رواية «حفلة الموت» لفاطمة الشيدية
واقع تراجيدي لحياة ذكورية باذخة ضد المرأة ترأسها الشعوذة
يحيى الناعبي
يحيى الناعبي
جريدة عمان
رواية حفلة التيس للروائي البيروفي ماريو فارجاس يوسا، وقصة حفلة الشاي للروائي هارولد نتر، وحفلات كثيرة ضمن أعمال وسلاسل مختلفة لروائيين وشعراء، تأتي حفلة أخرى للشاعرة فاطمة الشيدية في قالب روائي، فتجد أن الحديث حول حفلة يوسا وحفلة بنتر متقارب في موسوعة التراجيديا في تفاصيل الانقلاب الذي أطاح برئيس الدومينكان رافائيل تروخييو مولينا عام 1996، وهو يتلذذ بأوامره التعذيبية خلف نظارته السوداء، كذلك نجد أن فاطمة الشيدية أيضا كانت تصف ماضيا وواقعا مجتمعيا له من فصول الظلم والجهل والفقر وانعدام الإنسانية الأخلاقية مرسى لأحداث شكّلت بين الخيال والواقع।في رواية فاطمة الشيدية ثمة محاور عديدة التقطتها الكاتبة من خلال الواقع الذي يعيشه كل منا والأحداث لم تكن تشكل سديما للقارئ بل هي ضمن موروث وحاضر استقر في ذهن الكاتبة لتشكل عوالم وحوادث تقاطعت كثيرا مع المجتمع ومناخاته وظروفه لم تكن طيفا بل هي سلسلة من الأحداث المتداخلة بين العاطفية الرومانسية والتراجيدية المؤثرة شملت في أحداثها ثلاث دول بين السلطنة والبحرين والمملكة المتحدة।ان ما جسدته رواية (حفلة الموت) من جرأة لا نقول انها مسبقة ولكن تأتي ضمن قلائل من الروايات التي سعت الى كسر التابوهات التقليدية والذي غالبا ما يتحاشاها القاصون العمانيون في أعمالهم، ورغم ذلك هناك أعمال نادرة وأيضا يتميز أصحابها بالعزلة والابتعاد عن الظهور في الصخب الصحفي بالشكل الذي يؤدي الى التكريس الإعلامي مع معطى ضعيف فنيا وأدبيا।في عملها الروائي الأول كان للكاتبة أكثر من جهة صادقة ارتأت ان تكون في مواجهتها بعمل روائي أكثر انطلاقة وصرامة من القصيدة فالمجتمع الذي يرضخ تحت وطأة الشعوذة والدجل لا يعالج الا بالسرد، وفهم الدين الذي أوجد عقائد ومفاهيم مغلوطة عند الكثير من الناس لا يتم توضيحه الا بالسرد، والموروث العنصري الذي يتمرغ فيه مجتمعنا حتى هذه اللحظة من القرن الحادي والعشرين لا يعالج بصدّه والحرب ضد نسيجه العابث بحقوق الانسانية إلا بالعمل السردي لذا فان فاطمة الشيدية كانت تحاول نبش المسكوت عنه وتصحيح المفاهيم المغلوطة من خلال تجربتها حول طبيعة الأسرة التي كانت تنتمي إليها في ولايتها العمانية، رأت القهر والتعذيب الذي يتلذذ به أفراد أسرتها الذكور على نسائهم اللاتي لم يكن سوى مشاجب يعلق عليها كل شيء ابتداء من قذف الشهوة وانتهاء بالاهانات والضرب كل ليلة ليتعلمن دروس الرضوخ والطاعة، فالمجتمع برأي الكاتبة لا يزال يرزح تحت طائلة العنف ضد أنوثة المرأة، كما تقول في روايتها (كنت أصرخ داخلي كل ليلة بجزع، وأرفض كل ذلك الذل المصّدر باسم الدين والشريعة، كتبرير قبيح لفعل أقبح)، إذا ما يحدث هو من جراء تفسيرات واجتهادات نسبت للدين في توظيفها ضد المرأة، في حين أن الدين الإسلامي هو من الديانات التي تفردت تفصيلا بتكريم المرأة।