د.فاطمة الشيدي
ألف_ياء
ملحق آفاق(الأربعاء10-12-2009 جريدة الشبية
ماذا بين الشعر والفلسفة من وشائج وروابط؟ هل هما توأمان من رحم الفكرة، أم خصمان في مداها؟ هل هما خطان متوازيان في حضارة الإنسان وتفكيره؟ أم أنهما خطان متقاطعان في تجاذبهما لوعيه ومنطقِه؟ وأيهما أقدم؟ وهل ملاحم هوميروس وجلجامش تجعلنا نعتقد أن الشعر هو القدم؟ وهل هذا يعني أن الفلسفة هي الأكثر تمحيصا ونضجا لأنها استغرقت زمنا من حضارة الإنسانية لتتشكل بقوة التعقل والتدبر والتعليل والتفكير؟ أم أنها كانت موجودة بعلتها ومعلولها مع الشعر، ولكنها لم تدوّن؟ وهل حاجة الإنسان للشعر أكثر من حاجته للفلسفة؟ وهل من غير الممكن أن يجتمع روح الشعر مع الفكر الفلسفي في كائن واحد، أو نص واحد؟ ولماذا إذاً كتب الكثير من الفلاسفة الشعر؟ وكانت الفلسفة حاضرة في نصوص الكثير من الشعراء؟ ولماذا كان هناك شاعر الفلاسفة؟ وفيلسوف الشعراء؟
وهل “الميتافيزيقا” أو تفسير الماورائيات التي عُني بها أغلب الفلاسفة هي من مهمة العقل المحض، ألا تتقاطع مع الحلم واللاوعي، ومع الشعر؟ وهل الأساطير التي تقاطعت كثيرا مع الفلسفة في مختلف عصورها وتجاربها، وتناولها الفلاسفة بالدرس والجدل أحيانا كثيرة، كما شكلت مادة جيدة للشعرية عبر العصور لا تصلح أن تكون نقطة تقاطع بين الشعر الفلسفة؟ّ! والماهية، وروح الفرد ألا يتناولها الشعر بشكل ما؟
وهل الفلسفة مجرد عمليات عقلية عليا رياضية وفيزيقية؟ وهل هي بذلك تعيش في أبراج المراقبة البعيدة للفعل الإنساني؟ ألا يمكننا أن نؤنسن فعل الفلسفة ونجلسه على موائد البشر العاديين، يأكل معهم ويشرب ويمشي في الأسواق، كما فعل الشعر تماما بتخليه عند أردية المادحين، وبلاطات الخلافة والرسميين، وصار بإمكاننا أن نأخذه معنا لشاطئ البحر بملابسه الملونة والخفيفة، أو يجلس على المقاهي ويدخن الغليون أيضا!
هذه الأسئلة بأشواكها الناتئة لا تفتأ تطرح نفسها غير مهتدية إلى إجابات، فرغم الكثير من الأطروحات الفلسفية، والأدبية في هذا الاتجاه، ورغم الكثير من التنظير حولها، إلا أن الجدل لا يزال قائما بين علاقة الشعر بالفلسفة؟ وتأثير كل منهما في الآخر، ففي حين يرى البعض أن الشعر والفلسفة هما طريقا محاججة ومراهنة وبرهنة على فكر الإنسان ووعيه، وأنهما معا بداية مرحلة التساؤل، ثم مرحلة السؤال؛ يرى الفريق الأخر أن العقل هو منْتِج الفلسفة، في حين أن الشعور هو منْتِج الشعر، لذا فهما أقرب لأن يكونا خصمين، وأن الشعر مجرد انفعالات نفسية وتداعيات عاطفية وتقلّبات شعورية، تتشكل وفق لغة هلامية غير مقننة، وغير مضبوطة بأدوات التفكير والمنطق، التي هي أدوات الفلسفة ومنهجها الصارم.
وفي حين أن التنظير ليس من مهمة الشاعر، ولا من طبيعته، فهو يقول الشعر ويمضي (ويسهر الخلق جراها ويختصم)، وجدنا هذا الجدل (بين الشعر والفلسفة) في الفكر الفلسفي فقط على مر العصور، ولأنه من زاوية واحدة فقط، وهي الزاوية الفلسفية كان غالبا جدلا إعلائيا لقيمة الفلسفة، تقليليا، تبرئيا من جنون الشعر وتعالقاته الروحية، والشعر في كل هذه المراحل صامت يسمع ويبتسم، وربما كانت ابتسامته ساخرة نوعا ما! هل لأنه يرى ذاته الأول والأهم والأكثر حضورا وتأثيرا؟ (سيما وأن النرجسية سمة الشعراء)! أم لأنه يدرك توأمته مع أخته الفلسفة، أم لأنه لا يرى في كل هذه المحاولات في الفصل، والتفريق إلا هرطقات لاداعي لها ؟!!!
