سرديّة الموت ومونولوجية الرواية:
تأمّلات في رواية «حفلة الموت» لفاطمة الشيدية
د. محمد الشحات
-1-
في واحدة من مقالاتي التي نُشِرت في هذا الباب من (شرفات) كنتُ قد تعرضت بالتحليل في أحد الأعداد السابقة لقصيدة بعنوان (ذاكرة المشيمة) لفاطمة الشيدية. وبعيدا عن كون فاطمة الشيدية تكتب شكلا شعريا حداثيا ينتمي إلى جنس قصيدة النثر، فقد كانت ملاحظتي الأساسية آنذاك – إن لم تخنّي الذاكرة - أن قصيدتها تنتمي إلى منطق التداعي الحر في الكتابة؛ أقصد إلى نمط الكتابة الشعرية التي تسعى دائما إلى التحليق فوق فضاء الجنس الإبداعي وتصبو إلى التحرر من قيود النوع الأدبي بشكل عام. فالنوع الأدبي - كما كان يقول (فريدريك جيمسون) أحد أقطاب الحداثة - (مؤسسة أدبية)؛ بمعنى أن كل جنس إبداعي له تقاليد ومواضعات وأعراف وتطورات تاريخية ينبغي على كل كاتب أو كاتبة الوعي بها داخل فضاء هذا النوع أو ذاك، حتى وإن حاول هذا الكاتب أو تلك الكاتبة التمرّد على مواضعات النوع الذي يكتب أفكاره من خلاله فإنما يكون تمرّده نابعا من داخل قوانين النوع الأدبي ذاته، لا من خارجه، وفي حركة تشبه تقنية اللعب بالنصوص واللعب مع النصوص أيضا. أي أنه باختصار لعب في دوري محترفي الكتابة وليس هواتها.
ربما يشعر قارئ رواية فاطمة الشيدية الأخيرة (حفلة الموت) أو (رقصة الموت)، إذا تتبعنا تداعيات عنوان الرواية، بأن ثمة إحساسا شبيها بذاك الذي ينتابه إذا ما قرأ قصيدتها (ذاكرة المشيمة) التي كانت تقول فيها:
(وطني أحاديث المطر تثرثر بين الحقول
إذ يحرسها (خيال المآتة) والعصافير تضحك
على أنفه، يأكله الدود فلا يستجير،
والأيدي يشقّقها الغبار على مقربة من السماء؛ إذ
ترتفع بالدعاء.
والساقية تدغدغ الأناشيد فتعلو في بهجة المزامير).
سوف تكثر المفردات التي تتخلق منها ذاكرة الوطن في قصيدة فاطمة الشيدية، بل هي بالأحرى (ذاكرة الرّحم الأول) الذي يجب على كل إنسان أن يظل موصولا به، مهما ارتحلت به الذات في الزمان أو المكان؛ لأن القطيعة مع الرحم أو المشيمة هي الموت عينه. هكذا، كان المفهوم المركزي الذي يتمحور حوله (وطن) فاطمة الشيدية هو إعادة صياغة لفضاء (الذّاكرة) من حيث هي تسجيل وتأريخ وجغرافيا في آن:
- وطني ذاكرة تتهجّى مفردات الحياة.
- وطني أصابع تعاقد أصابع الحزن في لحظة الفقد.
- وطني الأجساد البضّة تتعلَّم لذة العناق؛ إذ يتداعى الحنين.
- وطني أسرار الرمل الطاهرة مخبوءة في كريات الصحراء.
- وطني لغة السلام المرفرف كالأجنحة،
خارطة البياض المتمادي في عنفوان الفراغ.
- وطني غرف الذاكرة المطفأة إلا من بقايا سراج،
ولذّة عود شهيّ.
- وطني لكنة اللغات تختصر مسافات الحكي،
وتمدّ جسورا من البهجة بين الحروف،
… … … إلخ.