بالرغم أن النقد وخصوصا مؤخرا حاول الابتعاد عن جملة (شعرية اللغة في الرواية) ولكن من باب النظر كون ان كاتبة الرواية هي شاعرة لذا طغت عليها جملة شعرية اقرب لكتابة قصيدة عنها في سرد روائي على سبيل المثال تقول على لسان بطلتها أمل في وصف من كانت تكن له حبا بالجامعة (يجلس كآخر الآلهة/ وفي عينيه ماء أكثر حرقة وعذوبة من نهر الفرات/ او من ماء زمزم/ شعره الأسود الطويل/ كأدغال ليل سارح على كتفيه/ أصابعه أشبه بمآذن للصلاة) وهذا لا يعني انتقاصا في العمل أو نقدا وإنما كيف نؤثر المخيلة بجملة شعرية تحمل النص تبعات تبعد عن الموضوع في جوانب متعددة.في حين كان له وصف آخر اقرب إلى السرد الروائي فمثلا تقول عنه أيضا: (غنة صوته الممزوجة ببحة ذائبة، منكباه، طوله الخرافي، وأصابعه المسافرة في رسغ الوجود تجد أنها أكثر عمقا في لغة السرد وتفريغ شحنة وصفية متناسقة مع الوصف الشخصي.من ضمن الأشياء التي كشفتها الكاتبة والتي اشتغل عليها المجتمع في تعليق كل ما يطرأ عليه من مساوئ أو قبح أو الشر بكامل وجوهه هو الشعوذة والسحر، وهذا ليس اول مرة يطرح في الأعمال الأدبية العمانية كما ذكرت سابقا، بل تناول بشكل كبير ولكن بسبب آثاره الباقية حتى الآن فهو لا يزال يعشش في مخيلة المجتمع ولا تزال عوامله موجودة وتصديق الناس لأسبابه ونتائجه حتى وقتنا الحاضر، هو دليل على اهتمام المبدعين في إدخاله ضمن نصوصهم وأعمالهم المختلفة، حيث تروي الكاتبة ان بطلتها كانت مسحورة أثناء الطفولة من قبل المعلم (معلم الدين) وأبيها الذي أراد ان يضحي بأحد أولادها فكان ان انتقى ابنته أمل من بين أولاده وبناته الآخرين من زوجاته الأخريات وهذا له سببه سوف اتطرق إليه لاحقا.ان الكاتبة وظفت قصة المغيبة او المسحورة على انها ضمن واقع يحدث في مجتمعنا العماني وخصوصا في الماضي وتناوله المجتمع بشكل كبير أرادت فيها ان تصور مدى ما كان يؤمن به أفراد المجتمع بسبب عوامل كثيرة أهمها الصحة، فسبب تفشي الأمراض مع الفقر والعوز كان الناس يصابون بالهلوسة لدرجة التصديق على انه السحر وان البشر منهم يموت ثم يبعث من جديد فالجهل والفقر هما خير ارض خصبة لمثل هذه الأمثولات.اما عن كونها هي ضحية اخوتها لتكون المغيبة او المسحورة فإن الكاتبة تعمدت كون ان (أمل) بطلة الرواية هي من أم سمراء جيء بها من زنجبار لتعمل مع والدها عند والد البطلة وذات ليلة انقض والدها على أمها ليفرغ فيها شهوته وتؤدي تلك الفعلة إلى ان تحمل بأمل ثم يتزوجها تحسبا أن تلد سفاحا.اذا تطرقت الشيدية الى جانب آخر من جوانب المجتمع الظالمة وهي المتاجرة بالبشر والرقيق والانتقاص من حق الانسان كإنسان والعنصرية التي لا تزال تسبح في برك آسنة لعقول المجتمع، حتى بعد بلوغه التطور والوعي، وضرورة محاربة مثل هذه الأفكار التي لو رجعنا تاريخها لوجدنا ان سببها الفتوحات العمانية في شرق افريقيا والتي استقر فيها العماني لكسب العيش والفقر الذي كان يلم بالعمانيين في تلك الفترة فكانوا يبعثون بعضا من أموالهم الى ذويهم الموجودين في عمان، فهل ذنبهم انهم تزوجوا للاستقرار والبعد عن الحرام، وما ذنب اولادهم اذا كانوا يحملون سحنة سمراء، لذا يجب الرجوع الى الواقع ودراسته بشكل اعمق وأكثر حقوقيا، ولا ننسى أن من أسباب الهجرة أيضا تفشي الأمراض.