فاطمة الشيدي
25 ديسمبر 2009
جريدة الشبيبة- ملحق آفاق
"النفق" هي الرواية الأولى للروائي والمفكر الأرجنتيني إرنستو ساباتو والتي كتبها عام 1948، وترجمها للعربية عبد السلام عقيل وصدرت الطبعة الأولى منها بدمشق 1989، والرواية في أبسط قراءة لها حالة اعتراف من بطلها الفنان التشكيلي المشهور والمضطرب عقليا "خوان بابلو كاستيل" الذي قتل حبيبته "ماريا إيريباني" كما يصدّر الكاتب لروايته على لسان بطله في حالة تعريفية للقارئ به، وبعمله في الصفحات الأولى للرواية، وكأنه يقص عليه- أي كاستيل- ما حدث تماما، أو ما عليه أن يعرفه من الحكاية.
ويشكّل العنوان (النفق) فكرة الداخل المتربك الذي يحيلك مباشرة إلى نفق لولبي معتم، عميق وموغل تحت الأرض، أو في داخل الروح، كما يحيلك لفكرة الظلام الشديد والذعر والارتباك، والمشاعر المتداخلة والمضطربة أثناء عبوره، والضوء الذي تنتظره -أنت كقارئ- في آخر الممر أو النفق، كنهاية مفترضة لهذه الحالة من الظلام والخوف، الضوء؛ الذي قد يكون الشمس مثلا عند الطفو أو الخروج لسطح الأرض، أو الهدوء والسلام، هذا الضوء الذي قد يجيء، وقد لا يجئ البتة. وهذا ما يذكره الكاتب في آخر صفحة "وشعرت أن كهفا قاتما أخذ يكبر في أعماقي"
وتقوم فكرة الرواية - التي تُحكى على لسان "خوان بابلو" القاتل والفنان، على وصف علاقة تقوم بينه وبين وإحدى زائرات مرسمه الفني، واصفا بالدقة الزمكانية كيفية تعرفه عليها، وإعجابه العميق بها من أول لحظة، لأنها فهمت فكرة اللوحة الأقرب إلى نفسه، وبذلك شعر أنها هي الإنسان الوحيد الذي قد يفهمه في هذا العالم، بعد عزلة وخوف واضطراب كان يعيشها، رافضا البشر وواصفا لهم بأبشع الوصف، ورافضا فئة الرسامين، بل وحتى النقاد الذين يصفهم بالثرثرة والبشاعة" إحساسي بأني وحيد في هذا العالم غالبا ما يظهر مختلطا بشعور من كبرياء التفوق: فأحتقر الناس، وأخال أنهم قذرون وبشعون وعاجزون وجشعون وقساة وأنذال. إن وحدتي لا تخيفني وإنما تكون ميدان كبريائي"
ويذكر في ذلك أول صفحة في الرواية "كان هناك شخصا واحدا، واحدا يمكنه أن يفهمني لكنه كان بالتأكيد الشخص الذي قتلته"
ويختم روايته بذلك أيضا!
"كان ثمة مخلوق واحد يفهم رسومي"
ويستمر الراوي البطل في وصف تطور هذه العلاقة، ومحاولاته الجادة واليائسة أحيانا كثرة للتعرف عليها عن كثب والتواصل معها، مستمرا في وصف وسرد علاقته بها، وتطورها من التعرف البدئي المرتبك، حتى مرحلة الشغف والتشبث بها، كآخر قشة للنجاة الروحية من خضم محنة وجودية تدعي حياة، حتى تصاعد شعوره القلِق والمزعج والناتئ كالمسامير حول فكرة أنها تتسلى به كلعبة جديدة وربما غريبة نوعا ما، ولا تأبه بمشاعره العظيمة والحادة والخاصة في ارتباكها وتكونها.