ولسوف يتصاعد إحساس قارئ رواية فاطمة الشيدية الأخيرة (حفلة الموت) بأنه بصدد كتابة سردية تحاول دائما - رغم تمثلها وتشكّلها واحتمائها بتقاليد العنوان (حفلة الموت - رواية)، بل وتواريها خلفه - أن تنهض على مفارقة يصنعها العنوان ذاته (حفلة/الموت). ومن المعروف أن عناوين النصوص الإبداعية والفنية محددات قرائية ومحددات نقدية أيضا؛ أي أن قارئ الراوية يعي أنه يقرأ رواية أو نصا أدبيا ينتمي إلى جنس عُرِف على مدار التاريخ الأدبي العالمي باسم الرواية. وأن ما يقرأه من روايات لهذا الكاتب العربي أو الإفريقي أو ذاك الغربي أو الأمريكي أو اللاتيني إن هو إلا امتداد لهذا الجنس المتمرّد بذاته غير القابل للتأطير؛ لأن فنّ الرواية - كما كان يقول الناقد الروسي ميخائيل باختين مثلا - أكثر الأجناس الإبداعية قدرة على التقاط النغمات المتنافرة في العالم المعاصر، ومن ثم فهو الجنس الأكثر قدرة على استيعاب أنواع أدبية وفنية شتى، من رسائل أو مدوَّنات أو يوميات أو مذكرات أو نصوص شعرية أو ملحمية، .. وغير ذلك.
وإذا كان عنوان أي عمل إبداعي أو فنّي هو العتبة أو المفتاح الذي يتيح للقارئ الولوج إلى هذا الفضاء المتخيَّل الرحب، فإن عبارة (حفلة الموت) هي العتبة الأولى أو المفتاح المركزي لنص روائي شٌيِّد على ذاك التناقض: (الحفلة) بما هي مرادف لفعل الاحتفال وطقوس البهجة والحركة والنشاط الإنساني، في مقابل (الموت) من حيث هو دالّ على الحزن والصدمة والصمت والسكون. أما إذا كان الاحتفال فعلا من أفعال الحياة الكرنفالية، وهو فعل حواري/ ديالوجي بالطبع، وينهض على التعدّد والتباين والمغايرة، فإن فعل الموت مونولوجي الطابع؛ أي أنه مرادف للصمت أو اللافعل لكونه ينهض على التماثل والتفرّد والعزلة. وينسحب هذا التناقض الخلاّق الذي يحمله عنوان الرواية على المفتتحات الداخلية التي هي بمثابة موجّهات لفعل القراءة الإبداعية التي تسعى إلى إنتاج المعنى/ الدلالة.
لذلك، تُفتتح الرواية بثلاثة مفتتحات داخلية، هي:
- (رواية متخيّلة نُسٍجَتْ أحداثها من ميثولوجيات المكان العماني). (المؤلفة)
- (بالإمكان أن نقرأ توافه الحياة اليومية بطريقة أو بأخرى، مليئة بكل أصناف المعاني المهمة). (رولان بارت)
- (الموت قريب بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياة). (نيتشة)
إذن، تستقي هذه الرواية فكرتها من جذور ميثولوجية (أسطورية) ولَّدها العقل الجمعي الذي ينتمي إلى التربة والثقافة العربية (العمانية تحديدا). وأية ميثولوجيا أو أسطورة، في أي زمان أو مكان، ليست محض فكرة افتراضية تطرأ على أذهان البشر الذين يسكنون هذا المكان أو ذاك، بل كل أسطورة في حد ذاتها معتقد، شعيرة تؤمن بها الجماعة وتصدر عنها في سلوكات حياتها اليومية، الجليل منها والوضيع. وما لم تتحول الأسطورة إلى فعل وممارسة اجتماعية تصبح فاقدة لمعناها ولا تتعدى كونها مجرد فكرة نظرية سطعت ثم اندثرت.