ويمكننا أن نتلمس الجدل التاريخي الحي، الذي لم يحسم (وقد لايفعل!) بين الشعر والفلسفة، والشعراء والفلاسفة، منذ سقراط رأس حربة الفلسفة الإغريقية الذي تبرأ من الشعر، وجعله أقل شأنا من الفلسفة، وأنه مجرد صناعة لغوية تزيف الفكرة للعامة من الناس، وتسحرهم بجميل اللفظ، وعذوبة الموسيقى إذ قال: “فإن الشاعر يضفي بكلماته وجمله على كل فن ألوانا تلائمه, دون أن يفهم من طبيعة ذلك الفن إلا ما يكفي لمحاكاته, ويؤثر في أناس لا يقلّون عنه جهلا.. فيدفعهم السحر الكامن في الوزن والإيقاع إلى الاعتقاد بأنه قد حدثهم حديثا خلابا عن القيادة الحربية أو صناعة الأحذية أو أي موضوع فني آخر.فإذا نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته عندما يتحول إلى نثر”
وتبعه في ذلك التفريق الإعلائي لصالح الفلسفة أفلاطون، الذي أخرج الشعراء من مدينته، رافضا بذلك فكرهم القائم على القلب وتقلباته، ومصغّرا من قيمة العاطفة والشعور التي تعمل كمحرك وموجّه للنص الشعري بقوله: “الشعر يقودنا إلى الشعور العميق بإحزان وآلام الآخرين، وعليه فإنه يصغّر نفوسنا، ويضعف عزائمنا عن أداء مهام واجباتنا” جاعلا بذلك قدرة الشاعر على العمل مشدودة بوعيه أو لاوعيه لعاطفته التي تحركه وتخذل همته أحيانا كثيرة، وبذلك فالشاعر لا يليق بالعمل السياسي، والوصول لسدة الحكم الذي يتطلب عقلا لاشعورا، مع أن أفلاطون ذاته كتب الشعر والملاحم ونبغ فيها، فهل كان يكتب ما هو أقل من الفلسفة؟ أو ما لا يخدمها ويتقاطع معها؟!!!وكذلك فعل أرسطو طاليس الذي جعل فن الشعر والملاحم والمسرحيات، تقوم على عنصر المحاكاة والتقليد لا أكثر، وبذلك جعل الفلسفة أكبر شأنا، وأكثر مكانة وقيمة.
وكذلك يمكننا أن نلمس هذه الروح التفريقية بين الشعر والفلسفة بطريقة ضمنية عند فلاسفة العرب؛ كالفارابي، وابن سيناء، حيث نجد الفارابي في مدينته يسير على مثالية أفلاطون، بينما كان الشيخ الرئيس يتحد في مقارباته مع الفلسفية الطاليسية، وبذلك يمكن القول بذات الفكرة والمنهج العقلي الصارم في التفريق بين الشعر المقتد من ذرى الروح والقلب والعاطفة والمحاكاة، والفلسفة المستنيرة من مشكاة من العقل والتمعن والتبصر والمحاكمة، رغم أن الاثنين (الفارابي، وابن سينا، وللمفارقة الفجة!) كانا يكتبان الشعر ويعزفان الموسيقى.
ويمضي هذا الجدل التاريخي الذي يمكن أن نقول أنه تراخي قليلا عند الفلاسفة المحدثين فكانت مثلا (1724 - 1804) ؛ اعتبر الشعر ضروري في عصر التنوير, واعتبر أن الشاعر يقدح من البؤرة العبقرية التي يقدح منها الفيلسوف، وهذه حالة مقاربة بين الشاعر والفيلسوف، بل لكأنه يجعل التفوق والغلبة للشاعر في هذه النقطة؛ فنجده يقول إن “الشعر ينفرد عن باقي الفنون بانتمائه إلى العبقرية, ولذلك فإنه هو الذي يفوز بالمرتبة الأولى“ كما رأى أن الشعر “يقوي النفس ويمكنها من الكمال ومن الشعور بالتبعية للطبيعة”
وبالتالي فهذه بداية تحويل الفكرة عند حالة المقارنة الإعلائية للفلسفة عن الشعر، بالموازاة معها على الأقل، وتغيير الفكرة عن عدم فائدة الشعر ومسئوليته في التغيير، وقيمة وواجب الفلسفة وأدوارها العظمى تجاه الإنسانية، وهي الفكرة التي مافتئ يتغنى بها الفلاسفة!.
