المتغيرات في المجتمع العماني كما تصورها الأعمال الإبداعية
حميد بن عامر الحجري
إن الموضوع الذي يقترحه عنوان الورقة واسع جدا، فالمتغيرات الاجتماعية كثيرة جدا، ومن الصعوبة بمكان حصر انعكاساتها في الأعمال الإبداعية، ومن المحال حتما في إطار هذه الورقة إيفاء الموضوع حقه. إن ما سأقوم به لن يتعدى الإشارة السريعة والعابرة إلى ما قَدَّرتُ أنه أبرز المتغيرات في المجتمع العماني، ومحاولة رصد انعكاساتها في فنيّْ الشعر والقصة حصرا، وتقييم هذه الانعكاسات من زاوية فنية. ومن الضرورة بمكان توضيحُ أن ما ورد ذكره في الورقة من قصائد أو قصص أو روايات إنما يرد على سبيل التمثيل لا الحصر، ولا يعني أبدا أنها الوحيدة في تمثيل القضايا أو الظواهر أو السمات موضع الحديث، فالنتاج الشعري والقصصي العماني غزير نسبيا، وهناك أعمال عديدة لم يرد ذكرها في الورقة ويمكن أن تنطبق عليها السمات أو القضايا التي سيتم تناولها.
إن المتغيرات التي ستتناولها هذه الورقة وستحاول رصد آثارها في الأدب هي الآتية:
- الطفرة الاقتصادية وازدهار مشاريع البنية الأساسية.
- التغير في أنماط العيش.
- التغير في القيم والعادات الاجتماعية.
- المتغيرات الفكرية.
1- الطفرة الاقتصادية وازدهار مشاريع البنية الأساسية:
لعل المتغيرات المتعلقة بالطفرة الاقتصادية، والمتمثلة بدرجة أساسية في ازدهار مشاريع البنية الأساسية، كإنشاء الطرق والمستشفيات والمدارس وتأمين الماء والكهرباء وغيرها- لعل هذه المتغيرات هي الأكثر بروزا، والأسرع وتيرة. وقد كانت القصائد الوطنية هي الأسبق إلى رصد هذه التغيرات، في إطار الفخر والاعتزاز بمنجزات النهضة الحديثة. وعلى هذا الصعيد نقرأ أبياتا من مثل(1):
يا نهضة في عمان اليوم شامــلة
في كل أرجائها للعلم قد فتحت
مستشفيات لكل الناس جـاهزة
محاكم العدل للأحكام قد نصبت
وشرطة الأمن أدت كل واجبـهـا
في السهلِ والوعرِ منها عُبِّدَتْ
طُرُقٌ حقا علينا جميعا أن نلبيها
مدارس قد أقيمت في نواحيها
بكل مستلزمات الطب تحويهـا
عمت حواضرها حتى بواديها
والأمن قاموا جميعا كل ما فيها
عمت مرابـعـها حتى أقاصيها
إلا أن القصائد الوطنية، على الرغم من سمو دوافعها، ونبل منطلقاتها، وصدق المشاعر المرتبطة بها، ضعيفة من الناحية الفنية، فهي لا تقدم أكثر من رصد خارجي لأشكال التطور العمراني والاقتصادي في البلد، وكأننا إزاء تقارير رسمية. إنها عاجزة عن التقاط روح التغيير، عن طريق رصد لحظة من لحظاته، أو رمز من رموزه، واستبطان دلالاتهما على المستوى الذاتي والاجتماعي، بأدوات فنية تحمل القارئ على أن يعيش لحظة التغير بدواخله، ويتفاعل معها، ويلتقط روحها.