أما المقطع المقتبس من كلام رولان بارت فيرمي إلى أنه يمكن خلق (المعنى الكبير) الذي تنهض عليه الحياة (ومن ثم: الموت (بوصفه الوجه الآخر للحياة)) عبر قراءة التفصيلات اليومية التي تبدو للبعض تافهة وعديمة المعنى، لكنها ممتلئة بكل صنوف المعنى وضروب الحياة. وهي تفصيلات تبني جسورا وحواجز وسدودا من الخيال الذي يسعى إلى مناهضة وطأة الموت. ولأن الموت قريب منا كي لا نفزع من حياتنا المؤقتة، المحدودة، فعلينا أن ندركه كما أدركه المتصوفة؛ إذ الموت دائما كامن في رحم الحياة، كما الحياة نائمة في رحم الموت. وليس الموت نهاية للعالم، بل هو عتبة لعوالم أخرى، ومحطة للانتظار يلتقط فيها الإنسان (الصوفي/المسافر/المهاجر) أنفاسه ثم ينطلق في عوالم أخرى، تبدو للكثيرين عوالم وحيوات ميتافيزيقية لكنها يالنسبة إلى المتصوف، وحده، مرئية ومحسوسة ومتعينة.
إذا جمعنا بين مقولة (موت المؤلف) لرولان بارت (الناقد الفرنسي الشهير أحد أقطاب المدّ البنيوي في الستينيات الذي كان يرى ضرورة التعامل مع النصوص الإبداعية تعاملا جماليا دون سعي إلى تفسيرها خارج هذا الأفق المجازي كنوع من ردّة الفعل العنيفة على النقد الاجتماعي والتاريخي والنفسي الذي سبقه) ومقولة (موت الإله) لفريدريك نيتشه (فيلسوف الحداثة الأشهر، وصاحب الأفكار الأكثر تأثيرا في حركة ما بعد الحداثة، كفكرة (العود الأبدي) وغيرها..) وعنوان فاطمة الشيدية (حفلة الموت)، أقول: إذا جمعنا بين هذه المفاهيم أو المقولات الثلاثة لأصبحنا بصدد مرثية للموت، الأمر الذي يجعل من رواية فاطمة الشيدية، من زاوية أو أخرى من زوايا التناول، مرثية لقيم اجتماعية وتاريخية وثقافية وأسطورية اندثرت، أو كادت تندثر بفعل تحولات الحداثة المزيفة، لكنها لا تزال متجذّرة في العقل الجمعي العماني، أقصد إلى قضية (المغيَّب في المجتمع العماني).
-2-
تقدّم لنا رواية (حفلة الموت) شخصية فتاة عمانية اسمها (أمل)، تحمل موروثا ثقافيا وإرثا اجتماعيا، وميثولوجيا أيضا، ولدت في بقعة من بقاع المجتمع العماني مغلفة بغلاف أسطوري لا تستطيع الفكاك من أسره، حيث وُصِِفَتْ منذ صغرها بالمغيَّبة. (والمغيَّب يستدعي من الذاكرة العربية الجمعية كل ما له علاقة بدوال التغييب والتجسيد والمسّ والقرين والشبح والجانّ، .. إلخ). تأتينا كل هذه الدوال بمحمولاتها الثقافية والاجتماعية وإرثها الأسطوري ونحن نقرأ الرواية، كأننا ندور في فلك عالم سحري يشبه في أحد أوجهه الفضاء السحري لحكاية (مدينة النحاس) الشهيرة في قصص (ألف ليلة وليلة). هكذا، وُصِفَتْ أمل بالمغيبة وظلت هذه الصفة تلازمها منذ نعومة أظفارها بسبب حادثة تعرضت لها وهي صغيرة.
ترتبط أمل بشاب بحريني الأصل اسمه (أحمد)، لكنه عراقي الجذور من حيث نسب الأم. يجمع بينهما حب الأدب والفنون والثقافة. لكنهما سوف يصطدمان بجدار العادات والتقاليد والاختلافات الثقافية والجغرافية التي قد لا نعتدّ بها كثيرا في مجتمعاتنا، لكنها اختلافات تنخر في أواصرنا دون أن نعي. وهنا، ينبغي أن نلفت النظر إلى كون الرواية تسعى سعيا حثيثا إلى الانتقال من كونها رواية عمانية ذات فضاء محلي إلى كونها رواية عربية ذات فضاء جغرافي وسردي أكثر رحابة. لكن أغلب أسماء الشخصيات لا تكتسب هذا الطابع أو السمت العماني: أمل، أحمد، حنان، منى، .. إلخ.