وتبدأ هذه الفكرة في التعمق في ذهن كاستيل، حتى تصبح لديه حقيقة واضحة وقوية، لأنه تدريجيا يعرف أن ماريا هذه متزوجة، فتحتدم في روحه هواجس القلق الممض، ومغبات الحزن البليغ، وأسئلة الشك القاتل، حول علاقتها بزوجها، وهل تحبه؟ وإلى درجة؟ هل كثيرا أو إلى حد ما، ويبدأ في كل لقاء بينهما في محاسبتها ومحاكمتها إن صح التعبير، مما يزيد علاقتهما ارتباكا ويجعل ماريا تبتعد عنه، ومن ثم سيكتشف (يتخيل، يشك، لأنه لا يملك البرهان الكافي لذلك) فيما بعد علاقتها برجل آخر هو "هونتر" ابن عم زوجها "إجيندي" ، ثم تخطيطه المطوّل لقتلها، حتى تمكّن من ذلك ذات ليلة، بسكين غرزها في صدرها دون أدنى تردد أو إحساس بالشفقة عليها، ليقضي بعد ذلك عقوبته في السجن.
والرواية تحكي للقارئ بطريقة"السرد الحكائي أو الحكواتي" القصة من البداية للنهاية (أي من دخول ماريا المرسم، حتى دخول كاستيل السجن) بكل التفاصيل والأحداث البسيطة والمعقّدة من الإعجاب حتى القتل. وكأن القاتل/البطل بعد أن فعل فعلته، نصّب نفسه حكاء في زمن ما، ومكان ما، آخر بالتأكيد، وبعيد عن زمن حدوث الفعل/الرواية، وبدأ في سرد القصة بدقة داخلية، واستحضارات نفسية دقيقة وصارمة وصادقة في نفس الوقت، ليقدم للمتلقي/القارئ حكاية جاهزة من الحكايات التي قد يقرأ عنها في صفحة الحوادث مثلا، ولكنها هنا حالة اعتراف من قبل القاتل نفسه، ثم هي أيضا مدعّمة بالتفاصيل والإسهاب في السرد، والقراءة الداخلية العميقة للذات والآخر، مشفوعة بفكرة تبرير القتل لأن السارد هو القاتل نفسه. وبذلك فالروائي هنا يتجرد من تحمل تبعية الأحكام الواردة في النص، والأفكار والشذرات والملاحظات الهامة المبثوثة في ثنياته، ليجعلها على لسان بطله.
فهل نجح في ذلك؟
بالطبع هذه تختلف من قارئ لقارئ، حسب وعيه ورغبته في التصديق!
لكن قصة/ فكرة "النفق" في أبعد مستوياتها تتجاوز فكرة القتل للعقاب، أو للثأر للحب الضائع والمغدور، لتقدم لنا محاولة أكثر قصدية ومبتغى وهي محاولة رسم دواخل المبدع المصاب بالاكتئاب الحاد، هذا المبدع الذي يدرك حقيقة الأشياء، ويقرأ النفس الإنسانية بعمق ودقة، ويستشعر التفوق الضمني على أقرانه من البشر الذين لا يتأملون ولا يدركون حقيقة الأشياء، المبدع الذي يقدم عدة قراءات وتحليلات دقيقة لكل حادثة تمر عليه، أو على البشر من حوله، ومع هذا ونتيجة لتكاثف غيوم الحزن المستمر على نفسه، ومروره بحالات عصيّة من الكآبة والضجر، فهو يشعر بفكرة الفشل التي تحاصره مع كل عمل يقوم به، ومع كل كائن يتواصل معه، هذه الفكرة الحادة والجارحة والتي تتضخم إلى حالة من العجز أحيانا، وتجعل كل الأشياء في المنطقة الصفرية من الرغبة في الحياة، وقد تدفع بصاحبها للجنون أو القتل أو الانتحار. "الانتحار يغري، نظرا لقدرته على الإفناء بسهولة: في ثانية واحدة ينهار هذا العالم السخيف كعملاق زائف، كأن رسوخ ناطحات سحابه، وصلابة مدرعاته، وقوة مصفحاته، ومناعة سجونه ليست سوى وهم، وليست أشد رسوخا من شاهقات حلم مزعج ولا أصلب من مدرعاته، ولا أقوى من مصفحاته، ولا أمنع من سجونه"
إن رواية النفق هي رواية نفسية بامتياز حيث تسجّل حالات التداعي الذاتية الهشة لبطلها، والتأملات والتحليلات الدقيقة والحادة للبشر والحياة، حتى أن القارئ (رغم هذه التقديمات للمؤلف) لا يجيد الفصل بين البطل والمؤلف، بل وكثيرا جدا مالا يجيد الفصل بينه كمتلقي، وبين المؤلف والبطل، وهذه قمة المهارة والحذاقة اللغوية التي قد يصل لها الكاتب، بأن يشعر القارئ بأنه بطل هذه القصة، إذا لم يكن مؤلفها، وأنه يقول على لسانه، ما رغب أن يقوله دائما في نفس هذه المواقف، وأن هذه الأحكام هي أحكامه هو وتصرفاته وردود أفعاله، أو بأقل درجات العرفان للنص يشعر بالتواطؤ التام مع البطل وإجازة أفعاله حتى المخطئة منها، إنها الكتابة التي تركن للداخل تماما، وتشتغل على حسه وأوتاره ومناطقه المتساوية في درجة ضعفها وهشاشتها بين جميع الكائنات.
