التخطي إلى المحتوى الرئيسي
"سوف أكتب رغم كل شيء، سوف أكتب على أي حال، إنه كفاحي من أجل المحافظة على الذات" كافكا

الشاعرة العمانية فاطمة الشيدي: قصيدة النثر حجريحرك المياه المتوحشة للمستنقع الكبير

المستقبل - الثلاثاء 5 أيار 2009 - العدد 3295 - ثقافة و فنون - صفحة 18
مسقط ـ جهاد الترك

في نصوص الشاعرة العمانية، فاطمة الشيدي، ما يحيلها نموذجاً منفتحاً على تجربة عميقة في استخدام اللغة على نحو مميز. والأرجح ان تخصصها في مادة اللسانيات كان له اثر بعيد في محاولاتها لإعادة اكتشاف حيوية اللغة ودلالاتها من خلال قصيدة النثر. ترى ان هذه الأخيرة اشبه ما تكون بحجر ثقيل يلقى عن عمد، في ذلك المستنقع الكبير الراكد بصمته المتوحش وجبروته الطاغية.
صدر لها ثلاثة اعمال شعرية هي: "هذا الموت اكثر اخضراراً"، "خلاخيل الزرقة"، وأحدثها "مراود الحلكة". معها الحوار الآتي…
[ كيف ترين بداية الشعر الحديث في عمان، هل ثمة ارباك في الانطلاقة ام سعي الى البناء على التجارب السابقة، على الأقل في العقود الثلاثة الماضية؟
ـ من نافل القول اننا نحتكم في عمان الى ارث شعري بعمر التاريخ. في الثمانينات الماضية اصبح لدينا جيل منفتح على القصيدة الحديثة. وما حصل لهذا الجيل بالتحديد من مزج بين القديم والحديث اسفر عن قصيدة متوهجة تنطوي على قدر كبير من الخصوصية. شكل هذا الأمر ارضية قوية للجيل اللاحق في التسعينات. اليوم يصعب التصنيف على مستوى الأجيال أو الأزمنة أو الأمكنة، الثورة الرقمية جعلت كل التجارب منفتحة على بعضها. الجديد افاد من القديم. وقد تنطبق هذه المعادلة ايضا على الشعر القديم الذي لا يزال متمسكاً بميزاته التقليدية.

العماني والشعر
[أيهما، في رأيك، أكثر ازدهاراً وتأصيلا في عمان، الشعر ام القصة، وأيهما اقرب الى المزاج العماني؟
ـ الأرجح ان الشعر اقرب الى الانسان العماني وأكثر حفراً في ذاكرته وأكثر حضوراً في بديهته. لا يزال العماني يحتفظ بذاكرة الحداة الذين يترنمون بالشعر في كل تفاصيل حياتهم، في الحل والترحال وسوى ذلك. ومع ذلك، يبدو ان الكتابة السردية في عمان، انسجاماً مع المشهد الثقافي العام، اكثر ازدهاراً وأكثر خصبا وتجدداً. بناء عليه، يمكن القول ان جيل الثمانينات أكثرهم شعراء وان كتبوا السرد. أما الأجيال اللاحقة، فإن الأغلبية الساحقة من ادبائها تميل الى كتابة السرد، رواية وقصة ومسرحاً.
ولكن ثمة ما تنبغي اضافته على هذا الصعيد، وهو ان المشهدين منفصلان في عمان اليوم. مشهد الشعر الشعبي ومثيله الفصيح. كل منهما له شعراؤه كما ان له طبيعته المختلفة وجمهوره الخاص به. لا يطغى احدهما على الآخر، وان كان المشهد الفصيح نخبوياً، فان للشعر الشعبي جمهوراً أوسع.
هل انت على مقربة من الشعر في صوره واشكاله الخليجية، ام أنك اكثر اقتراباً وتآلفاً مع الشعر الحديث بصيغته الأشمل بشكل عام؟
ـ اعتقد ان الشاعر يعيش، بالضرورة ضمن دوائر معرفية وثقافية متعددة ومختلفة، تبدأ من البؤرة (الوطن، الاقليم.. الخ))، ومن ثم تأخذ بالتوسع نحو اقطار الخليج العربي، وبعد ذلك الوطن العربي والعالم، ومع ذلك، فان الشاعر منفتح، بطبيعته، على التجارب التي ينتمي اليها نفسياً واجتماعياً وثقافياً، شخصياً، اشعر بأنني اقرب الى النص الذي يشبهني، يقرأني او يكتبني. قد أجد في شاعر اميركي أو أوروبي ما لا أجده في شاعر عماني أو عربي بصفة عامة.