تجعل فكرة (المغيَّب) من (أمل) شخصية روائية تتسم بالتردد والإحجام بالمعنى النفسي، أقصد إلى فشلها في تحويل (الحب) من مفهوم نظري يعيش بداخل كل إنسان إلى ممارسة وفعل اجتماعي خلاق. لذلك، تُروى الرواية ككل، عدا بعض المشاهد القصيرة جدا، من وجهة نظر أنثى، أو امرأة، هي أمل المغيَّبة التي تتحكم في المنظور السردي الذي يضبط الإيقاع الروائي ككل. وإذا استخدمنا مصطلحات جيرار جينيت مثلا، نستطيع أن نقول إن (من يرى؟) في الخطاب السردي لرواية (حفلة الموت) هي شخصية أمل (دائما) التي قد تستخدم ضميرا سرديا جمعيا بما يحدث نوعا من أنواع التعاطف بين الراوي والمروي والمروي عليه، أما (من يتكلم) فهي أمل (غالبا) وأحيانا أحمد أو بعض الشخصيات الأخرى.
-3-
لماذا وصفنا الرواية بأنها (سردية الموت ومونولوجية الرواية)؟
تتكون كلمة (مونولوجية) أو (مونولوج) من مقطعين: أحدهما كلمة (لوج) مشتقة من كلمة (لوجوس) اليونانية القديمة التي تعني (الكلمة) أو (الصوت)، والكلمة الأخرى (مونو) بمعنى (أحادي) أو فردي، وعكسها كلمة (ديا) بمعنى زوج أو ثنائي أو متعدد. إذن: هناك جنسان من الرواية، أو شعبتان كبيرتان تنتميان إلى جنس الرواية في تاريخ تطورها النوعي. إحداهما هي الرواية المونولوجية التي تعتد دائما بأحادية الصوت السردي ومركزيته التي تجعله يتحكم في عملية السرد من وجهة نظر واحدة بحيث لا يرى القارئ العالم إلا من خلالها فحسب، مهما تعددت الشخصيات أو تنوعت. والثانية هي الرواية الديالوجية (الحوارية) أو (البوليفونية) (متعددة الأصوات) التي تسعى إلى إيجاد تعدد في المنظورات التي يرى كل قارئ العالم الروائي عبرها، والتي توجد شكلا تقنيا من أشكال الديمقراطية في تقديم وجهات نظر الشخصيات وتماسك كل منها. (وقد أفاض ميخائيل باختين في شرح هذه المفاهيم النظرية في أغلب كتاباته، وخصوصا كتابيه: (الخطاب الروائي)، و(شعرية دوستويفسكي)) . ورواية (حفلة الموت) أميل إلى الصنف الأول الذي تتعدد فيه الشخصيات وتتنوع، لكنه ذلك التعدد والتنوع الوهمي، أو الإيهامي، الذي يظل مخلصا لوجهة نظر الراوي الرئيسي (أمل)، صاحبة الوعي الأكثر ثقلا وهيمنة على فضاء الرواية. لذلك، يصبح كل من باقي الشخصيات (أحمد البحريني، حنان المصرية، خالد، … إلخ) كأنها شخصية واحدة رغم تعددها، لا نراها أو نستقبل وعيها ومنظورها الإدراكي للعالم إلا عبر شخصية أمل. ولأن الرواية ذات طابع مونولوجي، تصبح تقنية الاسترجاع هي التقنية المهيمنة، فالرواية عبارة عن استرجاعات داخل استرجاعات، ثم تنتهي المشاهد غالبا بجمل استفهامية موجَّهة للقارئ.
وليس وصف رواية (حفلة الموت)بأنها رواية مونولوجية وصفا يحمل حكما قيميا (أيديولوجيا)، كما قد يفهم البعض، بل هو وصف تقني في المقام الأول. أي أنه وصف يعنى بتقنيات وأساليب السرد الروائي. عير أن التقنية السردية التي جعلتني أصف الرواية بهذا الوصف هي هيمنة الراوي بضمير الغائب، وهو راوٍ عليم بكل شيء، يشبه الإله في التصورات النقدية القديمة، حتى أنهم كانوا يطلقون عليه اسم (الراوي العليم بكل شيء/ الراوي الإله/ الراوي كلي المعرفة كلي الوجود).
