في سرد ما تيسر من سيرة الحنين والغرق
جهة الشعر
http://www.jehat.com/Jehaat/ar/SardYab3athAldef/7-09-098.htm
فاطمة الشيدي
برد/برد
ثمة ما يستلُّها من جسدِها، يزرعها في ارتباكاتِ الكلامِ تارة ويعمّدُها بشهوة الصمت تارة أخرى، تتجاسر على الوجع قليلا، تنتفض في وجهه كفينيق يواجه الموت..يحتشد فيها باشتعالات الجهد الممض، وينفضها بعنف، فيهتز قلبها الأخرس قليلا، وتنطفئ شموعها الظمأى ..يرتديها في تماهٍ مضاد ، فتخلعه بحدةتغمد نصل حزنها في خاصرته، وتحكم المتاريس الـ تعانق ظلها مذ كانت، وتختصر لهفة الماء في رعشة الظمأ، وتجاهد رغبة الانطفاء.
***
قافلة من الموت تغزوها بكل الوهن الذي ذرعته على خارطة الحكايات القديمة، فتوزع التفاتاتها في شهقات الرفض، وتوزع التفاصيل في غمرة الالتفاف السراب لهفة الحقيقة، والحقيقية ذاكرة الزيفبرد / برديوما خبأت ذاكرتها في قلب مرآة، واطمأنت أنها بواد غير زرع، تحرسها عناية الصمت وحراس المقابر الذين مروا على جرحها طيرت لها قبلة في الهواء، وغادرتكان بها حنين الغيم للماء، وشهوة العواصف أن تنجب الرعد وهي بلا قلبها أشد فرحا، وأكثر جاذبية في العبور، لذا تركته في حفظ الماء ومضت تصطنع القوة وتضع أحمر ابتسامة على شفتيها، وتسوى جسدها كي تسعف طيرانها المتسق بخفة عصفور ينام في عين العاصفةوتربك السماوات بدعاء شفيف.
***
هو؛ كان يسوي قوافل الشمس والملح في رئتيه، ويرتب حزم الهواء بحذر، يداعب الريح برقة كي تنتخب له ما تناثر من الغي زادا لعبور ينقصه الدهشة، أو صدفة المراجيح في امتداد الأفق، الـ تهدهد الحزن الذي تشق المسافات صدره فيصفر، و(ككل الشياطين) تنقصه جنية، ربما كي يبدد ذلك الحزن في صدرها المستدير..لاهيئة له كـ دخان يتصاعد أو كحقيبة سفر، ولم يك في انتظار الفريسة، فقد كان غائبا في الزحام المؤثث بالمواجع
***
لم تلتفت إذ رأته، فلاشيء يمكن أن يشغلها بهذا المكتظ كالمطارات بأوجاع المدن، وليس لعينيه سطوة الحقول التي ألفت أمطارها لكن! توجست بالحمى إذ ارتعشت قامتها على امتداد خيط الفجروإذ كانت تسوّي جناحيها وتدهن الخفقات بملمس الضوء، رأت ذاكرتها تتقدمها في مقلتيهتساءلت : كيف وصلته؟أرهقها السؤال.. كيف التقيا؟ .. ماذا قد يكون قد جرى من حوار أثير شدها لتسكنه، ذاكرة سيدة الكلام الأنيق، ومخالب الحزن العاتية، والتي دثرتها في قبرها قبل المجيء..!!لم تتمادى في السؤال فكثيرا ما خذلتها عند اقتراف الحنين، لذا تركتها تعالج ما تبقى من شقوق في مساحاتها المخضبة باليتم، قبل أن تزدحم بالأعشاب الضارة، فهي تفعل ذلك كل غياب!!
***
لا تجذبها رائحة المطارات فلها غليان الغربة، إذ يغرغر الدم في حنجرتها ومقلتيها فور ما تكون هناك، مع ذلك – مؤخرا- أدمنت الحالة كابتهاج سادي يخلّفه المكان، حيث تشعل الغربة ما تناثر من جثث في دمها، فتتصيّر بوصلة ضالة ..الظلال هدى في مفازات السلام التي تربي حرقتها في دمها، فتتوالد ما تبقى من شجن، كانت تتلذذ بقراءة الوجوه المتكدسة بالغبار، الوجوه المثقوبة والتي تتساقط كخدع رخيصة لمخرج فاشل، أو أكاذيب مدعي العشق في بدايات المحكات الحقيقية..كل شيء كان ما هو دائما اللاشيء فقط
***
كل ذلك الازدحام لا يوصلها إلى شيء، كل ذلك التصاعد المتعالي للوجع يختصر بـ (قف) عند كل المداخل والمخارج، وهي كما الجميع مجرد حجر غريب يتدحرج في مساحات الكونية الهشة، تدور كهذا الكون في مداراته الميتة.كانت تتلذذ بالتأمل في الأشياء القريبة والبعيدة، وتتحدث مع حشرة فضولية ترعى في أعصابها المهتاجة من أحاسيس الغربة، فأبدا تشعر أن الصمت يخنقها، كحبال الكلام التي تتلوى على عنقها المرهق من قلاداته الكبيرة، وأبدا مرهقة تعبر الأشياء العابرة..جسدها المسكين مرهق من حروبها الطويلة مع الصحة والمرض، مع البرد والحر، ومع الوقت، حروب الوقت تلك الأجدى بالدروب المستطيلة، والكائنات الغارقة في ظلها، لذا فمع الزمن تصبح قيمة خارج التقييم.