أن الحالة النفسية القاسية التي يصدّرها النص (النفق) عن المبدع، هي حالة رسم دقيقة وموغلة وحقيقية لذات المبدع، الضبابية والرمادية والموغلة في الحزن والاكتئاب والمصحوبة في تجلياتها الداخلية بغرور هذا المبدع ونرجسيته في الفهم والإفهام، وفي قدرته الخاصة على قراءة دواخل الأشياء والبشر وتحليلها، وتصعيدها، والتأملات الموغلة والعميقة والحادة والمغايرة في نفس الوقت، فالمبدع الحقيقي غالبا لا يمر على الأشياء مرور الكرام، ولا تعجبه الأحكام والتبريرات والتعليلات الجاهزة، والسطحي من الأشياء، كما لا يميل إلى العام والشائع، بل يختص ذاته بقراءة خاصة لكل شيء، وتحليل مختلف وضمني للأشياء البعيدة والقريبة، حتى لو كان هذا التحليل هو الأخير وفق مناطق القراءة والفهم لدى العامة، لكنها قراءته الذاتية الخاصة، وفق حيزاته النفسية والفكرية.
لذا نجد هذه الروح متجلية في النفق التي ما هي إلا قراءة ذاتية/نفسية للمبدع المضطرب غالبا، والمتيقظ الحس كثيرا، والبرهنة على هذه الفكرة تتمثل في شذرات ورؤى وأحكام مبثوثة في النص/الرواية من بدايتها لنهايتها مثل:
- "إن عبارة أن "كل زمن مضى كان أفضل" لا تدل على أن قليلا من الأمور السيئة كان يحدث فيما سلف، وإنما تعني لحسن الحظ أن الناس لا يتذكرون تلك الأمور" .
- " من السهل أن يكون الإنسان متواضعا عندما يكون مشهورا.. … حتى أن رجلا رمزيا مثل المسيح ذاته نطق بعبارات شتى بدافع الغرور…… وماذا عن "ليون بلوي" الذي كان يدفع عن نفسه تهمة الكبرياء بحجة أنه قضى عمره يخدم أفرادا لا يصلون مستوى ركبتيه..؟ نعثر على الغرور في مواضع لا نتوقع وجوده فيها بتاتا، نجده إلى جانب الطيبة ونكران الذات والسخاء."
- الذين يتصدقون على الفقراء ويعتبرون أنفسهم بوجه عام أكثر سخاء وأفضل من الآخرين الذين لا يتصدقون…….يعلم الجميع أن قطعة نقد أو كسرة خبز، لا تحل مشكلة متسول، وإنما تحل المشكلة النفسية للسيد المتصدق، الذي يبتاع هكذا وبلا مقابل تفريبا طمأنينة روحية وشهادة بأنه كريم"
وهكذا بالكثير من الحكمة الخاصة والفائضة، والرؤى العميقة، والفلسفة الجارحة، وبالقليل من السائد من الأفكار والملاحظات، والمعالجة عمد كاتب " النفق" لكتابة نص داخلي نفسي حاد وجارح وحكيم، وموغل ورمادي، وصالح أن نوطّنه في كل زمان ومكان ولكل مبدع غالبا لا إطلاقا، بعيدا عن السرد المباشر والشخصيات الطافية، نص لا يريد أن يقول أكثر من أن الحياة والداخل الإنساني نفق مظلم قد يكون في نهايته ضوء وقد لا يكون، نص يحفر بإزميله في نفس المبدع لينحتها رواية لم تعجب "بعض النقاد لعدم دقة عالمها الخارجي، وغموض الشخصيات التي تتحرك حول بطل الرواية(المترجم)" رواية تتحرك من الكآبة حتى القتل.