وجاء نيتشه ( 1844 - 1900) الذي يبدو أنه لم يقرر أن يحسم الأمر والموازنة، فيبدو أن نيتشه الذي أعاد الاعتبار للحكمة المبثوثة في نصوص القدماء، مؤمنا باللغة وبالنص، ليقول على لسان زرادشت «أتعبني هؤلاء العظماء, وأشدهم إرهاقا لي أوفر عظمة, فأنا أتوق إلى اجتياز مرتبتهم فأفوتها وأنا أتجه إلى الإنسان الأعلى المتفوق”، مصدّرا رأيه الحاد تجاه أفلاطون الذي رأى أنه تعامل بأكاديمية مجحفة مع الفلسفة، موليا اجتهاده لتفتيت الحقائق وهي اجتهادات الفلسفة الحقيقة الكبرى كما يرى، جاعلا حكمته من خلال رؤيته الداخلية الخاصة، وهذا مانلمحه في شذراته.
وكذلك هايدغر (1976-1889) فقد كان الأقرب إلى روح الشعرية، غير مكترثٍ بهذه الموازنة التاريخية بينهما مستخدما الشعر في أطروحاته ومحللا له، ومثنيا عليه”وإذا ما توصلنا إلى فهم جوهر الشعر الذي يجعل من الشعر تأسيسا للوجود بواسطة اللغة, “نستطيع عندئذ أن نحدس بشيء من حقيقة هذا الكلام الذي قاله هولدرلين, حين اختطفه ليل الجنون وأسكنه عتماته”
أما باشلار )1884 – 1962) الذي تشيع روح الشعرية في كتاباته وفي تعليلاته ومواقفه الفكرية والفلسفية، وهو فيلسوف القراءات العميقة والتحليلية لللاوعي الحلمي “أي شيء يختلف الحلم عن التفكير؟ هل إعمال الفكر يفترض في لحظة ما انتفاء وإلغاء للحلم؟ ” ثم يربط الحلم والتفكير باللغة فيقول “نحن نحلم باللغة ونفكر باللغة”.
أما اللغويون وفلاسفة اللغة، فخير من يمثلهم في هذا الصراع، بول ريكور (1913- 2005) الذي يحرك الجدل لصالح اللغة والشعر الذي يحفظ مستوى اللغة التي تستخدمها الفلسفة في أطروحاتها، وبذلك فهي نوع من الرد التاريخي للغويين والشعراء على الفلاسفة، يقول:”الأمر الذي أود التأكيد عليه هنا هو أن الشعر تناط به حيازة أبعاد اللغة والحفاظ على عمقها واتساعها ورحابتها، ذلك أن الخطر الأول المحدق بثقافتنا الحالية يكمن في قصر اللغة على التواصل في أدنى مستوياتها أو مجرد تعيين الأشياء والأشخاص. وهنا تصبح اللغة أداتية فقط، هذه النظرة الأداتية للغة هي أخطر ما يمكن أن يواجه ثقافتنا، ذلك أن النموذج الوحيد للغة الذي نملكه الآن هو لغة العلم والتكنولوجيا.
واليوم تنشغل الفلسفة في أحد اتجاهاتها بهذا النوع من الاستخدام اللغوي، وأحسب أن إحدى المهام التي يجب على الفلسفة أن تشغل نفسها بها هي الحفاظ على الاستخدامات المتباينة للغة، والمسافة القائمة بين هذه الاستخدامات التي تتراوح في تنوعها بين لغة العلم مرورا باللغة السياسية واللغة العلمية، واللغة العادية انتهاء بلغة الشعر، هذا على اعتبار أن اللغة العادية ordinary language تتوسط لغة الشعر من جهة واللغة العلمية من جهة أخرى”
وبهذا يجعل الحفاظ على اللغة جزء مهمة الفلسفة، ومن مهمة الشعر معا.