في الجهة المقابلة نجد أن الشعر ذو الطابع الحداثي وقف موقفا سلبيا من التطورات الحديثة التي ألمت بالطبيعة ولاسيما في بعديها الاسمنتي والتكنولوجي، فرأى في اجتياح الآلة الحديثة للطبيعة انتهاكا لعذريتها ونقائها، واستشراء لروح الإنسان الفاسدة، في نزعة رومانسية واضحة. نقرأ لحسن المطروشي في هذا الصدد:
كدأب الطفل والصوفي والعصفور
ألوي هاربا من أرضكم،
كالعيس أتلو رأسي المصدوع
من سم الفضائيات والحاسوب،
أجري مستغيثا بالقرى من نشرة الأخطار
فاحتاطوا لمهوى جثتي
بين انفجار اللون والتكوين،
إني راكل خلفي وصايا الكاهن الأعمى،
سلاما يا طلول الروح يا أنقاضنا الأسمى.
أنا المستأنس الآلي
باتت تنكر الديدان والأشجار والأحجار مسخي
الآدمي، الفاجر، المسحوق في فرن الحضارة،
أحتمي بالزرقة العظمى(2).
والقصيدة كلها تجري على هذا النحو من إعلان الرفض القاطع لكل المظاهر الآلية للحضارة الحديثة. وإذا كانت درجةٌ من السذاجة والبساطة الفنية تغلب على هذا النص، على نحو يوحي بأن هذا الرفض أقرب إلى الادعاء منه إلى القناعة الحقيقية، فإننا لا نعدم نصوصا أخرى لشعراء آخرين أعمق فنيا، مثل قصيدة "أحذية الجند" لسيف الرحبي(3):
هذه الأرض
التي تئن تحت أحذية الجند
وثقل الصيارفة،
لقد مشى عليها ذات يوم
شعراء مرهفون
وملائكة خضر.
مشت عليها النسوة الوثنيات
والرجال البدائيون
محمولين على النيازك والبغال
فوق جزر تتنزه أمطارها
في النوم
ومشى على بطنها النشيد
في فجره الندي
والفرق بين النصين هو أن الأخير عَبَّر عن موقفه الرافض للحضارة الحديثة تعبيرا ضمنيا، وأوحى إيحاءً غير مباشر بالحنين إلى تاريخها البدائي الذي يمَثَّل تاريخ الطهر والنقاء. فضلا عن الثراء الدلالي والفلسفي الذي تتكشف عنه صورة الأرض "التي تئنُّ تحت أحذية الجند وثقل الصيارفة". أما النص الأول فقد تورط في مباشرة فجة، ومبالغة ممجوجة، أضعفتاه فنيًّا على الرغم من الصور الكثيرة التي توفر عليها. ومن النصوص الجميلة أيضا لسيف الرحبي، والتي تصب في القناة نفسها، حيث رفض المدينة، والتضامن مع الطبيعة المهددة، نصه "يمامة" من الديوان نفسه:
أيتها اليمامة
التي تلجأ إلى نافذتي
من قيظ الصحراء وعصور الذرة
ترفقي بصوتك
الذي لا أكاد ألمحه
إلا كشبح جريح
ترفقي به
كي لا تنهار السماء
على ذروة الجبل.
نستطيع أن نقول بشكل عام إن شعراء الحساسية الحديثة في عمان اتخذوا موقفا سلبيا من الكثير من مظاهر التطور العمراني والتكنولوجي التي شهدتها المدن العمانية، وعلى النحو نفسه نهج كتاب القصة، ولاسيما ذوو النزعة الحديثة منهم، فالمدينة في نظر القاص العماني، على نحو ما يقرر د.أحمد شتيوي، "لا تستجيب إلى أحلامه ولا ترقى إلى طموحه، ولا توفر له السعادة والأمن وراحة النفس، فهي في نظره – على عكس ما كان ينتظر- مجرد كابوس فظيع يهدم في داخله معالم الإنسانية الحقة، فالمدينة لا تأبه بالإنسان-الفرد، ولا تعترف له بحقوق. ولهذا تتحول –في نظره- إلى قطعة عذاب مؤلمة إيلاما لا يتوقف: فمجالها ضياع، وأخلاقها إباحية، وقانونها أنانية ونظامها صراع، إنها كائن أخطبوطي لا ينجو منه الفرد. كل ما فيها ينتهك حرمة الإنسان: سرعة السيارة، علو العمارة، دقة الزمن"(4). وقصة مثل "قصة حبات البرتقال المنتقاة بدقة" ليحيى بن سلام المنذري، مثال جيد على ذلك، إذ تروي القصة تجربة رجل فقير يعاني من عاهة العرج، وقد اشترى فاكهة لأبنائه، ويحاول عبور الشارع، إلا أن ازدحام السيارات تحت سماء الصيف اللاهبة جعلت هذه المهمة بالنسبة له شاقة جدا، وقد كان ثمن اجتياز الشارع نسيان كيس البرتقال على الجانب الآخر منه، والعودة إلى الأبناء صفر اليدين. لا شك أن الكاتب يحيل على طبقة اجتماعية آخذة في التشكل في إطار المجتمع العماني، هي الطبقة الفقيرة المحرومة التي تعاني الأمرين في سبيل تأمين قوت يومها، والتي تكاد تسحقها عجلة التطور المتسارعة الحركة. وقد وظف الكاتب آليات سردية مستفادة من فن السينما في كتابة هذه القصة، على نحو يبدو فيها الراوي "أشبه ما يكون بالمخرج السينمائي الذي يتحكم تماما في كل عناصر المشهد"(5).
