السفير
ثقافة
تاريخ العدد
22/04/2009
العدد
11275
«حفلة المدن» رواية العمانية فاطمة الشيدي أناشيد الذات الأنثوية المكسورة
حسن مروة
لن يطول الوقت حتى يستشعر القارئ مؤدى الحقل الدلالي لمفردات تتصل بالإعتام والتقطيب، وفيرة الانتشار في النص، الجامع بينها هو السواد، يتشظى صراخا وبكاء ونداءات، فقدا وتوجسا، فضلا عن الخوف والرعب وسائر مفردات الجزع والموت، تخفف من وقعها رمزية اسم البطلة، الشخصية المحورية والراوية في عين الوقت. وبحسب الكاتبة فإنها تقص على لسان «أمل» «رواية متخيلة نُسجت أحداثها من ميثولوجيات المكان العماني، وقد كتبت بين عامي 2004 ـ 2006». ينبني النص القصصي هذا على ما يُسرد من وقائع لعلاقة بين «أمل» الطالبة العمانية في جامعة بحرينية بقسم الطب النفسي، وبين «أحمد الريان» والفنان التشكيلي والأستاذ في كلية الفنون الجميلة في جامعة البحرين، ايضا. يتضح ذلك منذ العبارة الأولى (رأيته) على أنه مخاض عاطفي بين امرأة ورجل، يتأسس بفعل الصدفة على النظرة والكلمة، يتيحهما نشاط ثقافي معين، لتتنامى العلاقة ثم تشتعل ولهاً متبادلا يعكّره الشك لدى «أمل» بإمكان التحقق، ويحفزه الرجاء بأن يكون فيه خلاص لها مما تكابد، فثمة من يتبعها كظلها في كل مكان، ولا يراه أحد سواها، يتلبسها ويجيئها أثناء نومها زلزالا يقتلع كل شيء داخلها، ويسيّجها بالرعب، ساحقا كل زهور العفة! وحين تفيق من غشيتها تجده يحتضنها ويحنو عليها، فتسأله من أنت؟ فيجيب بأنه «عبد من عباد الله مكرّس لملازمتها كظلها من قبل إنسي يتحول بينها وبين أي أحد. وإذ تحاول «أمل» النجاة بنفسها فإنها تناجي المعشوق، وهي تبكي ماضيها الملوث بالموت والعار، وبما تعيشه من فصام روحي، ومن جنّي يسكن عظامها ويتهيأ لها قطا أسود يتبعها وينام معها ويعاتبها بصمته ويتلوى شبقا تحت جلدها، ثم يتبين لها أن ذلك الإنسي ليس سوى معلّم القرآن الذي يؤم المصلين، ويخطب الجمعة والعيدين، حليف الشيطان ذاته! يا لقبحهم، تصرخ «أمل»، وتضيف: «هل يترك الرجال للأنثى فرحا إلا ويقتلونه؟» وقد ساووا بين النسوة والبهائم… وفي مقاطع غيرها هم أغبياء، أو «حيوانات كأبي وعمومتي وجميع أبناء البلدة»! صفحة بعد صفحة تعرب الراوية عن مقت شديد لسلوكيات ذكور القبيلة الغبية، وتوجس دائم من الوسط الذكوري، وسخط عليه، في ضوء ما شاهدته من «سياط الظلم تتلى فقرة فقرة على جسد الأم والأخوات وكل نساء القرية او كشريط سينمائي يمر ببطء مصحوبا بمؤثرات الفزع والموت، والمشاهد الثانوية (المرعبة والمقززة في آن) التي تسفح روح الطفولة، على صفحة الدهشة البيضاء». وفيما يوغل القارئ متقصيا الوقائع الغريبة، يجد نفسه في أجواء كابوسية مستفادة من مجاهل «ألف ليلة وليلة» السحرية، حيث يختطف الجن أفرادا ينتقونهم ويرحلون بهم تحت الأرض، في عوالم خرافية رهيبة. كل هذه التهيؤات تجيء بفعل اشتهاء الرجل لجسد الفتاة الممانعة، وإعماله فنون السحر والتغييب لإرهاقها وترويضها والنيل منها والاستحواذ عليها. «هكذا توارثنا هذه الأفكار عن أجدادنا (تقول الأم لابنتها) ورأيناهم يقومون بها، ولكني لم أتوقع ان يأتي عليّ الدور لأقوم بها معك أنت يا روحي وفلذة كبدي»! وليس من حيلة «لأمل» سوى أن تصرخ في داخلها «يا إلهي: هل للحياة وجوه كثيرة بكل هذا القبح والغرابة، وهل للموت أبواب خلفية جهنمية ملأى بالعار والخوف؟». ما الذي تستطيعه فتاة القبيلة، المستلبة، إزاء هذا الجحيم الذي يتكشّف لها «منذ بدأت الطفولة تخيط صدارها الثاني