25 ديسمبر 2009
جريدة الشبيبة- ملحق آفاق
"النفق" هي الرواية الأولى للروائي والمفكر الأرجنتيني إرنستو ساباتو والتي كتبها عام 1948، وترجمها للعربية عبد السلام عقيل وصدرت الطبعة الأولى منها بدمشق 1989، والرواية في أبسط قراءة لها حالة اعتراف من بطلها الفنان التشكيلي المشهور والمضطرب عقليا "خوان بابلو كاستيل" الذي قتل حبيبته "ماريا إيريباني" كما يصدّر الكاتب لروايته على لسان بطله في حالة تعريفية للقارئ به، وبعمله في الصفحات الأولى للرواية، وكأنه يقص عليه- أي كاستيل- ما حدث تماما، أو ما عليه أن يعرفه من الحكاية.
ويشكّل العنوان (النفق) فكرة الداخل المتربك الذي يحيلك مباشرة إلى نفق لولبي معتم، عميق وموغل تحت الأرض، أو في داخل الروح، كما يحيلك لفكرة الظلام الشديد والذعر والارتباك، والمشاعر المتداخلة والمضطربة أثناء عبوره، والضوء الذي تنتظره -أنت كقارئ- في آخر الممر أو النفق، كنهاية مفترضة لهذه الحالة من الظلام والخوف، الضوء؛ الذي قد يكون الشمس مثلا عند الطفو أو الخروج لسطح الأرض، أو الهدوء والسلام، هذا الضوء الذي قد يجيء، وقد لا يجئ البتة. وهذا ما يذكره الكاتب في آخر صفحة "وشعرت أن كهفا قاتما أخذ يكبر في أعماقي"
وتقوم فكرة الرواية - التي تُحكى على لسان "خوان بابلو" القاتل والفنان، على وصف علاقة تقوم بينه وبين وإحدى زائرات مرسمه الفني، واصفا بالدقة الزمكانية كيفية تعرفه عليها، وإعجابه العميق بها من أول لحظة، لأنها فهمت فكرة اللوحة الأقرب إلى نفسه، وبذلك شعر أنها هي الإنسان الوحيد الذي قد يفهمه في هذا العالم، بعد عزلة وخوف واضطراب كان يعيشها، رافضا البشر وواصفا لهم بأبشع الوصف، ورافضا فئة الرسامين، بل وحتى النقاد الذين يصفهم بالثرثرة والبشاعة" إحساسي بأني وحيد في هذا العالم غالبا ما يظهر مختلطا بشعور من كبرياء التفوق: فأحتقر الناس، وأخال أنهم قذرون وبشعون وعاجزون وجشعون وقساة وأنذال. إن وحدتي لا تخيفني وإنما تكون ميدان كبريائي"
ويذكر في ذلك أول صفحة في الرواية "كان هناك شخصا واحدا، واحدا يمكنه أن يفهمني لكنه كان بالتأكيد الشخص الذي قتلته"
ويختم روايته بذلك أيضا!
"كان ثمة مخلوق واحد يفهم رسومي"
ويستمر الراوي البطل في وصف تطور هذه العلاقة، ومحاولاته الجادة واليائسة أحيانا كثرة للتعرف عليها عن كثب والتواصل معها، مستمرا في وصف وسرد علاقته بها، وتطورها من التعرف البدئي المرتبك، حتى مرحلة الشغف والتشبث بها، كآخر قشة للنجاة الروحية من خضم محنة وجودية تدعي حياة، حتى تصاعد شعوره القلِق والمزعج والناتئ كالمسامير حول فكرة أنها تتسلى به كلعبة جديدة وربما غريبة نوعا ما، ولا تأبه بمشاعره العظيمة والحادة والخاصة في ارتباكها وتكونها.