ومع كل هذا تبقى المسألة والمساءلة قائمة، ويبقى الجدل مستعرا وحيّا، إلى أي مدى يلتقي الشعر والفلسفة؟ وإلى مدى يختلفان؟ وكيف يسهم كل منهما في خدمة الآخر، وفي خدمة اللغة والإنسانية؟
ألف_ياء
ملحق آفاق(الأربعاء10-12-2009 جريدة الشبية
ماذا بين الشعر والفلسفة من وشائج وروابط؟ هل هما توأمان من رحم الفكرة، أم خصمان في مداها؟ هل هما خطان متوازيان في حضارة الإنسان وتفكيره؟ أم أنهما خطان متقاطعان في تجاذبهما لوعيه ومنطقِه؟ وأيهما أقدم؟ وهل ملاحم هوميروس وجلجامش تجعلنا نعتقد أن الشعر هو القدم؟ وهل هذا يعني أن الفلسفة هي الأكثر تمحيصا ونضجا لأنها استغرقت زمنا من حضارة الإنسانية لتتشكل بقوة التعقل والتدبر والتعليل والتفكير؟ أم أنها كانت موجودة بعلتها ومعلولها مع الشعر، ولكنها لم تدوّن؟ وهل حاجة الإنسان للشعر أكثر من حاجته للفلسفة؟ وهل من غير الممكن أن يجتمع روح الشعر مع الفكر الفلسفي في كائن واحد، أو نص واحد؟ ولماذا إذاً كتب الكثير من الفلاسفة الشعر؟ وكانت الفلسفة حاضرة في نصوص الكثير من الشعراء؟ ولماذا كان هناك شاعر الفلاسفة؟ وفيلسوف الشعراء؟
وهل “الميتافيزيقا” أو تفسير الماورائيات التي عُني بها أغلب الفلاسفة هي من مهمة العقل المحض، ألا تتقاطع مع الحلم واللاوعي، ومع الشعر؟ وهل الأساطير التي تقاطعت كثيرا مع الفلسفة في مختلف عصورها وتجاربها، وتناولها الفلاسفة بالدرس والجدل أحيانا كثيرة، كما شكلت مادة جيدة للشعرية عبر العصور لا تصلح أن تكون نقطة تقاطع بين الشعر الفلسفة؟ّ! والماهية، وروح الفرد ألا يتناولها الشعر بشكل ما؟
وهل الفلسفة مجرد عمليات عقلية عليا رياضية وفيزيقية؟ وهل هي بذلك تعيش في أبراج المراقبة البعيدة للفعل الإنساني؟ ألا يمكننا أن نؤنسن فعل الفلسفة ونجلسه على موائد البشر العاديين، يأكل معهم ويشرب ويمشي في الأسواق، كما فعل الشعر تماما بتخليه عند أردية المادحين، وبلاطات الخلافة والرسميين، وصار بإمكاننا أن نأخذه معنا لشاطئ البحر بملابسه الملونة والخفيفة، أو يجلس على المقاهي ويدخن الغليون أيضا!
هذه الأسئلة بأشواكها الناتئة لا تفتأ تطرح نفسها غير مهتدية إلى إجابات، فرغم الكثير من الأطروحات الفلسفية، والأدبية في هذا الاتجاه، ورغم الكثير من التنظير حولها، إلا أن الجدل لا يزال قائما بين علاقة الشعر بالفلسفة؟ وتأثير كل منهما في الآخر، ففي حين يرى البعض أن الشعر والفلسفة هما طريقا محاججة ومراهنة وبرهنة على فكر الإنسان ووعيه، وأنهما معا بداية مرحلة التساؤل، ثم مرحلة السؤال؛ يرى الفريق الأخر أن العقل هو منْتِج الفلسفة، في حين أن الشعور هو منْتِج الشعر، لذا فهما أقرب لأن يكونا خصمين، وأن الشعر مجرد انفعالات نفسية وتداعيات عاطفية وتقلّبات شعورية، تتشكل وفق لغة هلامية غير مقننة، وغير مضبوطة بأدوات التفكير والمنطق، التي هي أدوات الفلسفة ومنهجها الصارم.
وفي حين أن التنظير ليس من مهمة الشاعر، ولا من طبيعته، فهو يقول الشعر ويمضي (ويسهر الخلق جراها ويختصم)، وجدنا هذا الجدل (بين الشعر والفلسفة) في الفكر الفلسفي فقط على مر العصور، ولأنه من زاوية واحدة فقط، وهي الزاوية الفلسفية كان غالبا جدلا إعلائيا لقيمة الفلسفة، تقليليا، تبرئيا من جنون الشعر وتعالقاته الروحية، والشعر في كل هذه المراحل صامت يسمع ويبتسم، وربما كانت ابتسامته ساخرة نوعا ما! هل لأنه يرى ذاته الأول والأهم والأكثر حضورا وتأثيرا؟ (سيما وأن النرجسية سمة الشعراء)! أم لأنه يدرك توأمته مع أخته الفلسفة، أم لأنه لا يرى في كل هذه المحاولات في الفصل، والتفريق إلا هرطقات لاداعي لها ؟!!!