2- التغير في أنماط العيش:
لقد كان للطفرة الاقتصادية الناجمة عن اكتشاف النفط دور أساسي في ظهور الدولة بمفهومها الحديث. وقد كان لظهور الدولة الحديثة آثاره المباشرة في تغير أنماط العيش. والأعمال السردية على وجه الخصوص هي التي تعكس أشكال التطور والتغير في أنماط العيش على نحو واضح وجلي. لقد ارتبطت هذه الأعمال السردية بحياة مبدعيها وسيرهم الذاتية. ولذلك فإن العين لا تخطئ أبدا مراحل التطور الاجتماعي التي مرت بها عمان. وذلك من خلال نظرة كلية لمجمل النتاج السردي العماني لدى مختلف أجياله. وفي بعض الأحيان يمكن اجتلاء هذا التطور من خلال النتاجات الخاصة ببعض الكتاب ممن عاشوا مفاصل هامة في مسيرة التطور الاجتماعي العماني. عندما نقرأ الكتابات السردية التي تتناول مرحلة ما قبل النهضة، نلمس بوضوح ملامح الحياة العمانية القديمة. فنتوقف أمام الكُتَّاب (مدرسة تعليم القرآن)، ونتعرف على قلعة الوالي، ونلم بنبذة عن أساليب الري والزراعة ممثلة في النخيل والأفلاج، أو أساليب حياة الصيادين والبحارة. في هذه الأعمال نقترب من الكثير من مظاهر الحياة القديمة ونستطلع شيئا من مزاجها الخاص وقوانينها الداخلية. ومن الأمثلة على هذه الأعمال: مجموعة (المغلغل) للمرحوم عبد الله الطائي، و(منازل الخطوة الأولى) لسيف الرحبي، و(بين الصحراء والماء) لمحمد عيد العريمي. وإذا انتقلنا إلى مرحلة أحدث زمنيا، بعد النهضة، وقفنا على المدرسة الحديثة في بدايات إنشائها، حيث الأشقاء العرب هم من يتولون مسؤوليات التعليم، كما نقرأ في مجموعة "نقوش" ليونس الأخزمي، ووقفنا على قصص الموظفين في الدوائر الحكومية، وعلاقاتهم برؤسائهم أو مرؤوسيهم، كما نجد في مجموعات أخرى. وبالانتقال إلى الأمام إلى مرحلة أحدث زمنيا، على سبيل المثال مجموعة "الذاكرة ممتلئة تقريبا" لمازن حبيب، نستقرئ ملامح الحارة في أواخر القرن الماضي وبداية القرن في ولاية البريمي، حيث شلل الصبيان، وملاعب كرة القدم في المساحات الخالية، وحيث التوترات بين الصبية وبين بعض سكان الحارة .
