم والحب وتجسيد كل ذلك لغة ونصا.
هوية النص هو أن يأتي ذاتيا ولا ذاتيا، ليعبر عن إنسانية منسوجة من لحمة الكائن المهزوم، لحمة الإنسانية المسفوحة الدم كطفلة خرساء، لحمة الوطن والأرض والتاريخ والجغرافيا، التي تنسجنا بمفرداتها الأمومية من الصرخة وحتى الشهقة؛ حتى نصبح في كل تيهنا لا نبحث سوى عن حليبها الأزلي لنتكون بحزنها ورائحتها كائنات حقيقية، وإن حدث وتبرأنا من أمومتها نصبح بلا رائحة ولا حقيقة، أن يأتي النص ممتزجا بالداخل والخارج، فيكون حزن وفرح وعشق الكائن الذي يتجاوز الذات للجمع، والأمنية للغصة، أن يستحضر النص هزيمة الذات/الإنسان، ومعاناته أمام الفقر والموت والعجز والظلم في كونها ذاتا جمعية إنسانية عامة، وينطلق من عجز الكائن وضعفه الإنساني أمام المد الحضاري المادي، ويفضح هزيمته أمام الآلة، وأمام العصر، وأمام الآخر، أن يجسّد ويلات الحرب، و يعري قبح المستعمر، ولعنة الفناء وظلم القوي، وضعف المستضعفين في الأرض.. بذلك فقط يكون الناص إنسانا، ويكون النص نصا كونيا، وذا هوية. .