***
كل شيء كان عاديا جدا !!أن تكون بلا أطراف مجدية وبلا أحلام دافئة، أن تكون متكورة كحزن بليغ في حقيبة وطن، أن تكون غارقة في الظل حتى الرؤيا فهذه هي..تعرف جيدا أنها مؤقتة جدا، مؤقتة دائما، أو مؤجلة كطلقة أو كموت مفاجئ ,,كان كل شيء يمر ببطء مقصود ويضغط على أعصابها كحالة انتظار قصوى..ربما! ستبتلع أطرافها في آخر الحكايات السخيفة، وستقدم بلورات دمها لليمام الذي يهدل داخلها، وربما ستكون بلا ذاكرة، كذاكرتها الحمقاء التي غادرت المرآة قبل قليل..وربما ستكون كما هي فقط غائبة أبدا تتنفس بعمق مكابدات الكائن الهش والمضمحل في كل الأشياء المحيطة والمحبطة، وستسير كغابة رمل مرشوشة بالملح، ستكون هي ..هي فقط كما لا يعرفها أحد
***
كانت بلغتها السمراء تعبر المساحات الملوّنة، بما تساقط من ريشات زهوها المبجل، وتخدع الكون بغنج وهي تبادره بسخرية قصوى، هي التي تملك ثمن الخاتم الذي يقدمه شهريار كفاتحة لليالي المضيئة بالعشق، لذا فليس مهما أن يقدمه أبدا..مذ كانت تسير باتجاه الهاوية ومع ذلك لا تزال تحلم بصغار البط التي تستحم معها في مقلة الليل، والأقزام السبعة التي تخبئ لها الهدايا ليلة رأس السنة في فراش الحكايات.. وتتهادى كأغنية فلكورية لليل يغنيها الجميع ليدلل بها أوجاعه، و لا يعرف أحد لمن تلك الأغنية أصلا.. ومذ كانت تقاوم التأكسد في دم البحر، وتنتفخ كأشرعة الحظ في وجه الإحباطات المنتشرة كلحزونات الليل السيئة السمعة، وتتعثر المحيطات في صدى ضحكتها المائية، وتتبدد في كل المكانات والممكنات كقهقهة عالية، لتأتي شهية كالجرح، غائمة كالغابات أو كالضياع، عذبة كصدى ناي عالق بحنجرة العازف المفتتن بالغروب.
***
أجزعها أنها تمادت في الغياب، وأسرفت في التحليق، لذا عادت لذاتها لتدلل خرابها الموجع البهيج، كانت تحدث ذاتها(اهدئي فقط،، استجمعي شجاعتك وعزمك الجليل، فهاهي النجمة قريبة، مدّي يديك لسدرة السماء، واقطفي ما تناثر من بهجة مستحيلة، من شهوة شهيّة للطيران، كوني مشتعلة كنيزك قرر فجأة أن يحرق كل شيء قبل أن يلتحم مع الأرض في لذة النهاية)
***
تذكرته فجأة!! تذكرت أن بالقرب كان ثمة دخان تستحم فيه ذاكرتها الحمقاء وكان قد عبرها بخفة، أين هو؟كان سعيدا وهو يمشي كطفل نزق اقترف ما يغري به الموت، لم يحفل كثيرا بها، لعله لم ير في هالتها الرمادية ما يغري بالمثول بين يدي شجرها المقدس، ضحكت داخلها بتعالٍ:" لاعليكِ هو؛ كـ هم ، لايملكون أن يقرأوا رائحة الغابات في دمك، ولا رنة الغياب المقدس في لغتك، ولا أضرحة الليل البهيجة في حكاياتك المضرجة بالماء، لا يملكون أن يروا هذا المدى الذي تمدينه بينك وبين السراب، لتزهر الأرض حصادا من السنابل والأغنيات، إنهم يملكون أقداما لكنهم لا يجيدون القفز في الهواء، ويملكون خيالات لكنهم لا يجيدون نفخها كالأشرعة، ويملكون أصابعا لكنهم لا يجيدون حزمها كباقة ضوء تشعل الأرض ليلة العيد بالألعاب النارية"
***
فجأة! نظر إلى عينيها بحدة فارتعشت، هل تماس مع شيء من مناطقها الملغّمة بالعتمة؟ ثمة برق لمع في سماواته، فلم تعره انتباها، فبرق الوهم الذي يشتعل داخلها أبدا أشد حلكة من الليل والوميض افتراء هكذا تعلمت !!كانت غائمة جدا حين قالت: كأحلامنا العرجاء قصيرة هذه السماوات، ورمادية كأيام لا تلونها الشمس رغم إشراقاتها المتكررة ..داهمها: "جاهزة للحزن أنت" تجرعت الغبار، والدمع لم يغسل بكاءها الأثيم، فاستعارت شطر جملته لتسد عليه دروب الغواية "وجاهز للحب أنت" وكانت جملة اعتراضية على الحالة ربما..استعار أصابعها ليكتب، لأن أصابعه استطالت من كثرة العشق فلم تعد تصلح للكتابة على الغيم، وهناك كتب: "هي امرأة من زجاج، يعشعش بين أصابعها الغيم، وتولد كل ثانية في دمها سوسنة، هي امرأة من سنابل أو من غناء"لم ترعشها الكلمات فلم تمس إلا جلد السلحفاة، قالت: أحتاج مخالب تنهش بقسوة فجلد السلاحف وعر، وقد نسيت ذاكرتي (لأتذكر رعشة الحب)عند جارتنا الجديدة كي تفصل لها ثوبا للعيد الأخير، فقد قالت أمي أنها لها أصابع من لازورد، وهذا أغضب جدا صديقي الخياط الذي حفظ تعرجات تلك الذاكرة، وبائع القبعات التي ظنني سأغفل عنه بعد الآن، وسيدة الناصية التي أشتري منها جواربي، وربما أغضب ذاكراتي أيضا، فلم أستشرها!!