لقد ارتبط القاص العماني ببيئته ارتباطا وثيقا، وعَبَّرَ عن مختلف المراحل التي مرت بها منذ ما قبل النهضة إلى اليوم، ومن الطبيعي أن تنعكس أشكال التغير التي طرأت على المجتمع العماني في نتاجه القصصي، وأن تمتزج هذه الانعكاسات برؤاه الخاصة ومواقفه الشخصية. وبقدر ما تنوعت التجارب والمراحل التي عبرت عنها تلك الأعمال السردية، تنوعت الأشكال الفنية التي اعتمدتها في التعبير عنها. في المرحلة الأولى كانت الغلبة للغة التقريرية المباشرة ذات النبرة الخطابية أو الوعظية، مع ضعف في نسج الحكاية القصصية وبناء الشخصيات، وتتضح هذه السمات لدى كتاب من مثل: أحمد بلال، وصادق عبدواني، وسعود المظفر. وفي مرحلة تالية، اتسمت القصة بطغيان اللغة الشعرية الباذخة، والرؤية الذاتية الحالمة، ووهم التغرب عن المجتمع، والسوداوية في المزاج العام، وذلك على حساب قوة الحدث، وجودة الحبكة، وعمق الشخصيات، وغيرها من عناصر البنية السردية. ومن الأعمال التي تمثل هذه المرحلة: "ساعة الرحيل الملتهبة" لمحمد القرمطي، و"ربما لأنه رجل مهزوم" لسليمان المعمري. وعلى الرغم من أن هذه السمات الفنية لا تزال تثقل كاهل العديد من الكتابات القصصية العمانية حتى الوقت الراهن، فإنه بدأت في الظهور بوادر التخلص منها لصالح لغة قصصية بسيطة تكتسب تأثيرها في القارئ من قوة الحدث وغناه الدلالي، وجودة الحبكة، وعمق الشخصيات، على نحو ما نلمس في بعض قصص عبد العزيز الفارسي.
3- التغير في القيم الاجتماعية:
لقد رافق نشوء الدولة الحديثة، والانتقال من حياة القرية إلى حياة المدينة، ظهور عدد من القيم والعادات الاجتماعية الوافدة، من مثل انتشار الحفلات كحفلات أعياد الميلاد واتخاذها شكلا من أشكال التباهي الاجتماعي، وتعليم المرأة وخروجها إلى العمل، واستقدام المربيات الأجنبيات ليؤدين دور الأم، وتعظيم المال وإكبار دوره والسعي إلى تحصيله سواء بطرق مشروعة أو غير مشروعة، وغيرها من القيم التي تعد غريبة على مجتمع قبلي محافظ. وقد رصد كتاب القصة، ولاسيما ذو النزعة الاجتماعية منهم مثل: أحمد بلال، وسعود المظفر، وصادق عبدواني، وإحسان صادق اللواتي، هذه التغيرات في القيم والعادات الاجتماعية، ونقدوا ما قدروا أنه سلبي يضر بالمجتمع، وأيدوا ما بدا لهم أنه إيجابي يسهم في تقدم المجتمع. ويرى الناقد السعودي سعيد مصلح السريحي أن الفنان العماني في هذه المرحلة اضطلع بدور المصلح الاجتماعي، والموجه الروحي، والمصحح للأخطاء، والمرشد العام للناس، تلك الذروة التي لا تشفع له كفنان، والتي تجيء على حساب اهتمامه بتطوير أدواته، ورعاية فنه، وتحديث منظوره للفن وطبيعته ووظائفه التي يمكن أن يتبوأها في سياق النهضة(6).
وفي نطاق الشعر، ولاسيما لدى شعراء النزعة الحداثية، نلمس حضورا قويا جدا للحانة، كمظهر من مظاهر المدينة لم يعرفه المجتمع العماني سابقا. ولقد توطدت صلة الشاعر الحديث بها باعتبارها رمزا للحرية المخنوقة -من وجهة نظره- في سياق الحياة العلنية العامة، وباعتبارها نافذة يطل منها على زوايا مظلمة ومهمشة من المجتمع يرفض الناس الاعتراف بوجودها في وضح النهار. لقد باتت الحانة في الشعر العماني الحديث رمزا شعريا ثريا ومتنوع الدلالات. يقول الشاعر زاهر الغافري(7):
الإشارات تتبع الشاعر
إلى عمق الحانة.
