التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

كولاج امرأة

نقطة.. وامرأة.. ولغة فاطمة الشيدية نقطة ما في رأسها الثقيل الممتلئ بالهواجس، نقطة حمراء أو بيضاء، وتصلح مشروع ورم خبيث، رأسها هو ذاته الذي عرضته للبيع عدة مرات، أو المقايضة ولو بحجر، رأسها الذي حاولت أن تخلعه كقبعة تتغير كالمواسم، أو كضرس ارتفع عواؤه، وذاته الغضب الذي يصلي في دمها، وينتفض كأسد جائع كلما شعرت أن أحدهم يدوس على كرامة كائن ما في هذا العالم।***الفكرة النقطة تلح عليها، ماذا يمكن أن يخرج من رحم النقطة؟ ماذا يمكننا أن نشكّل من نقطة؟ وإلى أي مدى يمكننا أن نذهب مع نقطة؟ الحزن العميق الذي يثمل في روحها، وكأنها حانته المفضلة يتصاعد حتى الغصة، الغصة نقطة، تحاول اصطناع الفرح وصناعة الفوضى الذي تجعل قيود العالم أقل، هذه نقطة تحسب لها… ***تتفكر في هذا العالم القنفذي المشهر أشواكه في روحك، بلا مبررات كافية، العالم الذي يمارس رعونته عليك، حتى وأنت لا تحتاج منه أكثر من ابتسامة صفراء أو تجاهل طيب، يعلو صوتها؛ هذه نقطة جيدة! ***الحياة نقطة، والموت نقطة، البداية نقطة، والنهاية نقطة، نقطة مستديرة على ذاتها، تبدأ منها الدوائر، وتنتهي لها، وتتشابك فيها أضلع الزوايا، وتتداخل فيها هندسة الأشكال، نقطة البدايات التي تتكاثف كالغيوم لتشكل النهايات، وتتمحور حولها الأبخرة لتشكل عوالم سوريالية من السر والأسر، وتتصاعد منها الموسيقى، لتشكل رقصة عبثية تنضح بماء الجسد على خرائط التشكل المتماهي। نقطة تصلح أن تكون المدخل والمخرج لقانون العبث والعدم، البياض الساكن في الأعماق نقطة، والسواد المسرطن للروح نقطة. ***كان خيط حذاء راقصة الباليه منفلت، وهي تؤدي رقصة البجع على سيمفونية تشايكوفسكي، وهي ترقص، تتمايل يمنة ويسرة، وهي تدور معها، تطير تحلق، جسدها مزروع في الكرسي، لكن ثمة منها ما هو متحد مع الأخرى، وهي تتحرك كبجعة حقيقية، لكن خيط حذائها منفلت، قد تتعثر به، القلق يتصاعد، وهي غير منتبهة، وما زالت تدور وتدور وتدوووور، الرعب يسيج أوردتها ॥ هل ستسقط على المسرح أم على المسافة الفاصلة بين المسرح والجمهور؟ هل ستموت؟ هل ستتشظى إلى قطع قصيرة إذا سقطت؟ هل سيتوزع النور من جسدها؛ أظنها كرستالة بيضاء أو قطعة بلور ॥ يعلو صوت من مكان ما فلامنجو .. فلامنجو جسد الراقصة العجوز يتحرك بخطوات مدروسة .. تك .. تك تك… تك تك تك تك تكيصلي، ينفض شهوته، يوزعها على الحاضرين؛ فيلف كل منهم نصيبه في مخيلته، أو في ذاكرته الشقية، ويحتفظ به لليلة بلا زاد لأحلام اليقظة، ليوزعه في سحنته ليبدو أكثر شبابا وإغراء. تتحرك برهبنة، الجسد يعري نقصه، الجسد الناقص وحده يحتاج للعري، الجسد الكامل ينضح بسيرته تحت سماوات الكتمان، ويضحك يبكي، ويدرك أن الكل يستمع له وهو يغني. *** نقطة نظام: البعض يرى في الجمال جريمة ومشروع انحطاط، حارسات السجون (عشماوي)، وكذلك مشرفات السكنات لا بد أن يصبحن عشماوي، هكذا رأين في أنفسهن أو رأي المجتمع أو الجامعة، بعض المربيات الفاضلات أيضا فاتهن أن الله جميل يحب الجمال، أخشوشنّ وأصبحن تنقصهن الشنبات، هذه ليست مشكلة، يمكن استيراد كل شيء، الشنبات، غشاءات البكارة وكل شيء، حتى معايير الرجولة والأنوثة (هذا زمن العلم قالت الدكتورة: التي ترفع صوتها الخشن لتبرهن على وقارها)..