التجربة اللبنانية
[ في هذا السياق، ماذا تعني لك التجربة الشعرية في لبنان؟
ـ انها نقطة ارتكاز، والأغلب محطة هي الأكثر أهمية في الوطن العربي للانطلاق نحو التجربة الحديثة في الشعر المعاصر. هي اشبه بكريستال زجاجي يتلقى الاضواء ثم يبثها اشعاعا متلألئاً في كل الاتجاهات. لقد تمكنت التجربة اللبنانية، على هذا الصعيد، من ان تحرك مثيلتها العربية في اتجاهها هي من دون منازع، بمعنى انها جذبت اليها التجارب الأخرى على قاعدة الاستقطاب وربما الاستيعاب، منذ بداياتها الأولى على الأرجح، من الصعب اعتبار هذا الشاعر او ذلك المثقف، شاعراً ومثقفاً ما لم يكن مطلعاً في العمق على التجربة اللبنانية.
[ ماذا تقدم لك قصيدة النثر من آفاق وأدوات في الكتابة الشعرية؟
ـ اعتقد أنني تجاوزت الأشكال الأخرى للقصيدة قبل ان اصل الى قصيدة النثر. ودائماً اردد (لأنتثر) الفكرة الاساسية، في نظري، وأنا أكتب قصيدة النثر، لا تتمثل فقط في التمرد على الأشكال المتداولة، بل في عملية استنباط واستيلاء اشكال جديدة ومتجددة ومغايرة، اذا جاز التعبير، داخل كل قصيدة اكتبها. انها اقرب ما تكون الى حالة من التعددية الذاتية والنفسية. حالة من عدم الركون، وعدم الثبات، والانهماك الدائم في لعبة الممكنات المحتملة. على هذا الاساس، أعتقد ان قصيدة النثر تنطوي على قدرات استثنائية في تحريك اللاوعي وجعله عرضة للاستكشاف الدائم، كمن يلقي حجراً في هذا المستنقع الكبير الراكد منذ أزمنة بعيدة. اللافت، في هذا المجال، ان قصيدة النثر تفتح آفاقاً رحبة من الدهشة للتأويل غير مطروقة، على الأغلب، وغير محتملة. بمعنى انها تحتوي في داخلها على ما يبعث على معاندة الذات لابتكار معان وصور غير مألوفة.
استمتع شخصياً، في هذا الاطار، بالعمل المتواصل على محاولة اكتشاف ابعاد الصورة الشعرية في دلالاتها اللغوية المحتملة. قد يظن بعضهم ان قصيدة النثر لا تمتلك محددات أو مشروعاً قائماً وحقيقياً وواضحاً. على الأغلب، أن تصوراً كهذا أمر يشوبه القصور والعجز عن الادراك المتجدد لماهية هذه القصيدة بالذات، لأنها الأكثر صعوبة وتعقيداً نتيجة لأن كل نص شعري من هذا النوع يتميز بأجوائه الخاصة به بعيداً عن التكرار والاجترار وارهاق اللغة من خلال الاستنزاف العقيم لمفرداتها. قد تبدو قصيدة النثر عميقة، او معقدة او غامضة تبحث عن قارئ محتمل يجيد تفكيك مفاصل النصر. في العادة، اميل الى استهداف القارئ في قصيدة النثر، اي ذلك الذي يشعر بشيء كثير من الاخلاص للنص بمعنى محاولة استكشاف ابعاده والتوغل في تضاريسه. لذلك، ينبغي القول ان قصيدة النثر متمردة، في الاساس، على كل شيء من دون استثناء، ولكن في اطار من مفهوم محتمل للزمان والمكان، يتسرب الى البنية الداخلية للنص ثم ينبعث منه على نحو من احتمالات واسعة من التشكيل واعادة التشكيل. ولهذا فنحن نقرأ اليوم، على سبيل المثال، قصائد نثرية مضى عليها الزمن، ومع ذلك، نجد اننا نستخدم، على الفور، ملكة التأويل، وفقاً لحالاتنا الخاصة، من جهة، وانسجاماً مع الأحوال المتبدلة والمحتملة لهذه القصائد والنصوص.

انبهار بالثقافة الجديدة
[ يبدو ان الشعر العماني الحديث، على قلة تجاربه الآخذة بالازدياد والانفتاح والتطور. ينطوي على ميزة خاصة هي محاولة اكتشاف الذات والتعرف اليها عن كثب، اكثر منه اعادة تشكيل المحيط والعالم..
ـ الأغلب ان نفسية العماني مركبة ومرتبكة في آن بحكم اكتشافه الجديد للعالم ومحاولة استيعابه ومن ثم الافادة منه والبناء عليه. ولذلك فهو في حالة انبهار بالثقافة الجديدة وآفاقها وتداعياتها كذلك. من أجل ذلك فهو يعمد، على الأرجح، الى صياغة ذاته باتزان وهدوء وتأمل. اي انه، وهو يشهد هذه الطفرة الثقافية الكبرى، يحاول الا يرتبك حتى لا يزعجه هذا الاندفاع وراء التيارات القادمة اليه من كل الاتجاهات.
هل صحيح ان الصورة في الشعر العماني لا تزال في الغالب الأعم، محكومة بجاذبية الصحراء، وبالتالي فهي ليست قادرة بعد على ان تحط رحالها في مكان آخر.
ـ ليس الأمر كذلك، وان كان المكان، بشكل عام، يكون ذاكرة الشاعر العماني على نحو يكاد يماثل النحت في معالم الجغرافيا وطبيعتها القاسية والصلبة. الصحراء، في هذا الإطار، هي احد معالم هذا المكان في الجغرافيا العمانية. وذا كانت الصحراء.

تعليقات