التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الكويت

فاطمة الشيدي
20 مايو  2009
جريدة الزمن وجريدة أوان الكويتية

 أن تذهب إلى الكويت فبالتأكيد لن تذهب خفيفا، ولن تذهب طازجا تماما، أو حياديا أبدا، أن تذهب للكويت فأنت لاشك ستذهب محملا بالكثير من الأفكار، والذكريات، والكثير من الرؤى المعرفية والفنية، فمن لا يحمل في ذاكرته تلك النظرة الجمالية الريادية للكويت في الفن والجمال والثقافة والقومية العربية، بل من لم يعش في الكويت فترة ما من حياته هو أو أحد من أفراد أسرته، خاصة نحن أبناء الماء والملح، الذين كانت الهجرة القريبة لنا لحواضر الخليج، والتي رسّخت في أذهاننا صورة جميلة عن هذه البلد الصغير الغني.
من يذهب للكويت ولا يستحضرها كعاصمة إشعاعية منيرة للكثير من الجوانب الإنسانية والفكرية في فترة مبكرة، وليتذكر بداياته المعرفية في متابعة العديد من المطبوعات الكويتية وعلى رأسها مجلة "العربي"، ومن يستحضر من أثروا في تجربته الثقافية خليجيا، فلا يستحضر ليلى العثمان، وإسماعيل فهد إسماعيل ، ود.سليمان العسكري، ود.محمد الرميحي، وغيرهم.
من يذهب للكويت ولا يستدعي الفن الكويتي الذي أثرى ثقافتنا الفنية وتكويناتنا الإنسانية المبكرة من خلال الشاشة الصغيرة وهي تغازل ثقافتنا ببطء وهدوء.
ولكن أيضا – وللأسف- من يذهب للكويت اليوم، ولا يحمل مجموعة من الأفكار الجاهزة توازي تلك الأفكار، وربما تفوقها حضورا وسيطرة، أفكار معتمة، وجديدة ومستجدة على إنسان الخليج المفعم بالملح والحزن والشمس والذاكرة الطيبة، أفكار مثل العنجهية والتكبر وعدم قرب وصداقة الإنسان الكويتي. تلك الأفكار المسبقة وغير الناضجة؛ والتي قد تقف حائلا دونك والكثير من الأشياء والبشر والأماكن.
ولا أعرف من يسرب هذه الأفكار ومن يعممها، هل هي فكرة موازية للشفهي الإنساني العربي الذي يجعل كل كائن يحدّث بما يسمع (وكفاه بذلك كذبا)، أو هو تحقيق لقانون الإشاعة الساري سري النار في الهشيم.
لايهم!! المهم أنك بعد فترة وجيزة من الكويت! ستنفض عنك تلك الأفكار(الجاهزة والعامة) بسرعة، وتستبدلها بفكرة أكثر نضجا مثل إنهم طيبون وعمليون ودقيقون.
الكويت بالنسبة لي ذاكرة قديمة وجديدة، فغير كل ما مر من مرتكزات معرفية وثقافية وفنية، هي مجموعة من الأصدقاء (سعدية مفرح، وسوزان خواتمي، وباسمة العنزي، ونشمي مهنأ، ودخيل الخليفة، ومحمد النبهان، وكريم الهزاع، واستبرق أحمد، وسعاد العنزي، ونور القحطاني، وبثينة العيسى، وميس العثمان، وهبة بو خمسين..الخ) هؤلاء الذين التقيت بعضهم، ولم ألتق أغلبيتهم (حتى الآن) إلا عبر نص مقروء ورقيا، أو رقميا، ولكني أحمل تجاههم مشاعر الصداقة، فهكذا أشعر تجاه كل من أعرفه عن طريق نص تملكني أو عن طريق المشاركة في بعض المنتديات الرقمية، والتي جعلتني أنتمي لهم بشكل فيزيقي. - وهذا تماما ما حدث مع الدكتورة عير سلامة من مصر التي أحببت هدوءها- كانت ابتسامة استبرق أحمد وفهد الهندال ودودة الاستقبال رغم أنهم لم يعرفونا عليهم في البدء بل مع الوقت، وأنا التي أعرف استبرق جيدا ذات المعرفة النتية.