وتبدأ هذه الفكرة في التعمق في ذهن كاستيل، حتى تصبح لديه حقيقة واضحة وقوية، لأنه تدريجيا يعرف أن ماريا هذه متزوجة، فتحتدم في روحه هواجس القلق الممض، ومغبات الحزن البليغ، وأسئلة الشك القاتل، حول علاقتها بزوجها، وهل تحبه؟ وإلى درجة؟ هل كثيرا أو إلى حد ما، ويبدأ في كل لقاء بينهما في محاسبتها ومحاكمتها إن صح التعبير، مما يزيد علاقتهما ارتباكا ويجعل ماريا تبتعد عنه، ومن ثم سيكتشف (يتخيل، يشك، لأنه لا يملك البرهان الكافي لذلك) فيما بعد علاقتها برجل آخر هو "هونتر" ابن عم زوجها "إجيندي" ، ثم تخطيطه المطوّل لقتلها، حتى تمكّن من ذلك ذات ليلة، بسكين غرزها في صدرها دون أدنى تردد أو إحساس بالشفقة عليها، ليقضي بعد ذلك عقوبته في السجن.
والرواية تحكي للقارئ بطريقة"السرد الحكائي أو الحكواتي" القصة من البداية للنهاية (أي من دخول ماريا المرسم، حتى دخول كاستيل السجن) بكل التفاصيل والأحداث البسيطة والمعقّدة من الإعجاب حتى القتل. وكأن القاتل/البطل بعد أن فعل فعلته، نصّب نفسه حكاء في زمن ما، ومكان ما، آخر بالتأكيد، وبعيد عن زمن حدوث الفعل/الرواية، وبدأ في سرد القصة بدقة داخلية، واستحضارات نفسية دقيقة وصارمة وصادقة في نفس الوقت، ليقدم للمتلقي/القارئ حكاية جاهزة من الحكايات التي قد يقرأ عنها في صفحة الحوادث مثلا، ولكنها هنا حالة اعتراف من قبل القاتل نفسه، ثم هي أيضا مدعّمة بالتفاصيل والإسهاب في السرد، والقراءة الداخلية العميقة للذات والآخر، مشفوعة بفكرة تبرير القتل لأن السارد هو القاتل نفسه. وبذلك فالروائي هنا يتجرد من تحمل تبعية الأحكام الواردة في النص، والأفكار والشذرات والملاحظات الهامة المبثوثة في ثنياته، ليجعلها على لسان بطله.
فهل نجح في ذلك؟
بالطبع هذه تختلف من قارئ لقارئ، حسب وعيه ورغبته في التصديق!
لكن قصة/ فكرة "النفق" في أبعد مستوياتها تتجاوز فكرة القتل للعقاب، أو للثأر للحب الضائع والمغدور، لتقدم لنا محاولة أكثر قصدية ومبتغى وهي محاولة رسم دواخل المبدع المصاب بالاكتئاب الحاد، هذا المبدع الذي يدرك حقيقة الأشياء، ويقرأ النفس الإنسانية بعمق ودقة، ويستشعر التفوق الضمني على أقرانه من البشر الذين لا يتأملون ولا يدركون حقيقة الأشياء، المبدع الذي يقدم عدة قراءات وتحليلات دقيقة لكل حادثة تمر عليه، أو على البشر من حوله، ومع هذا ونتيجة لتكاثف غيوم الحزن المستمر على نفسه، ومروره بحالات عصيّة من الكآبة والضجر، فهو يشعر بفكرة الفشل التي تحاصره مع كل عمل يقوم به، ومع كل كائن يتواصل معه، هذه الفكرة الحادة والجارحة والتي تتضخم إلى حالة من العجز أحيانا، وتجعل كل الأشياء في المنطقة الصفرية من الرغبة في الحياة، وقد تدفع بصاحبها للجنون أو القتل أو الانتحار. "الانتحار يغري، نظرا لقدرته على الإفناء بسهولة: في ثانية واحدة ينهار هذا العالم السخيف كعملاق زائف، كأن رسوخ ناطحات سحابه، وصلابة مدرعاته، وقوة مصفحاته، ومناعة سجونه ليست سوى وهم، وليست أشد رسوخا من شاهقات حلم مزعج ولا أصلب من مدرعاته، ولا أقوى من مصفحاته، ولا أمنع من سجونه"
إن رواية النفق هي رواية نفسية بامتياز حيث تسجّل حالات التداعي الذاتية الهشة لبطلها، والتأملات والتحليلات الدقيقة والحادة للبشر والحياة، حتى أن القارئ (رغم هذه التقديمات للمؤلف) لا يجيد الفصل بين البطل والمؤلف، بل وكثيرا جدا مالا يجيد الفصل بينه كمتلقي، وبين المؤلف والبطل، وهذه قمة المهارة والحذاقة اللغوية التي قد يصل لها الكاتب، بأن يشعر القارئ بأنه بطل هذه القصة، إذا لم يكن مؤلفها، وأنه يقول على لسانه، ما رغب أن يقوله دائما في نفس هذه المواقف، وأن هذه الأحكام هي أحكامه هو وتصرفاته وردود أفعاله، أو بأقل درجات العرفان للنص يشعر بالتواطؤ التام مع البطل وإجازة أفعاله حتى المخطئة منها، إنها الكتابة التي تركن للداخل تماما، وتشتغل على حسه وأوتاره ومناطقه المتساوية في درجة ضعفها وهشاشتها بين جميع الكائنات.