ويمكننا أن نتلمس الجدل التاريخي الحي، الذي لم يحسم (وقد لايفعل!) بين الشعر والفلسفة، والشعراء والفلاسفة، منذ سقراط رأس حربة الفلسفة الإغريقية الذي تبرأ من الشعر، وجعله أقل شأنا من الفلسفة، وأنه مجرد صناعة لغوية تزيف الفكرة للعامة من الناس، وتسحرهم بجميل اللفظ، وعذوبة الموسيقى إذ قال: “فإن الشاعر يضفي بكلماته وجمله على كل فن ألوانا تلائمه, دون أن يفهم من طبيعة ذلك الفن إلا ما يكفي لمحاكاته, ويؤثر في أناس لا يقلّون عنه جهلا.. فيدفعهم السحر الكامن في الوزن والإيقاع إلى الاعتقاد بأنه قد حدثهم حديثا خلابا عن القيادة الحربية أو صناعة الأحذية أو أي موضوع فني آخر.فإذا نزعت عن الشعر قالبه الشعري، فلا شك أنك تستطيع أن تراه على حقيقته عندما يتحول إلى نثر”
وتبعه في ذلك التفريق الإعلائي لصالح الفلسفة أفلاطون، الذي أخرج الشعراء من مدينته، رافضا بذلك فكرهم القائم على القلب وتقلباته، ومصغّرا من قيمة العاطفة والشعور التي تعمل كمحرك وموجّه للنص الشعري بقوله: “الشعر يقودنا إلى الشعور العميق بإحزان وآلام الآخرين، وعليه فإنه يصغّر نفوسنا، ويضعف عزائمنا عن أداء مهام واجباتنا” جاعلا بذلك قدرة الشاعر على العمل مشدودة بوعيه أو لاوعيه لعاطفته التي تحركه وتخذل همته أحيانا كثيرة، وبذلك فالشاعر لا يليق بالعمل السياسي، والوصول لسدة الحكم الذي يتطلب عقلا لاشعورا، مع أن أفلاطون ذاته كتب الشعر والملاحم ونبغ فيها، فهل كان يكتب ما هو أقل من الفلسفة؟ أو ما لا يخدمها ويتقاطع معها؟!!!وكذلك فعل أرسطو طاليس الذي جعل فن الشعر والملاحم والمسرحيات، تقوم على عنصر المحاكاة والتقليد لا أكثر، وبذلك جعل الفلسفة أكبر شأنا، وأكثر مكانة وقيمة.
وكذلك يمكننا أن نلمس هذه الروح التفريقية بين الشعر والفلسفة بطريقة ضمنية عند فلاسفة العرب؛ كالفارابي، وابن سيناء، حيث نجد الفارابي في مدينته يسير على مثالية أفلاطون، بينما كان الشيخ الرئيس يتحد في مقارباته مع الفلسفية الطاليسية، وبذلك يمكن القول بذات الفكرة والمنهج العقلي الصارم في التفريق بين الشعر المقتد من ذرى الروح والقلب والعاطفة والمحاكاة، والفلسفة المستنيرة من مشكاة من العقل والتمعن والتبصر والمحاكمة، رغم أن الاثنين (الفارابي، وابن سينا، وللمفارقة الفجة!) كانا يكتبان الشعر ويعزفان الموسيقى.
ويمضي هذا الجدل التاريخي الذي يمكن أن نقول أنه تراخي قليلا عند الفلاسفة المحدثين فكانت مثلا (1724 - 1804) ؛ اعتبر الشعر ضروري في عصر التنوير, واعتبر أن الشاعر يقدح من البؤرة العبقرية التي يقدح منها الفيلسوف، وهذه حالة مقاربة بين الشاعر والفيلسوف، بل لكأنه يجعل التفوق والغلبة للشاعر في هذه النقطة؛ فنجده يقول إن “الشعر ينفرد عن باقي الفنون بانتمائه إلى العبقرية, ولذلك فإنه هو الذي يفوز بالمرتبة الأولى“ كما رأى أن الشعر “يقوي النفس ويمكنها من الكمال ومن الشعور بالتبعية للطبيعة”
وبالتالي فهذه بداية تحويل الفكرة عند حالة المقارنة الإعلائية للفلسفة عن الشعر، بالموازاة معها على الأقل، وتغيير الفكرة عن عدم فائدة الشعر ومسئوليته في التغيير، وقيمة وواجب الفلسفة وأدوارها العظمى تجاه الإنسانية، وهي الفكرة التي مافتئ يتغنى بها الفلاسفة!.