بسبب فقد المشاعر والحب في طفولة أمل، وجدت لها عوضا أثناء دراستها الجامعية بالبحرين حيث كانت تدرس الطب النفسي، ربما لأن من أحبته " أحمد" كان بحريني الأب عراقي الأم، أي أنه متحدّر من سلالة لا تمت بصلة لبلدها التي كرهت أفكار أهله نتيجة الرجعية والتخلف والعنصرية ضمن أهم الصفات التي كان يتسمون بها دون إدراك، فكان أن تملكها حب عارم أفقد معها كل ما يدور حولها، من بشر، وحيث أنه مهتم بالفن التشكيلي ورسام والذي أيضا يعتبر جزءا من اهتماماتها، أصبح ذلك خيط الوصل لعلاقتهما، إلا أن الماضي ظل يطاردها، فلم تستطع التخلص منه وفي الوقت نفسه صعب عليها الإفصاح عنه لأحمد، في حين هو دائما ما يحاول التقرب منها والبوح لها عن صدق مشاعره لإتمامها بالزواج الذي هو غالبا ما يكون ثمار عاطفة صادقة، وهي كانت تخشى الصدمة وردة الفعل من الفانتازيا التي سترويها له، ومدى تقبل هذيانها في قصص لها علاقة بالسحر والقط الأسود والمغيبة والأم الزنجية وغيرها من قصص أقرب إليها قصص ألف ليلة وليلة.عادت أمل بعد التخرج إلى وطنها لتعمل في أحد المستشفيات في الطب النفسي، وظل التواصل بينهما عبر البريد الإلكتروني، الذي كان فاض غراما عبر الكلمات التي تظهر في شاشة الحاسوب، واستمر ذلك فترة لا بأس بها وليست بالقصيرة وهما متشبثان بالحب، إلا أنه كان المبادر دوما للزواج، وهي تتملص منه بدورها عبر حجج غريبة وغامضة.بعد فترة من العمل حصلت أمل على فرصة لإكمال دراستها في التخصص بالمملكة المتحدة، واستعدت لإكمال الإجراءات وأيضا لأهم موضوع كان يلح وراءه أحمد وهو الزواج فقررت إخباره بالدراسة والزواج، وحين علم بذلك اجتهد أيضا لمواصلة دراسته واللحاق بحبيبته.بعد سفرها لبريطانيا بفترة وجيزة وهي تهيئ نفسها للقاء بأحمد والزواج، انقطع هو عن التواصل عبر الايميل ولم يكن من رد لرسائلها فساورتها شكوك كثيرة، وحيث أن الرواية مملوءة منذ بدايتها بالإسقاطات على الرجل وتهيئة البطلة دوما نفسها ككارهة لجنس الذكورة وخصوصا عبر تجارب عدة مع أبيها وعمومتها وذويها من الذكور، فإن ما حدث بعد ذلك أبعدها عن أحمد أو بمعنى أنه ساورها الكثير من الشك في علاقتها به وفي نتيجة الزواج منه وخصوصا عندما تصادف أن اثنتين من صديقاتها، فشلت علاقتهما بالرجال الزوج أو الصديق، وبالتالي زاد ذلك من شحنتها على الرجل وشنج علاقتها بأحمد، وربما ذلك أفشل في تقمص دور الطبيبة النفسية بالشكل العلمي والمنهجي والذي يفترض فيه أن تحتوي الحالة من جوانب عدة وليس من طرف واحد، وربما أيضا أحداث الطفولة غلبت عليها عاطفيا في رسم النمط الذكوري البشع.ولكن سيبقى أن الروائية والشاعرة فاطمة الشيدية نجحت كثيرا في تمثيل المحكي والواقع الاجتماعي القديم منه والحديث والى درجة كبيرة، وإعطاء الصورة الحقيقية الذي يضفي إلى النط الرمزي حول ما يدور في المجتمع، ونسج دور نمطي لطبيعة الحياة السيكولوجية للإنسان العماني.
تعليقات