يمشي كأنه يجوس خريطة العالم
حيث ستقوده خطواته
إلى تلك النقطة،
إلى ذلك المكان
ليكتشف مجددا مظالم الحياة.
ويقول الشاعر عبد الله حمد سعيد في قصيدة "مراهنات الشيطان الأسود":
وجه الشيطان الأسود يخرج
يحمل خمرا في كفيه
كلعاب الشمس المحروق الأصفر
مثل سنابل قمح لفحتها نار مجوس
يمزج أسنان المرأة بالقنينة
فتغوص الضحكة في أمعاء الرجل الشهوي
سريعا تسمع للجسدين بروقا وسيولا والنار الإغريقية تشحب
في الجسدين
للخمرة أسنان تحرث أثداء الروح
للروح هسيس يصفر في الجسدين
للمرأة أنهار من عسل تجري مثل لعاب الشمس
الشيطان الأسود محبوب من قطط الشارع
من كل إناث الفجر
وله سلطان الرؤية دون الأرواح
وهو القادر –باسم القادر- أن يصنع أحذية
للبوح وأكماما للرغبات (8).
ويجسد الشاعر هلال الحجري التناقض الذي تمثله المدينة الحديثة بجمعها بين المساجد والحانات، دور العبادة وأماكن اللهو، وما ينشأ عنه من تناقض في السلوك سواء على مستوى الفرد أو الجماعة(9):
- من المعبد إلى المشرب!
أما تتريثُ
حتى يجف الوضوء من على جبهتك؟
- كالدمعة على الخد
كنقطة الحياء
على جبهة العذراء
تقودني خطوتاي
إليه
دون أن أدري!
4- المتغيرات الفكرية:
بسبب انتشار التعليم في عصر النهضة، وتوفر الناس على وسائط المعرفة والتكنولوجيا الحديثة، لم يعد المجتمع العماني -على المستوى الفكري- ذلك المجتمع النقي المتجانس الذي يعتنق موروثه الديني والاجتماعي اعتناقا صادقا دونما تشكيك أو ارتياب. إن المجتمع العماني، شأنه شأن المجتمعات الخليجية الأخرى، تفاعل مع روافد الثقافة الحديثة، فاطَّلع عليها، ونهل منها، وتنوعت أشكال استجابته لها، فمن رافض لها، حريص على ماضيه الفكري والثقافي، إلى منبهر بها داع إلى الأخذ بها بقوة واندفاع، إلى موقف حذر ومحترز يتوسط الموقفين السابقين ويدعو إلى الإفادة من لبابها دون قشورها.
نقرأ للشاعر خميس قلم في قصيدة "من سفر الوجع"(10) ما يمكن أن يمثل مراجعة للذات الجمعية، وثورة على ماضيها وحاضرها، ودعوة للأخذ بأسباب القوة العصرية:
والسور
والبلد المسحور
وحصنه المهجور
يا أيها الإنسان لا تكابر
كم في ذرى الأمجاد من مقابر
يرقع التاريخ منها جسده
وينشر الزمان فيها مدده
يخاتل التراب جوقة المحاجر
وينبش الضمير ما يندس في
مزابل الصدور
والجوع
والكاهل المخلوع
والقلق النابت بين غابة
الضلوع
إنا نذوب في انتظار شيخنا
المهدي كالشموع
ونرهن الفأس لإسرائيل
والقلوع
ثم نقول إننا نجوع
فأي ذنب قد جنينا
أيها الجموع
يوم تركنا الجسر يهذي خلفنا
يستنفر الرجوع
ما أسهل الدموع!
ما أسهل الدموع!