وجاء نيتشه ( 1844 - 1900) الذي يبدو أنه لم يقرر أن يحسم الأمر والموازنة، فيبدو أن نيتشه الذي أعاد الاعتبار للحكمة المبثوثة في نصوص القدماء، مؤمنا باللغة وبالنص، ليقول على لسان زرادشت «أتعبني هؤلاء العظماء, وأشدهم إرهاقا لي أوفر عظمة, فأنا أتوق إلى اجتياز مرتبتهم فأفوتها وأنا أتجه إلى الإنسان الأعلى المتفوق”، مصدّرا رأيه الحاد تجاه أفلاطون الذي رأى أنه تعامل بأكاديمية مجحفة مع الفلسفة، موليا اجتهاده لتفتيت الحقائق وهي اجتهادات الفلسفة الحقيقة الكبرى كما يرى، جاعلا حكمته من خلال رؤيته الداخلية الخاصة، وهذا مانلمحه في شذراته.
وكذلك هايدغر (1976-1889) فقد كان الأقرب إلى روح الشعرية، غير مكترثٍ بهذه الموازنة التاريخية بينهما مستخدما الشعر في أطروحاته ومحللا له، ومثنيا عليه”وإذا ما توصلنا إلى فهم جوهر الشعر الذي يجعل من الشعر تأسيسا للوجود بواسطة اللغة, “نستطيع عندئذ أن نحدس بشيء من حقيقة هذا الكلام الذي قاله هولدرلين, حين اختطفه ليل الجنون وأسكنه عتماته”
أما باشلار )1884 – 1962) الذي تشيع روح الشعرية في كتاباته وفي تعليلاته ومواقفه الفكرية والفلسفية، وهو فيلسوف القراءات العميقة والتحليلية لللاوعي الحلمي “أي شيء يختلف الحلم عن التفكير؟ هل إعمال الفكر يفترض في لحظة ما انتفاء وإلغاء للحلم؟ ” ثم يربط الحلم والتفكير باللغة فيقول “نحن نحلم باللغة ونفكر باللغة”.
أما اللغويون وفلاسفة اللغة، فخير من يمثلهم في هذا الصراع، بول ريكور (1913- 2005) الذي يحرك الجدل لصالح اللغة والشعر الذي يحفظ مستوى اللغة التي تستخدمها الفلسفة في أطروحاتها، وبذلك فهي نوع من الرد التاريخي للغويين والشعراء على الفلاسفة، يقول:”الأمر الذي أود التأكيد عليه هنا هو أن الشعر تناط به حيازة أبعاد اللغة والحفاظ على عمقها واتساعها ورحابتها، ذلك أن الخطر الأول المحدق بثقافتنا الحالية يكمن في قصر اللغة على التواصل في أدنى مستوياتها أو مجرد تعيين الأشياء والأشخاص. وهنا تصبح اللغة أداتية فقط، هذه النظرة الأداتية للغة هي أخطر ما يمكن أن يواجه ثقافتنا، ذلك أن النموذج الوحيد للغة الذي نملكه الآن هو لغة العلم والتكنولوجيا.
واليوم تنشغل الفلسفة في أحد اتجاهاتها بهذا النوع من الاستخدام اللغوي، وأحسب أن إحدى المهام التي يجب على الفلسفة أن تشغل نفسها بها هي الحفاظ على الاستخدامات المتباينة للغة، والمسافة القائمة بين هذه الاستخدامات التي تتراوح في تنوعها بين لغة العلم مرورا باللغة السياسية واللغة العلمية، واللغة العادية انتهاء بلغة الشعر، هذا على اعتبار أن اللغة العادية ordinary language تتوسط لغة الشعر من جهة واللغة العلمية من جهة أخرى”
وبهذا يجعل الحفاظ على اللغة جزء مهمة الفلسفة، ومن مهمة الشعر معا.
ومع كل هذا تبقى المسألة والمساءلة قائمة، ويبقى الجدل مستعرا وحيّا، إلى أي مدى يلتقي الشعر والفلسفة؟ وإلى مدى يختلفان؟ وكيف يسهم كل منهما في خدمة الآخر، وفي خدمة اللغة والإنسانية؟
تعليقات