وعلى الرغم من كل ذلك، تسعى رواية فاطمة الشيدية باجتهاد إلى خلخلة الكثير من المفاهيم المتوارثة عن المجتمعات الشرقية وصورة المرأة المقموعة فيها تحديدا، الأمر الذي يدفع بالرواية - رغم تقليدية شكلها وطرائق السرد فيها - إلى اصطباغها بصبغة حداثية ما. أقصد إلى أن ثمة مفاهيم حداثية محتشدة، فيها الكثير من صراع الأفكار والمفاهيم والجدل بين المقولات التي تحمل معنى الشجاعة والإقدام، وهناك مواضع تتناول فيها الرواية الحقوق النسوية بدرجة من درجات التحفظ، رغم أن بها الكثير من الجرأة أيضا، لكنها في ظني جرأة كانت تحتاج إلى تضافر ما هو تقني أو فني بما هو ثقافي اجتماعي تاريخي في مركَّب سردي واحد.
من هنا، يتسم بناء رواية (حفلة الموت)، وإيقاعها السردي من ثم، بأنه بناء خطي يشبه السهم المندفع الذي ينطلق للأمام كالخط المستقيم بلا توقف. فحين تدخل أمل في غيبوبة، ويظن الجميع أنها ماتت، ويتركها أحمد في لندن في أحد المستشفيات، يتركها وقد فقد الأمل في رجوعها، إذا بنا نفاجأ في المشهد الأخير من الرواية بحوار قصير بينها وبين الطبيب المعالج لها الذي كان يسميها في البداية بالميتة؛ لأنها كانت في غيبوبة وضعتها على مشارف مراسم أو شعائر جنائزية تشبه مراسم الاحتفاء بالجسد بعد الممات. لكن هذا الطبيب، بالمصادفة، يشعر بما يشبه الحرارة في جسدها، فيشرع في فحصها فورا، ويكتشف أنها لا تزال تنتمي إلى عالم الأحياء.
فضلا عن ذلك، ففي الرواية مقاطع أقرب إلى أن تكون مرثية للأم العربية بشكل عام والعمانية بشكل خاص:
(أمي: لم يمضِ الزمن الكافي بعد على وجودي معك، بين يديك المنفرجتين بالحب والهناء، لم يمض الزمن المناسب وأنا أحاول أن أردّ إليك شيئا من طقوس عنايتك بي مذ كنت وحتى الآن.. وهذا هو الخنجر يصيب ذاكرة الغربة فتنتشي وتزدهر، وها هو الموت يغتالك يا أمي) (ص84). وراجع أيضا صفحات: 82، 83، 85).
مثل هذه الطريقة في التناول تؤكد ما سبق أن وصفنا به الرواية أنها رواية مونولوجية تعتمد على منطق التداعي الحر الذي يجعل السرد يتجاوز التقاليد الروائية القائمة على الحوارية والصراع ووجهات النظر المتعارضة والمتضادة والمتشاكسة حد الموت، إلى كونها رواية يتم تناولها من وجهة نظرة واحدة. وبالتالي، فثمة سؤال يطرح نفسه: رغم هذا الزخم الثقافي والرصد الجغرافي للشخصيات والأماكن، لماذا لم يُتَحْ لبقية الشخصيات الأخرى المساحة نفسها من الحرية في البوح والتحاور؟ لماذا لم يكن هناك منطق ديمقراطي في عرض منظورات الشخصيات وتحرير أصواتها أثناء الكلام؟
-4-
تدور أحداث (سردية الموت) أو (حفلة الموت) في ثلاثة أماكن أساسية:
أولها: (عمان)، بحكم نشأة وتكوين أمل الراوية. وثانيها: (البحرين)، بحكم مرحلة دراسة أمل والتكوين المعرفي والعلمي، ثم الالتقاء بأحمد الذي أصبح بديلا للأب والأم والعائلة. أقصد تحديدا إلى العائلة التي وصفت بأشياء فيها الكثير من الجرأة والتمرد على موروث القبيلة، الأمر الذي يذكرني شخصيا بتمرد الشعراء الصعاليك على تقاليد القبيلة وأعرافها ومنظومتها القيمية. وثالثها: (لندن)، باعتبارها المعادل الثقافي لمجتمع الغرب الذي يمتاز بالحرية والديمقراطية والتقدم ورحابة العالم المنفتح على الآخر، وكل ما يفتقر إليه المجتمع الشرقي الذي تعاني أمل ومثيلاتها من وطأته.