ولاشك أن الانفتاح على الروافد الفكرية الغربية، والاطلاع عليها بعمق، يحمل المبدع على الشك في الموروث، ومراجعته بصرامة، واكتشاف الكثير من عيوبه، الأمر الذي ينتزع من جفنيه برد الاطمئنان واليقين، ويزرع مكانهما قتاد القلق والتوجس والبحث المستمر. وعلى الرغم من أن السعي وراء الحقيقة فضيلة كبيرة، ولا أظن المبدع العماني يعدل بها فضيلة أخرى، إلا أن ذلك لا يحول بينه وبين أن يستشعر في بعض الأوقات حنينا إلى برد اليقين، حيث الهدوء والاستقرار النفسي. نلمس الحالة السابقة في قصيدة "إلى أبي"(11) لهلال الحجري:
ليت لي شيئا
أفزع إليه يا أبي
كما تفزع أنت إلى صلاتك آخر الليل
يا صلاته ارفقي بي واتئدي
تعال
وقايضني يا أبي:
سأعطيك كل شيء!
الثورة
والمجد
وأحلام اليقظة
كلَّ شيء يا أبي!
وأعطني أنت:
دمعة
من دموعك التي تذرفها ساجدا آخر الليل!
ومن المتغيرات الفكرية ما طرأ على فهم المرأة لذاتها، وعلاقتها بالرجل، وطبيعة دورها في الحياة. ولا شك أن لفرص التعليم والعمل التي أتاحتها الدولة للمرأة دورا أساسيا في تشجيعها على البحث عن ذاتها خارج الأسوار التي فرضتها عليها السلطة الذكورية في العصور السابقة. وعلى الرغم من دعم الدولة لجهود تحرير المرأة، وإعطائها حقوقا أكثر ومساحة حرية أوسع، إلا أن المجتمع لا يزال في قطاع كبير منه ينظر إلى المرأة من منظور القيم الشرقية التقليدية الذكورية الطابع، ويقيم دورها ومنزلتها الاجتماعية من خلالها، لذلك فالمرأة المثقفة، على اعتبار أنها الأكثر مطالبة بحقوقها وتمسكا بها، تعاني نسبيا حالة من الاغتراب تجاه المجتمع الذي تعيش فيه، الأمر الذي يشير إلى أن هذا التغير الاجتماعي لا يزال محدودا ويتحرك ببطء نسبي ويؤكد أنه لا يزال أمام المرأة طريق شائك طويل من النضال لتحصل على حقوقها الفكرية والإنسانية. في هذا السياق نقرأ قصيدة "ضبابية" للشاعرة فاطمة الشيدي(12):
يجلدني الصمت المتوزع
في حنجرتي كطعم القهوة
المسافات المسافرة في رأسي تعتصرني
أعاصير الفوضى
وشهوة الرفض
تسري في عروقي حتى الهذيان
يعتورني شعور غامض بالفقد واليتم
أمد للأفق وجها ضبابيا
أتبعثر كروح منزوعة الريش
من زمانات المشيمة
القلق يشملني بعباءة أكثر تحنانا
من عباءة جدتي برائحتها العطرية العتيقة
أبحث عن قلق آخر
يحرك رواكدي
ويبهت شموسي الحارقة
تستعر الحرقة بين ضلوعي
تجلس على موائدي مقرفصة
مادة مخالبها
لتنهش ما يحلو لها حتى الوسن
إلى ما سبق، تصور المجموعة التي اختيرت منها القصيدة السابقة "خلاخيل الزرقة" الجرأة التي اكتسبتها المرأة المثقفة إلى الدرجة التي صار بإمكانها أن تتغزل في الرجل وتعبر عن عشقها له، نقرأ في قصيدة "ترنيمتان لرجل واحد"(13):
صوتك
موث خثر الدم في رئتي
شهقة أشرقت الروح حتى البكاء
لذة مُسكِرة أرخت أوتار الجسد
قدر دس أثواب العيد في دمي
قبَّل أطراف أناملي المرتعشة
دفء كنار البداة الأوائل الحالمة
يستحم فيها الغسق والكلاب الخائفة
التي تشحذ عزيمتها بالنباح
مطر بارد
غسلني حتى الرعشة
أرجف الجسد
سرت قوافل حمّاه الغازية
بعنف ونظام في عظامي
بموسيقاها العسكرية وخطواتها الجادة
وكائناتها الخرافية
تنملت المفاصل والعروق
وأرغى العشق كجمل مهتاج
وتفصد العرق
من حرقته الموجعة
صوتك حارق
كصحراء ساعة قيظ
ناعم كفجر ساعة الغبش
مسح الطل على وجهه
بقبلات ندية
فاحتقن خجلا
عذب كموسيقى غيبية
تأتي محملة بروائح الصندل والزعفران
حاد كنصل شرقي لامع ينغرس في كبدي
بخفة ورشاقة
فيزدهر الحنين
ويزبد الوله.