ثم كان أن أحببت الكويت، من الهدوء الذي يعمّها، والذي لا أعرف هل سببه الحر، وهروب البشر (مع أنها لم تكن حارة جدا!!)، أو هو طبيعة البلد والبشر، ورسّخ الفندق هذا الرضا النفسي، حيث وجدنا فيه ما يحترم شعائرنا وبالتالي إنسانيتنا الخاصة (سجادة ومصحف وقبلة للصلاة، وماء في دورة المياه) أي استطاع أن يهيأ للمسلمين ما يتماشى مع خصوصيتهم، وهذا مالا نجده كثيرا في دول أخرى، ثم وجود خدمة النت فيه، والذي منحني لذة الهروب من عالم الصخب الخارجي، فأن تكون في مؤتمر كتاب فهذا يعني ببساطة أن تتفرج على قانون اللعبة لا لتتعلم درسا جيدا أو جديدا، بل لتضحك قليلا على كل هذه المحاولات في الظهور البلهواني النرجسي سواء في الجلسات الخاصة أو حتى في التعقيب على الأوراق (التي لم تخلو بعضها من ضعف ووهن)، ولكنها كانت محاولات تستحق النقد البنّاء، وليس تسجيل الحضور الدائم لنفس الأسماء بعد الندوة خاصة أولئك الذين يستحقون كلمة (يكفي هذه التكرارات الحفرية).
الصحف الكويتية (المستقلة جميعا وهذا يجعلك تعي سقف الحرية في الكويت) كجميع الصحف العربية مرهونة بمزاجات المحررين (الكتاب غالبا) وعلاقاتهم، ومجاملاتهم الطيبة وغير الطيبة!!
حضور المرأة كان جيدا (ربما لوجود ندوة المرأة) فـ "مها العتوم" من الأردن، و"سعاد العنزي" من الكويت، و"نجاح إبراهيم" من سوريا، و"عبير سلامة" من مصر، ، و"آمنة الربيع"، و"فاطمة الشيدي" من عمان، و معظمهن من الباحثات ماعدا آمنة الربيع التي تمتعت بجسارة أن تكون ضمن رؤساء الوفود، (مع أنها تخاف من القطط!!).
كانت (الوطنية) شركة الاتصالات مقابل الفندق الذي نزلنا فيه، مما حفزني على الحصول على بطاقة هاتف كويتية بسرعة، أنا التي أميل في أي بلد أذهب إليه إلى استخدام بطاقته الهاتفية لأكون أكثر التحاما معه.
النساء في الكويت ظاهرة ملفتة بجمالهن وأناقتهن الراقية حتى كأنهن خرجن للتو من صالون تجميل محترف، في المطار، في العمل، في الأسواق، في الحياة العامة، بشكل عام تلفتك تلك الوجوه الجميلة، والملابس الزاهية مع أن نسبة الحجاب عالية جدا في الشارع الكويتي ولكن السواد لا يقهر حدقة عينك بفجاجته منذ أول مصافحة، فاللونية متنوعة، وتهبك الاستمتاع بجماليتها الأخاذة.
وكذلك الأسواق والمراكز الراقية والتي تحفز شهية المرأة على التسوق (إذا كانت بمزاج جيد!) والمطاعم بوجباتها الشهية.
سعدية مفرح كانت الفرح الحقيقي لهذه الزيارة حين التقيتها في مكتبها - المزين بلوحات الشاعرة اللبنانبة الجميلة سوزان عليوان- ولا زلت أحتفظ بعلبة الشيكولاته التي أهدتني إياها، وطعم الشاي المختلف الذي شربته في مكتبها لازال في فمي، وعناق الصور الحميم، وذكرى ابتسامتها ورائحة قلبها الأخضر، بينما كانت سوزان خواتمي الوجه الأكثر إشراقا في ذاكرة الكويت (وهي ليست كويتية بالمناسبة!)، وباسمة العنزي هي الروح الحنون والبوصلة الأجمل لإنسان الكويت، في حين أن ليلى العثمان وإسماعيل فهد إسماعيل، هما الأنصع في الفرح بحضورهما المميز في رابطة الأدباء لكل الندوات، وحضور الأستاذ إسماعيل في ملتقى الثلاثاء (وهو تجمع ثقافي أهلي وخاص يشرف عليه مجموعة من الأدباء أبرزهم دخيل الخليفة ومحمد النبهان) ويقع في منطقة "الضجيج" ، في محاضرة ألقاها الناقد المميز "محمد العباس" عن وديع سعادة.
كانت الرحلة للكويت طيبة، وهي دائما تكون كذلك إذ تحفها الأرواح الطيبة؛ بدءا من رفيقة الرحلة (آمنة الربيع) والتي غادرت لأم الدنيا قبلي بيوم، في خيانة مشروعة ومبررة للرفقة، مرورا بهذا الحشد من الأصدقاء والكتاب، وانتهاء بالمطار (الذي خلتني فيه للحظة ذاهبة لنيودلهي أو حيدر أباد) والذي جلست فيه فترة طويلة تساندني في الغربة روح اللغة الخضراء المثلّمة بالوجع، ثم وجود أستاذين من اليمن العظيم الذي أنحني دائما لإنسانه النبيل الدكتور عبدالله البار، والدكتور سلطان الصريمي.
لتصبح الكويت ذاكرة أخرى للذاكرة، وتضيف للعمر زمنا آخر، وهذه هي قيمة السفر الحقيقية


نشرت بجريدة الزمن مايو 2009