لم تتحول أمل، على مدار الرواية، من حالة إلى أخرى، وهي تدرك أن نهايتها حتمية بيقينية عجيبة. لم تقم بمجرد محاولة تستطيع من خلالها تحويل الحب كمفهوم نظري إلى ممارسة عملية، ومن ثم الدخول في علاقة زواج أو علاقة أسرية قد يكتب لها النجاح؛ لأنها كانت تدرك أن هذا الجنّي أو هذا القرين الذي يتلبّس بها أو تتلبّس هي به - دون فارق كبير - لن يتركها، كما أخبرها في إحدى مصارحاته أو مكاشفاته، حين أعلنها صراحة، حيث قال لها :
(أنا عبد من عباد الله. وأنا وأنت متلازمان، مذ قرّر رجل من الإنس أن أكون ظلك. ألا تذكرين؟ ولن أسمح لك بالزواج من كائن آخر. وحين تقرّرين ذلك فستكون نهايتك على يدي) (ص: 73)..
ربما يمكن التغاضي عن جملة (أنا عبد من عباد الله)؛ لأنها لا تتفق مع طبيعة جنّي ذي ميول عدوانية. لكنّ الأهم أنه رغم التنقل بين هذه الأماكن الثلاثة (عمان على مستوى الحضور والغياب، البحرين على مستوى الحضور والغياب أيضا، المجتمع اللندني: حضور على استحياء)، فإن هذا الجنّي لم يترك الفتاة إلا بعد أن أيقن أنها ميتة لا محالة. خرج فقط حين آذته برودة الثلاجة داخل المستشفى، وأيقن من موتها. وفيما يشبه المعجزة، أدرك الطبيب - في لمحة خاطفة - أن جسدها لا يزال يحمل بعض الحرارة، فأعاد فحصها، واستمرت ما يقارب الستة أشهر، في غرفة العناية المركزة حتى نجت بأعجوبة شديدة. عندئذ أطلقت في وجهه جملتها الأخيرة التي تنمّ عن تحرّرها من الجنّي (عديّم) لتكون في مواجهة الحياة بكل غوايتها وآلامها:
(لقد عدتُ إذن كيوم ولدتني أمي خفيفة وحقيقية، خارج سلطة البشر الشيطانية، لقد تناثر عديّم وسواه من رأسي ومن جسدي، فعلا لم أعد أرى القط الأسود الذي يتبعني. يا الله! إذن الآن يحق لي أن أتخلص من ماضيّ دفعة واحدة، ويحق لي أن أبحث عن أحمد..). (ص: 152).
لقد كانت أمل مثقلة بتصورات وأشياء وأشخاص يتلاعبون بها ويسيطرون عليها طيلة حياتها؛ إذ كانت قدرتهم تفوق سلطة البشر وسلطة الجانّ معا. ثم استطاعت التحرّر منهم في نهاية الأمر، وتركتنا حَيْرَى بعد أن أصابتنا ميثولوجيا الجغرافيا العمانية في مقتل.
ومهما اختلفنا مع الكثير من مقولات الرواية، ونجاح أو فشل بعض طرائق السرد المستخدمة فيها، فقد استطاعت فاطمة الشيدية أن تثير بداخلنا الكثير من التساؤلات. لقد وضعتنا أمام السؤال الأزلي الذي يؤرّق وجودنا الإنساني منذ خلق الله العالم، أقصد إلى سؤال الحياة والموت. وهل بالإمكان فعلا - كما كان يقول رولان بارت - (أن نقرأ توافه الحياة اليومية بطريقة مليئة بكل أصناف المعاني المهمة). لكن الحقيقة التي لا تحتاج إلى برهان هي ما قاله فريدريك نيتشه، وقاله قبله كثيرون أيضا: (الموت قريب منا بما فيه الكفاية كي لا نرتاع من الحياة).
# ناقد أدبي، أستاذ مساعد النقد الحديث بجامعة
تعليقات