عشر، على الجسد القليل، يوم غفت «أمل» لتجد نفسها كائنا مندمجا بكائنات غريبة أخرى شبحية لا أجساد لها، تقتنص حدائقها السرية..». زهور خجولة وسط هذا الفيض من التخيل الغرائبي، تتفتح زهور خجولة لتعابير شاعرية، بين نتوءات معدنية جارحة، وتتكشف عن لغة فياضة، ما تلبث ان تهبط الى درْك البيئة المتخلفة، فتقع في خطابية ومباشرة، شاكية حينا وساخطة أحيانا كثيرة. بين هذا وذاك من مقاطع السرد متفاوت الجودة والإثارة، يضفي خيال الكاتبة الشاعري صورا بهية تونس النص، وتهدئ الروع، وتغري بمتابعة المشاهد، رجاء الوصول مع الراوية، «سليلة الجبال والأفلاج والنحاس والنفط، حفيدة الخناجر واللحى، تلك التي «هرّبتها الحياة باتجاه الموت» رجاء الوصول إلى بر الخلاص. تتوالى فصول الرواية في أمكنة متعددة، متفاوتة مستويات العيش والسلوكيات، ما بين وسط بحريني متحرر، وأجواء قبلية عمانية مظلمة مسكونة بالغرابة، في نزوى ومسقط، وصولا الى لندن في خاتمة المطاف. ورغم تباعد هذه الأمكنة وتباين أشكال الحياة فيها، لا تفتأ الراوية ترسل النداءات والاستغاثات والتأوهات، وأناشيد الذات الأنثوية المكسورة تارة والثائرة الناقمة تارة، وقد يعلو الصراخ ثم يتحول إلى نجوى شاعرية، أو يميل الى العادي من الكلام السردي المتفكك، بغير نسق وقائعي، وقد تتكشف وسط هذا كله قدرة على التخيل والتصوير الغرائبي، او تتكرر «أنا التي..» في ثنايا النص، لتعبّر عن نقمة دهرية للمرأة المتنسمة بصيص ضوء في نهاية النفق. يعزز هذا الاستهداف، سرد قصص اضافية لحياة ومعاناة فتيات أخريات، منهن أحلام البحرينية التي كانت «غابة فرح» لتنتهي إلى «قدر الأنوثة المرتبط بشقاء الذكورة الأرعن». كذلك «حنان» المصرية من أم بريطانية، التي أحبت شابا عربيا، وأهدته روحها، ثم «راح، طلع مجوّر الخاين». و«بدرية» الحسناء التي غدت مجنونة من زوجها، بسبب أفعاله الشائنة مع خليلاته في غرفة نومها… وأم شيخة، او تلك التي ينتعلها زوجها كفردة حذاء.. او تلك التي شاهدت زوجها يمتطي خادمتها الآسيوية (!) وسواهن كثيرات، من المعانيات التائقات للحرية او لحد أدنى من الشعور بالكرامة. وفوق هذا الركام من الحالات البائسة، وتقليب المواجع، تترك الراوية معشوقها يتقلب على نار الانتظار، والاستجابة المعلقة، بفعل شكوكها او خوفها من جهة، وبفعل «عديم»(!) الحائل بين «أمل» وتوقها للمعشوق..! إله جميل يتبدى خلال ذلك جانب اجتماعي مريض، يتعدى البيئة العربية، محمولا الى ملاعب الاغتراب، وكأن أفراد تلك البيئة يراوحون في دائرة التخلف، تمسك بخناقهم معتقدات وموروثات تحول بينهم وبين الثائر بمعطيات الحياة الجديدة، وتنأى بهم عن طرائق العلاقات الطبيعية بين الأفراد من الجنسين. هكذا تفصح الرواية عن أحوال عصية على التكيف والتغيير، لا يؤثر في أصحابها ما يستجد حولها في الأمكنة القريبة والبعيدة، فلا يبرحون مسكونين على الدوام برغائب وحشية، تجعل محاولات التفلت من رهابها تقود إلى «حفلة موت» يحضرها الطبيب النفسي، والعالم الروحي(!) في آن، يقفان بإزاء جسد «المغيبة» ويعرب كل منهما عن توصيف مختلف للحالة الواحدة، وتشخيص مغاير، وعلاج خاص، ثم يتركان القارئ عاجزا عن نسبة فضل العودة من الموت، و«الخلاص من سلطة البشر الشيطانية»، إلى أي من المعالجين! ما يتيح للبطلة ان تتحرر من رهاب «ميثولوجيات المكان العماني» والتخلص من ماضيها دفعة واحدة، كي تباشر البحث من جديد عن إلهها الجميل! ([) الكتاب صادر عن دار الآداب، بيروت، 2008
تعليقات