***
ضحك بخبث لأنه يعرف أنها تكذب، فتح يديه فرأت ذاكرتها في صورة حمامة تسكن هناك بسلام… فصمتت بحزنحديث العهد بالنبوّة ما كان يولد بينهما، هشا وبلا رسالات تتقدمه، كان يتعرّق كل ليلة حين يبدأ الوحي، الأنبياء يتقدمهم الغرور فكيف بالآلهة، ولا أثير صالح لاستقبال الرسائل، لذا فكل إرسال كان فاشلا وينتهي بعبارة "لم يتم الإرسال"تمادت الفتنة في لكز مساحات الشك، وذاكرتها الشقية تستحم في مقلتيه بعبث جسيم، وتمد لسانها لها، وتضحك..كانت تعرف أن رئتيها تشربت الدخان المقدس منذ ارتدادات الحزن والتحليق، وأنها حبلى به، وتتحرك بثقل وهذا يربك خطوتها، وكانت توارب كل هذا الموت بخفة طائر أتقن الهجرة وأدمنته المسافات، فالمدى عابر، والتفاصيل محض اجترار.. كانت الحمى تستعر، والبرد يترصد ما تبقى من سيرة الموت المؤثث بالتفاصيل، والجسد بقايا وهن مشتعل بالحمى وبالحزن..كانت يده تكشف لهفة الماء للتشكل، تعيد نسج الحكايات ولملمة الضوء، تبعثر فلول العزيمة على خارطة الموت، وتفضح استباقات الحنين، وترصد فتنة العطش في رعشة الروح.وكانت يدها تجس قلبه المتضخم ساعة الزلزلة، وقلبها يهرول في طفولتها القصية، ويبكي وحيدا في ردهات العتابلماذا ؟كان جسدها يستشرف الحنين، ويستحضر الجنازات كي لا يركن للنازلة، والعناق يهدى النهايات شمعة الطريق الأخير، وارتباكة الملح في مقلة الماء.
***
برد/ برد
الطريق طويل، والملح لا يسعف خيوط الممكنات إلا بما تيسر من الذكرى في ذاكرة تنتظر العيد لتغتسل من جنابتها، والمستحيلات أكثر استدارة من سيدة الحارات القديمة..قالت: أحبك بحجم الممكنات والمستحيلات إذا اغتسلا سويا في بحيرة العدم ليصلا للاشيء فقال: أريدك!فاستيقظ الحلم مطعونا في خاصرة الماء.
***
برد / برد
الحمى تشد ياقات الحنين، وتهب للمسافات لهيبها المستعر، فتلمح يديه تقبضان على مزاليج الغياب ببطء في ضباب الفجر، كي لا يغسله الطل بصوتها إذ يروم الهجر.. مشتغلا كان بغياب مناسب يصلح لقبلة الاحتضار، وتلويحة تناسب جنازة قوس قزح، ومهموما إذ لا يتمكن من عد خرزات الحنين، حزينا بدا وهو يعد قلبه لغابة أكثر بهجة وضياع..مكتوما كضحكة ستنفجر عند ناصية التاريخ ليدوّن في إثرها قصيدة عن قصة لم تغتسل في دفء التسابيح والماء.
***
برد / برد
الصمت يدثر اشتعال المواقد، والفراغ حجة الكائنات على الله والنسيان حجة الله على الأرواح إذ ترومها دودة الفقد، ومنذ أصل الخليقة والدخان حلّة للسراب، والمدى جارح إذ يشعل خيالات الميتين بوهم الحنين..ينقضي شطر الحكاية، يموت به الدفء المرتبك بافتعالاته الناقصة، تغيب الأيدي الملوحة في اشتداد المسافة والجرح.. والبرد ينازل الروح سهادا والحمى تخض الجسد إذ تحرقه الحمى والأسئلة..
تعليقات