***المرأة السمينة والضخمة تأخذ روحها في مداراتها، وهي منهمكة في كتابة يومياتها في رأسها، وتلبي أوامرها منصاعة، هي تهتم بعملها فقط، لا تحتاج لصوتها ولا لغتها، لا أحد يحتاج للغتها انها فضلة، تحتفظ بها في رأسها المليء بالهوامش والملاحظات والخطوط الحمراء، ككتاب قديم بأوراق صفراء، كم امرأة تمر عليها كل يوم .. كانت تتساءل..؟الخيط يمر على حاجبها ووجهها، بعنف تنزع الشعرة، (أرجوك أنها شعرة متشبثة بالروح رفقا بها) قالت: وخيط دم يخترق قلبها، وينتزع منه شعرة، وخلية ليست ميتة بعد.. بدأت في البكاء داخلها حتى خافت أن يبتل رأسها وتضيع مذكراتها، المرأة السوداء السمينة، (تصف لونها بحيادية أخلاقية تماما، فقد تكون روحها أكثر بياضا وتوردا من نساء أخريات، أكثر شرفا وعزة، ومكانة اجتماعية ومناصب وكراسي دوارة) تسيطر عليها وهي تحرك الخيط بسرعة، في حين ينعكس جزء من صدغ المرأة التي وراء الكرسي في المرآة التي أمامها، مسكينة! سمعتها تسر للتي إلى جوارها أن زوجها يخونها مع خادمتها، ويضربها، لم تكن تحتاج لذلك؛ فالكدمات التي في وجهها والحزن الذي في عينها، يقولان أكثر من الكلمات، ومع هذا هي في الصالون الآن!!، استدارت اللعنة في حلقها.. لتأكله النيران! لو كنت القاضي لحكمت عليه بالإعدام.. قالت داخلها. الأخرى - المسكينة أيضا- قالت أن ابنها في الإنعاش الآن؛ ضربه أبوه وسقط على الأرض!! اللعنة أقوى تمتمت بها روحها المذبوحة من سكين مثلّمة.***مسكينات !! قالت بصوت مشجوج الروح، كانت تظنها أكبر من هذا المعنى جاهدت طويلا كي لا تكون كذلك، الدموع كانت تكتب رسالة في رأسها لمي زيادة، لماذا مي بالذات؟! لا تعرف، مي زيادة التي أحبها العقاد المتعقد من النساء، وجبران الذي عاث فسادا وأوهمها بالحب العفيف، واحتكر عمرها في أيقوناته حتى وصلت للجنون وانتهت حياتها في مصحة!! لأنها امرأة آمنت بذاتها، ربما! هي التي تتمنى أن تموت ميتة رائعة كفرجيينا وولف، أو تكتب كتابات رائعة كإيزابيل الليندي.***في النادي الرياضي حيث الأجساد تناور شحمها، كانت تتأمل تلك الأجساد المتهدلة بشفقة، إنهن هنا كي تصبح أجسادهن رشيقة، إما بحثا عن رجل، يردن أن يحققن شروطه الجمالية في البدء، أو كي يردعن عيون أزواجهن (المتورطين) وكي يقللوا من فكرة الخيانة شرعا أو غدرا..***اللغة تهزمها مجددا.. التاء المربوطة ترتج في روحها امرأة، عورة، خيانة، عبودية، شهوة رغبة، عاجزة، عاشقة، ميتة.. وجمع المؤنث الذي لا يسلم مهما ألحق به من العلامات بدايات، خيانات، نهايات، انكسارات، احتمالات.. (الويل للاحتمالات للانتقاصات، للارتباكات للعثرات، كيف يصبح كائن كله محتملا، متأرجحا ومتهيئا للبين بين)، الألف المقصورة وهنى، حيرى، والألف الممدودة لمياء، هيفاء، شقراء، سمراء، بيضاء (وكأن هذه العلامة من مسوغات اللغة للحب أو الخيانة)؟!.. كانت تستجمع حريم الذاكرة وتنشرهن على حبل اللغة، الوجوه البائسة، أو المصبوغة بعناية لإخفاء الحزن، الخطوات المزمومة، الأحلام والحريات المقيدة، النظرات والرؤوس المنكسرة، والخطوات المقيدة بفعل الأمر والنهي.. تحضر اللغة مجددا فتنسحب من رأسها وتضع نقطة.

تعليقات