- الخلاصة:
في ختام هذه الورقة أقرر أن المتغيرات التي طرأت على المجتمع الخليجي كثيرة، سواء فيما يتعلق بالجانب المادي منه، أو الجانب المعنوي، وقد وجدت تلك المتغيرات طريقها إلى الشعر والقصة، فعبر عنها هذا الفنان من زوايا مختلفة، ووفقا لرؤى مختلفة، وبدرجات فنية متفاوتة، فبعض الأعمال اكتفت بالرصد الخارجي، وبعضها كان أعمق في التقاط لحظة التغيير والتعبير عنها، وبعضها مثلت بحد ذاتها شكلا من أشكال التغيير إذ طمحت إلى إنجاز التغيير والمساهمة فيه، على نحو ما نلاحظ في الأعمال ذات الطابع الفكري أو السياسي.
* قدمت هذه الورقة في الملتقى الأدبي الخامس لدول مجلس التعاون الخليجي المنعقد خلال الفترة 10-12/8/2009، في مدينة "أبها" في المملكة العربية السعودية. وقد حمل الملتقى عنوان "المتغيرات في المجتمع كما تصورها الأعمال الإبداعية لدول مجلس التعاون الخليجي".
** الجامعة العربية المفتوحة – فرع سلطنة عمان
(1) إشراقات من الشعر العماني، العدد الرابع عشر، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، 1980، ص11.
(2) حسن المطروشي، على السفح إياه، مؤسسة الانتشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى، 2008، ص62.
(3) سيف الرحبي، الجندي الذي رأى الطائر في نومه، منشورات الجمل، ألمانيا، 2000م، ص37.
(4) د.أحمد الشتيوي، قراءة في القصة العمانية المعاصرة، ضمن كتاب: نماذج من المحاضرات التي ألقيت بالمنتدى الأدبي 1996-1999، المنتدى الأدبي، مسقط، الطبعة الأولى، 2000م، ص307
(5) د.أسية البوعلي، فنية القص: مدخل نظري ودراسة تطبيقية، ضمن كتاب: قراءات في القصة العمانية المعاصرة، المنتدى الأدبي، مسقط، الطبعة الثانية، 2006م، ص33
(6) سعيد مصلح السريحي، القصة القصيرة في عمان- البدايات: الدور الاجتماعي والقصور الفني، ضمن كتاب: فعاليات ومناشط حصاد أنشطة المنتدى لعام 1991م، وزارة التراث القومي والثقافة، مسقط، 1992م, ص165
(7) زاهر الغافري، كلما ظهر ملاك في القلعة، مؤسسة الانشار العربي، بيروت، الطبعة الأولى 2008م، ص71
(8) عبد الله حمد سعيد، صهيل فرس حروري، مؤسسة الانتشار العربي، الطبعة الأولى، 2005م، ص50
(9) هلال الحجري، هذا الليل لي، كتاب نزوى، الإصدار السابع، مؤسسة عمان للصحافة والنشر، مسقط، 2006، ص67.
(10) خميس قلم، طفولة حامضة، وزارة التراث والثقافة، مسقط، 2007م، ص33.
(11) هلال الحجري، مرجع سابق، ص35
(12) فاطمة الشيدي، خلاخيل الزرقة، دار المدى للثقافة والنشر، دمشق، الطبعة الأولى، 2004، ص7
(13) المرجع السابق، ص45.
تعليقات