أن الحالة النفسية القاسية التي يصدّرها النص (النفق) عن المبدع، هي حالة رسم دقيقة وموغلة وحقيقية لذات المبدع، الضبابية والرمادية والموغلة في الحزن والاكتئاب والمصحوبة في تجلياتها الداخلية بغرور هذا المبدع ونرجسيته في الفهم والإفهام، وفي قدرته الخاصة على قراءة دواخل الأشياء والبشر وتحليلها، وتصعيدها، والتأملات الموغلة والعميقة والحادة والمغايرة في نفس الوقت، فالمبدع الحقيقي غالبا لا يمر على الأشياء مرور الكرام، ولا تعجبه الأحكام والتبريرات والتعليلات الجاهزة، والسطحي من الأشياء، كما لا يميل إلى العام والشائع، بل يختص ذاته بقراءة خاصة لكل شيء، وتحليل مختلف وضمني للأشياء البعيدة والقريبة، حتى لو كان هذا التحليل هو الأخير وفق مناطق القراءة والفهم لدى العامة، لكنها قراءته الذاتية الخاصة، وفق حيزاته النفسية والفكرية.
لذا نجد هذه الروح متجلية في النفق التي ما هي إلا قراءة ذاتية/نفسية للمبدع المضطرب غالبا، والمتيقظ الحس كثيرا، والبرهنة على هذه الفكرة تتمثل في شذرات ورؤى وأحكام مبثوثة في النص/الرواية من بدايتها لنهايتها مثل:
- "إن عبارة أن "كل زمن مضى كان أفضل" لا تدل على أن قليلا من الأمور السيئة كان يحدث فيما سلف، وإنما تعني لحسن الحظ أن الناس لا يتذكرون تلك الأمور" .
- " من السهل أن يكون الإنسان متواضعا عندما يكون مشهورا.. … حتى أن رجلا رمزيا مثل المسيح ذاته نطق بعبارات شتى بدافع الغرور…… وماذا عن "ليون بلوي" الذي كان يدفع عن نفسه تهمة الكبرياء بحجة أنه قضى عمره يخدم أفرادا لا يصلون مستوى ركبتيه..؟ نعثر على الغرور في مواضع لا نتوقع وجوده فيها بتاتا، نجده إلى جانب الطيبة ونكران الذات والسخاء."
- الذين يتصدقون على الفقراء ويعتبرون أنفسهم بوجه عام أكثر سخاء وأفضل من الآخرين الذين لا يتصدقون…….يعلم الجميع أن قطعة نقد أو كسرة خبز، لا تحل مشكلة متسول، وإنما تحل المشكلة النفسية للسيد المتصدق، الذي يبتاع هكذا وبلا مقابل تفريبا طمأنينة روحية وشهادة بأنه كريم"
وهكذا بالكثير من الحكمة الخاصة والفائضة، والرؤى العميقة، والفلسفة الجارحة، وبالقليل من السائد من الأفكار والملاحظات، والمعالجة عمد كاتب " النفق" لكتابة نص داخلي نفسي حاد وجارح وحكيم، وموغل ورمادي، وصالح أن نوطّنه في كل زمان ومكان ولكل مبدع غالبا لا إطلاقا، بعيدا عن السرد المباشر والشخصيات الطافية، نص لا يريد أن يقول أكثر من أن الحياة والداخل الإنساني نفق مظلم قد يكون في نهايته ضوء وقد لا يكون، نص يحفر بإزميله في نفس المبدع لينحتها رواية لم تعجب "بعض النقاد لعدم دقة عالمها الخارجي، وغموض الشخصيات التي تتحرك حول بطل الرواية(المترجم)" رواية تتحرك من الكآبة حتى القتل.
تعليقات